رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبد المنعم سعيد يكتب :الذهاب إلى المصيدة

جولة عربية

الأربعاء, 21 نوفمبر 2012 14:52
عبد المنعم سعيد يكتب :الذهاب إلى المصيدة

ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنه لم يتغير شيء في عالمنا العربي، فلا استقلال جرى، ولا ثورات قامت، ولا جامعات أقيمت، ولا مدن ازدهرت، ولا عالم دخل فينا ودخلنا فيه، ولا ربيع قدم منذ عامين يؤذن لشباب الـ«فيس بوك»،

وزهور من رجال ونساء تبشر بدنيا لم نعرفها من قبل. المسألة كما كانت تماما في عام 1948، و1955، و1956، و1967، و1982، و1991، و2006، و2008، وما بين هذه الأعوام وخلالها جرت نكبات ونكسات وأخطاء في الحسابات، اعترفنا ببعضها أحيانا، ووضعنا رؤوسنا في الرمال العربية الناعمة، والمترامية الأطراف حتى لا نرى الحقائق الموجعة، أحيانا أخرى.
كتاب التاريخ العربي المعاصر فيه فصل كبير عن «الاستدراج»، برع فيه الأستاذ محمد حسنين هيكل في مطولاته عن حرب الثلاثين عاما، وعن حرب الخليج التي يمكن أيضا حسابها وقد تعدت ثلاثين عاما إذا ما شملت الحرب العراقية - الإيرانية، واحتلال الكويت وتحريرها، وغزو العراق واحتلال بغداد، حتى وصلنا إلى حرب الزرقاوي والمجاهدين، والشيعة ضد السنة. جوهر فصل «الاستدراج» هو أن جماعتنا من القادة لديهم سمة «المستدرجين» الذين تغمض عيونهم عن رؤية توازنات القوى وحقيقة العالم فإذا بهم يسقطون من حالق إلى هاوية ومعهم شعوبهم، وأمتهم، ودولهم. في مقدمة كتاب «جيوش وعروش» نجد الجماعة تجري وراء حرب عام 1948 ويحارب بعضها بعضا، وهي ترفض قرار التقسيم بينما خططها العسكرية كلها لا تريد تجاوز القرار، فتنتهي الحرب وقد تجاوزته إسرائيل فتحصل على ما لم يرد في القرار. وهكذا تسير القصة فيستدرج «الديك الرومي» فيتم احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة، ويعلن صدام حسين أنه سوف يحرق نصف إسرائيل فإذا بالعراق تحترق كلها، وحسن نصر الله يخطئ الحسابات فيتم احتلال الجنوب اللبناني بالقوات الدولية، أما غزة فتأخذ القصة من أبسط مفاصلها فتقرر الانفصال قبل قيام الدولة وتخوض حربا ثم تتساءل: أين الأمة العربية؟
يجب أن نعترف أن الأمر ليس راجعا فقط إلى القيادات، وإنما كان للشعوب فيها نصيب ودور. الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني ليس كمثله ظلم، ولكن الخلاص منه

يحتاج إلى طريق شاق من العمل والتعليم والتفوق التكنولوجي وكسب العالم معنا. مثل ذلك يحتاج - كما قال تشرشل ذات يوم - إلى الدم والعرق والدموع، ولكن الاختيار كان في الاتجاه الأسهل حينما سلمت الشعوب رقابها لكل من يهتف لفلسطين، أو يطلق عليها طلقة أو صاروخا، أو يسبب لها قلقا ولو لدقيقة، وبعدها ليس مهما ماذا يحدث، وما حدث كان ضياعا للفرص، واختيارا للطغيان، والتراجع في ركب الأمم. كانت حالة الهستيريا الجماعية الشعبوية في كل مرة هي التي تضع القادة إما في ركب استغلال الموقف للتغطية على موقف ظالم، أو فشل ذائع، أو زيادة لأيام حكم طاغ، أو من ناحية أخرى خوض معركة لم يستعد لها أحد، ولم يتوفر لها تخطيط، ولم يتشاور حولها طرف مع أطراف، ولا يحدث أمر من هذا إلا بعد أن تقع الواقعة فيطلب اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية.
القصة الآن تطبق بحذافيرها، المنطقة كلها تعج من مالي إلى بغداد، ومن الصومال إلى سوريا، بجماعات الإرهاب والجهاد التي جهز لها القذافي من السلاح ما يكفي لسد وجه الشمس. وبدأت الحرب المسلحة من سيناء لتحرير الأراضي المقدسة بدءا بقتل قوات الجيش والشرطة المصرية مع بعض من الأهداف الاقتصادية والمدنية، لعل ذلك يجعل الطريق لتحرير فلسطين أو الذود عن الثورة في سوريا ممهدا. حاكم دمشق بشار الأسد وجد أن عليه أن يسبق الجميع، وهو الرجل الذي لم تنطلق من ناحيته طلقة من قبل، وجبهته على الجولان من أكثر الجبهات هدوءا، وحتى عندما عبرت القاذفات الإسرائيلية إلى أرضه لكي تدمر المفاعل الكوري الشمالي ظل صامتا ربما تتجاهل إسرائيل الأمر، ولكنها سربته، وهنا ذهب إلى الأمم المتحدة شاكيا. لا أحد بالطبع يتذكر ما إذا كانت المنظمة الدولية
أصدرت بيانا أم لا، ولكن بشار قرر خربشة المناطق منزوعة السلاح، فيتم تبادل لإطلاق النار تستغله إسرائيل لإظهار تفوقها فتكتفي دمشق بالحديث عن تواطؤ الثوار مع إسرائيل. ولكن جماعات الجهاد في غزة تأبى أن تسرق منها دمشق القضية المركزية فيكون إطلاق الصواريخ، ولكننا لا نعرف ما إذا كان ذلك إشارة التحرير الأولى، أم أننا بعد ذلك سوف نذهب إلى مجلس الأمن نبحث عن قرار لإدانة إسرائيل ووقف إطلاق النار، ونحن نعلم علاقة إسرائيل بالعالم، والدول الخمس الدائمة العضوية في الأمم المتحدة.
الهدف هذه المرة هو مصر حتى يخفت ربيعها وتضيع ديمقراطيتها الوليدة فتكون معركة سيناء أولا، ومن بعدها تبرر المعركة بالكفاح ضد إسرائيل، وتصبح النخبة السياسية المصرية الجديدة تحت ضغوط مروعة من أنصارها، ومنافسيها في حمل الراية الإسلامية، ومعارضيها الذين لا يعلمون ما إذا كان عليهم الدفاع عن موقف يقود إلى حرب بينما مصر كلها لم تتعدَّ المرحلة الانتقالية بعد.
ولكن الحل يكون كما كان دائما هو المظاهرات والمليونيات والضغط الشعبي، حيث تجري المزايدة على من سيكون الأكثر تشددا في مناصرة الأشقاء ومواجهة الأعداء. قبل الربيع العربي في مصر، وقبل أن يصير ميدان التحرير قبلة الثوار، كان واحدا من أسباب الخوف من حكم الإخوان المسلمين أنهم قد يأخذون البلاد إلى حرب أخرى لم يستعد لها أحد. وكان رد الثقات من الجماعة أن معارضتهم لاتفاقية السلام لا تعني الحرب، وكان ذلك ما أكدوه عندما وصلوا إلى السلطة، فقد تمسكوا بالمعاهدة، وعندما تكاثر الإرهابيون في سيناء توصلوا إلى تفاهم مع إسرائيل لزيادة قواتنا عما هو محدد في البرتوكول الأمني، وكان منهم من يفخر بأنه تحت الحكم الراهن تمت إزالة أنفاق أكثر مما فعل النظام السابق، وأضيف إليها أن النظام الحالي أكثر جدية بكثير في عملية تعمير وبناء سيناء. كان الكلام رائعا لكن آلية الاستدراج سارت في طريقها المعلوم، طارت الصواريخ، وجاء الرد الإسرائيلي عنيفا وعدوانيا وأكبر من كل ما جاءها، فقال السيد إسماعيل هنية إن مصر لا يمكنها أن تترك فلسطين وغزة فلبت مصر النداء فسحبت السفير، وطلبت اجتماع الجامعة العربية.
هل ينجح الاستدراج هذه المرة أيضا؟ في تقديري أن أمل إسرائيل ربما سيخيب هذه المرة لأن هناك حكمة كافية لتفويت الفرصة، ولكنها ليست بالضرورة لتفويت الظرف فيكون وسيلة للتعبئة والحشد وراء أوضاع جديدة في مصر أولا، أما ما سوف يحدث في غزة أو فلسطين فسوف يترك لجولة اخرى، يكون الاستدراج ساعتها أكبر مما عرفنا حتى الآن.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط
تابعونا من جديد على فيس بوك:

بوابة الوفد الإلكترونية‎‎