رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد السعيد إدريس يكتب:النظام العربي ومشاهد العراق الدرامية

جولة عربية

السبت, 10 نوفمبر 2012 13:01
محمد السعيد إدريس يكتب:النظام العربي ومشاهد العراق الدراميةمحمد السعيد إدريس
بقلم:محمد السعيد إدريس

صدور حكم رابع بإعدام طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي في غضون أقل من شهرين (الحكم الرابع صدر يوم الأحد 4/11/،2012 والحكمان الأول والثاني صدرا يوم 9/9/،2012 في حين صدر الحكم الثالث يوم 1 /11 /2012).

وإصدار مذكرة إلقاء قبض بحق محافظ البنك المركزي العراقي الدكتور سنان الشبيبي، أثناء وجوده خارج العراق، بعد خلافات طويلة بينه وبين رئيس الحكومة نوري المالكي، بسبب اعتذار الشبيبي قبول طلب لإقراض الحكومة مبلغ خمسة مليارات دولار، يؤكد أن العراق مازال يدور ضمن تلك الدائرة الجهنمية من الصراعات التي هدفها استمرار مسلسل “حرب استنزاف القدرات”الوطنية العراقية، لإخراج العراق نهائياً أو لضمان خروجه نهائياً من حسابات القوة الإقليمية .

كان العراق قد ظهر كقوة عربية راديكالية في أعقاب تراجع الدور المصري عملياً بعد نكسة ،1967 وفعلياً بوفاة الزعيم جمال عبدالناصر، في وقت كانت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق قد بلغت ذروتها، لذلك بادرت الولايات المتحدة بالتحالف مع إيران للقيام بدور شرطي الخليج المكلف الدفاع عن المصالح الأمريكية عقب الانسحاب الرسمي البريطاني . وقتها أيضاً كان النفط و”إسرائيل”ومصالح واشنطن في الخليج على رأس مصالح ذلك التحالف المتسع الذي قادته الولايات المتحدة مع إيران الشاه ضد العراق . ولم تكن “إسرائيل”غائبة بالطبع عن هذا التحالف، بل كانت تقوم بدورها على أفضل وجه، على نحو ما كشف آفي ديختر وزير الجبهة الداخلية حالياً في حكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الداخلي (الشاباك) السابق في الكيان الصهيوني .

آفي ديختر ألقى محاضرة أمام أحد مراكز البحوث الاستراتيجية “الإسرائيلية”الشهر الماضي، ونقلت صحيفة “جيروزاليم بوست”نصها، وفي هذه المحاضرة كشف عن الأدوار التي قامت بها “إسرائيل”منذ أواخر عقد الستينات ضد العراق، من خلال تقديم الدعم والمساندة لحركة التمرد الكردية، ضمن سياسة دعم

الأقليات في الأقطار العربية، بهدف النيل من التماسك الوطني والوحدة الوطنية لهذه الأقطار، أملاً في تفكيكها وإعادة تقسيمها مرة أخرى، أي إعادة تنشيط مخطط التقسيم الذي بدأ مع اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916 . لكن، وفي هذه المحاضرة كشف عن حقيقة الأهداف “الإسرائيلية”نحو العراق منذ الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق العام ،2003 عندما أكد أن هدف “إسرائيل”الاستراتيجي هو عدم السماح للعراق بأن يعود إلى ممارسة دور عربي وإقليمي، مشيراً إلى أنه إذا كان العراق قد تلاشى كقوة عسكرية وكبلد موحد بفضل الأدوار التي قام بها الأمريكيون داخله منذ غزوه واحتلاله، فإن هدف تحييده عن طريق تكريس أوضاعه الحالية يعد هدفاً وأولوية استراتيجية للأمن “الإسرائيلي”.

تحليل ديختر للوضع العراقي الراهن يوضح ثلاثة مشاهد عراقية كئيبة ترضي الكيان الصهيوني، وهي: 1- انقسام العراق على أرض الواقع إلى ثلاثة كيانات أو أقاليم رغم وجود حكومة مركزية، 2- العراق مازال عرضة لاندلاع جولات جديدة من الحروب والاقتتال الداخلي على أساس طائفي وعرقي، 3- العراق بأوضاعه الأمنية والسياسية والاقتصادية لن يسترد وضعه السابق .

ضمن هذه المشاهد الثلاثة كشف ديختر عن المخطط “الإسرائيلي”للعراق الذي يرتكز على مقولة عدم السماح للعراق بأن يعود قادراً مجدداً ليقوم بدور قيادي فاعل على أي من المستويين العربي والإقليمي، وأنه لتحقيق هذا المخطط لا تدّخر “إسرائيل”جهداً، عبر كل الوسائل المرئية وغير المرئية، المشروعة وغير المشروعة، مع تعويل كامل على أدوار أمريكية بالعراق، لا تقل أهمية لتحقيق هذا الهدف، لدرجة إعلانه أنهم في الكيان الصهيوني

لا يدخرون جهداً لخلق ضمانات وكوابح من شأنها ضمان عدم العودة هذه، ليس فقط من شمال العراق، بل وفي العاصمة بغداد، والحرص على نسج علاقات مع بعض النخب السياسية والاقتصادية، حتى تبقى ضمانة ل “إسرائيل«، لبقاء العراق خارج دائرة الدول العربية التي هي في حالة حرب مع “إسرائيل”.

هذا الوضوح “الفاجر”لا يمكن أن يعطي ذريعة لأي طرف عراقي أو عربي يتحدث بديماغوجية عن وجود مؤامرة ومؤامرات “إسرائيلية”أو غير “إسرائيلية”تستهدف العراق، لأن أي شيء بهذا الخصوص لم يعد خافياً، كل التفاصيل واضحة ومكشوفة، ويبقى أن يحدد كل طرف دوره من هذا الهدف “الإسرائيلي”الخاص بالعراق شديد الوضوح .

إذا كان هذا هو التخطيط الاستراتيجي “الإسرائيلي”للعراق، الرامي إلى جعله دائماً خارج دائرة الفعل والتأثير العربي والإقليمي، وإلهائه بمشكلاته الداخلية واستنزاف ثرواته وقدراته في صراعات وحروب بين مكوناته الطائفية والعرقية وقواه وتياراته السياسية، فإن إيران هي الأخرى تضع العراق، ومنذ اندلاع الحرب العراقية  الإيرانية عام ،1980 بل ومنذ سقوط نظام الشاه وتأسيس نظام الجمهورية الإسلامية في موضع العدو . فعندما أطلق الإمام الخميني على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لقب “عدو الله«، كان هذا إعلاناً مبكراً لحرب إيرانية ضد العراق، وعندما وقعت حرب الثماني سنوات وانتهت، وعندما تورط العراق في احتلال الكويت في 2/8/،1990 وأسست الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لإنهاء هذا الاحتلال، وشنت حرباً لإخراج الجيش العراقي من الكويت، وعندما وضعت الولايات المتحدة العراق ضمن سياسة الاحتواء والتركيع، وبعدها قادت تحالفاً مع بريطانيا لاحتلاله، كان الموقف الإيراني الواضح هو عدم السماح للعراق بأن يعود قادراً على تهديد إيران، وعندما استطاعت إيران توظيف تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق لمصلحتها، تحول الهدف من تحييد العراق كقوة عربية وإقليمية غير قادرة على التأثير، إلى أحد أدوات المشروع الإقليمي الإيراني، ضمن أدوات أخرى .

كل هذا يعني أن العراق الذي مازال تحت الهيمنة الأمريكية الشاملة بفضل حزمة الاتفاقيات الأمنية والدفاعية والسياسية والاقتصادية التي جرى إجبار حكومة بغداد على التوقيع عليها، يواجه أيضاً مخططاً “إسرائيلياً”ومخططاً إيرانياً، في توافق هدف محدد، هو تحييد دور العراق وعدم ظهوره ثانية كقوة قادرة على التأثير ضمن معادلة سياسية  عسكرية عربية ضد مصالح أي من القوتين الإقليميتين: إيران والكيان الصهيوني .
نقلا عن صحيفة الخليج