خيري منصور يكتب :هؤلاء أين كانوا؟

جولة عربية

الجمعة, 05 أبريل 2013 13:49
خيري منصور  يكتب :هؤلاء أين كانوا؟

إذا كانت كل هذه الأزمات والتمدد العشوائي لكل مجالات الحياة قد تفاقمت خلال خمسة عقود، فأين كان هؤلاء الذين يواجهون آثارها اليوم دفعة واحدة؟ وهل كان الصمت تواطؤاً أو أن هناك مواعيد للتغيير لا تخضع لعقارب الساعة المحلية ولتوقيتها السياسي؟

ما من مجال يتطرق إليه الإعلام في عواصم عربية شهدت تغييرات سياسية إلا ويبدو مُثقلاً بمشكلات عصية على الحل في المدى المنظور، من الصحة إلى التعليم مروراً بكل ما يتفرع عن البنية التحتية التي أدركتها الشيخوخة .

أين كان هؤلاء؟ وهل تفرغوا لعقود عدة كي يحصوا ضحايا الفساد والخراب واللامبالاة والاستنقاع السياسي؟ فإن كانوا بانتظار معجزة فهي لم تقع إلا في أحلامهم، وإن كانوا بانتظار البرابرة تحت الأسوار كما في قصيدة اليوناني كفافي، فإن البرابرة غيروا الطريق ومن

جاء هو غيرهم وحمل أطناناً من البارود وسماداً كيماوياً لتغذية بذور الصراعات الإثنية والطائفية وقليلاً من الديمقراطية المجمدة .

إن من يتحمل عبء هذا التراكم من الأزمات ليس طرفاً واحداً، فإن كان هناك نُخُب فما الذي كانت تصنعه غير الترقب؟

لقد خسرنا الكثير من الوقت والطاقات في إسقاطات سياسية على آخرين، وتكسرت المشاجب الخشبية كلها لفرط ما أُثقلت بخوذ ومعاطف وهراوات، أما المؤامرة فهي رغم وجودها في كل مراحل التاريخ بمختلف الأسماء، فإنها لعبت في هذه الدراما العربية دور البطولة، إنها إعفاء للذات من الاعتراف بالتقصير وبالتالي حرمان الأفراد والجماعات من نعمة النقد الذاتي والمراجعات، إنها ضمير الغائب، وأحياناً نائب

الفاعل ما دام كل هذا الخراب يُنسب إلى مجهول .

إن مجمل هذا الحصاد من الهشيم، وهذا الإفراز العشوائي لحقبة من البطالة التاريخية لا يتحمله طرف، أو حتى نظام لأن النظم لا تهبط بمظلات من كواكب نائية، ولدينا نحن العرب حكمة خالدة عن جدلية الحاكم والمحكوم، فالمجتمعات تفرز من صُلبها ما تستحقه من القضاة والحكماء، تماماً كما تفرز من صميم وجودها ما تستحقه من القتلة والفاسدين .

أما هذا الاختراع الإعلامي الذي تشحنه الأيديولوجيات وهو تقسيم البشر إلى أخيار  وأشرار وخونة وأبطال، فهو يشكو أيضاً من فساد ذهني ومنطقي .

ولا نظن أن من يزعمون الطهرانية وعدم تلوث الأيدي بهذا الخراب قد عادوا إلى بحيرة اخيلوس في الأسطورة واستحموا فيها، فهي وحدها التي تعيد البغي عذراء، واللصّ قاضياً، والغريم حليفاً .

نحتاج إلى قدر من الشجاعة وعدم الاستجابة للابتزاز كي نعيد المعادلة إلى وضعها القويم . . فهي الآن عرجاء كما أن قراءة خمسة عقود مضت هي قراءة عوراء .