فهمي هويدي يكتب : درس في الأخلاق السياسية

جولة عربية

الخميس, 23 مايو 2013 11:50
فهمي هويدي  يكتب : درس في الأخلاق السياسية

أهل السياسة والإعلام في تركيا يتداولون القصة التالية التي حظيت بأكبر قدر من القراءة والمتابعة في وسائل التواصل الاجتماعي. في الأسبوع الماضي (يوم 15/5) عقدت الاشتراكية الدولية مؤتمرا في بروكسل، حضره رئيس حزب الشعب الجمهوري السيد كمال قلشدار أوغلو الذي يعتبر حزبه يساريا، وألقى كلمة ندد فيها بالأوضاع الاقتصادية لبلاده واتهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بأنه لا يختلف كثيرا عن بشار الأسد وصدام حسين.

وشاء حظه أن يطلق هجومه بعد أيام قليلة من الإعلان الرسمي في أنقرة عن أن تركيا نجحت في سداد ديونها الخارجية التي بلغت 85 مليار دولار، وأنها تعتزم تقديم قرض لصندوق النقد الدولي بقيمة 5 ملايين دولار.
كان يجلس إلى جوار السيد كمال قلشدار على المنصة رئيس المجموعة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي حنس سوبودا الذي أدهشه ما سمعه منه من المعارض التركي الذي بدا متجنيا ومتحاملا بصورة مكشوفة، فغادر القاعة ولم ينتظر انتهاء كلمته. وقال لمساعديه إن للاشتراكية الدولية قيما وأخلاقا وأعرافا يتعين الالتزام بها، والطريقة التي تكلم بها السيد قليشدار تتعارض مع تلك القيم والأعراف. لذلك فإنه لم يجد سبيلا للتعبير عن الاستياء والاحتجاج سوى مغادرة قاعة الاجتماع في هدوء.

ولم يكن ذلك كل ما في الأمر، لأن زعيم حزب الشعب الجمهوري كان له موعد للقاء السيد سوبودا بعد ذلك، لكن الأخير قال لمساعديه إنه ما لم يعتذر قليشدار عما قاله أو يصححه فإنه لن يكون مستعدا للقائه، وبرر موقفه هذا بقوله أن الزعيم التركي المعارض ضيف ومن احترام تقاليد الضيافة وأعراف الاشتراكية الدولية أن يراعي الضيف شعور مضيفيه وأن يتصرف بصدق ومسؤولية فيما يعبر عنه.. ولما لم يحدث ما طلبه سوبودا فإن الاجتماع لم يتم وجرى إلغاؤه.
أثارت انتباهي القصة من زاوية الحرص على المسؤولية الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها المعارض السياسي. وهو الدرس الذي أراد رئيس المجموعة الاشتراكية الدولية أن يلقنه للسيد قليشدار، حين دافع بسلوكه ليس فقط عن ضوابط تلك المسؤولية ولكن أيضا عن قيم وأعراف الاشتراكية الدولية، وهو موقف لا يتأتى إلا في ظل نهم عميق لقيم الديمقراطية وصلتها بالأخلاق السياسية، الأمر الذي نفتقده في حياتنا السياسية، بحكم حداثة عهدنا بالممارسة الديمقراطية وما تستصحبه من مسؤولية
أخلاقية في ممارسة الحرية وفي سلوك المعارضة. إذ المتابع لما يحدث في مصر يدرك أن هناك تداخلا بين الحرية والفوضى، وأن هناك التباسا في أن فكرة القانون يطلق حريات الناس طالما أن ممارساتهم لا تشكل عدوانا على حريات الآخرين، أو تعطيلا للصالح العام. وبسبب ذلك التداخل فإن قيمة الحرية اقترنت في التطبيق العملي بمفهوم استباحة الآخرين وممارسة مختلف أشكال تجريحهم والحط من شأنهم وإهدار كراماتهم. وخطورة هذا السلوك تكمن في أنه يتحول بمضي الوقت إلى ثقافة سائدة في المجتمع. ليس فقط لأنه يهبط بمستوى الحوار ويدفع الفريق الآخر إلى ممارسة هبوط مماثل وهو ما نشهده في تجاذبات الإخوان والمعارضة، ولكن أيضا لأنه يعطي الجماهير دروسا في كيفية إدارة الخلافات بين بعضهم وبعض.
لا يقتصر الهبوط في الأداء على لغة الحوار بين الفرقاء، ولكنه يمتد ليشمل المواقف التي تتداخل فيها الخطوط بين المعارضة والمعاندة، ولا تميز بين الإنصاف الذي ينحاز لما هو إيجابي ويدين ما هو سلبي، وبين المسؤولية التي تحث المعارض على أن يقدم البدائل التي يراها محققة للصالح العام، وبين المعارضة الانقلابية التي ترفع شعار علىَّ وعلى أعدائي، بما يعني أنه طالما نحن لسنا أصحاب القرار فكل من عدانا باطل ولا سبيل إلى القبول به.
لا يعيبنا أن نكون حديثي العهد بالممارسة الديمقراطية، لكن يعيبنا جدا ألا نتعلم من أخطائنا، بحيث نظل نرفع المعاندة شعارا، حتى وإن أدى ذلك إلى غرق السفينة بكل ركابها. عن صحيفة الشرق القطرية
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية