رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سعيد بنسعيد العلوى يكتب:إمام المسجد في فرنسا

جولة عربية

الاثنين, 29 أكتوبر 2012 12:08
سعيد بنسعيد العلوى يكتب:إمام المسجد في فرنسا
بقلم:سعيد بنسعيد العلوي

أود، في حديثي اليوم، أن أعرض لصورة إمام المسجد في أوروبا عامة وفي فرنسا على وجه التخصيص.

ولست أريد أن أكتفي برسم الصورة التي ترتسم في الأذهان عن هذا الإنسان الذي يتصدى للقيام بدور غير يسير في الحياة الاجتماعية والروحية في بلد عريق يمثل فيه المعتنقون للدين الإسلامي نسبة مئوية لا تقل عن العشرة في المائة من مجموع السكان بل إنني أسعى إلى تبين المهنة التي يقوم بها الإمام.
يتعين علينا، من أجل إدراك أفضل للصورة، أن نستحضر الملامح العامة للسياقين الثقافي والاجتماعي للدين والتدين وممارستهما في فرنسا، وهذا يتطلب منا التنبيه إلى أمرين اثنين.
الأمر الأول هو أن فرنسا، كما نعلم، دولة لاييكية (أو «علمانية»، كما تترجم خطأ كلمة - laïque) تقوم على الفصل بين مجال كل من السياسة والدين، فالأول عام أو ينتمي إلى المجال العمومي، والثاني خاص أو هو يتصل بالمجال الخصوصي لكل فرد من الأفراد. وبموجب هذا التمييز فإن الدولة تنفض يدها من الشأن الديني وإدارته، والحال كذلك منذ صدور القانون الشهير بقانون 1905 الذي تم بموجبه التقنين العملي للاييكية الدولة الفرنسية. ولكن واقع الحال هو أن كلا من منطقة الألزاس - لورين (شرق فرنسا) وكذا عدد من البلاد الفرنسية خارج البحار ظل فيها الأمر على النمط السابق على صدور القانون المشار إليه، فللدولة صلة مباشرة بتدبير الشأن الديني وما يتعلق به من الناحية المالية خاصة. وبعبارة أخرى فإن الدولة الفرنسية (باستثناء المناطق المشار إليها) قد كفت عن التدبير المالي لشؤون التدين والعبادات وهذا من جهة أولى، كما أن ما نسميه في بلداننا العربية الإسلامية تربية دينية قد تم إخراجه من مدارس التعليم العمومي وأصبح مقصورا على المدارس والمعاهد التي تتبع للأديرة والكنائس وهذا من جهة أخرى. وربما وجب أن نشير إلى أمر قد تجهله الجمهرة الكبيرة من القراء وهي أن الإدارة (النسبية طبعا) للشأن الديني ترجع إلى وزارة الداخلية ومن ثم فإن التسمية الإدارية لهذه الوزارة في فرنسا هي «وزارة الداخلية والعبادات».
الأمر الثاني هو أن الحضور الإسلامي في فرنسا حضور حديث النشأة نسبيا (متى قصدنا بالحضور واقع الأقليات أو الجماعات الصغيرة المتفرقة) فهو لا يرقى، على

العموم، إلى أبعد من السنوات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الأولى وهو لم يعرف بداية تحول كمي ملموس إلا ابتداء من ستينات القرن الماضي بل إنه لم يصبح يسترعي الانتباه ويطرح جملة إشكالات وصعوبات إلا منذ ثمانينات القرن المنصرم خاصة. وهذا الواقع يجعلنا أمام جملة من المعطيات الجديدة، معطيات لكل منها أثرها البعيد في كل من النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية في فرنسا. ففي الوقت الذي كانت فيه الكنائس والأديرة المسيحية (الكاثوليكية والبروتستانتية وغيرهما) تعتبر غنية، بالنظر إلى الممتلكات الواسعة التي تتوفر عليها فضلا عن مداخيل أخرى، وكانت الكنائس اليهودية (مع قلتها العددية) في وضع مماثل، يلاحظ قلة المساجد ودور العبادات - بل انعدامها بالجملة في الأغلب الأعم من البلاد الفرنسية وبموجب قانون 1905 المذكور سابقا ليس للدولة الفرنسية أن تهتم ولا أن تسهم في بناء دور العبادة للمسلمين وليس للمسلمين في فرنسا وهم في سوادهم الأعظم فقراء حملهم على الهجرة إلى فرنسا السعي من أجل التماس الرزق - هذا من جهة أولى. ولسنوات كثيرة ظل مسجد باريس (وهو المسجد الذي شيده الملك المغربي يوسف بن الحسن، جد الملك الحسن الثاني، في مطلع عشرينات القرن العشرين) ظل المسجد الوحيد اللائق وظل الإمام الخطيب المصدر الوحيد في إرشاد المسلمين في فرنسا (وربما البلدان المجاورة) فهو الذي يخبر عن الأهلة وينظم مواقيت الصلوات والصوم. وأما المساجد في المدن الكبرى التي تعرف ارتفاعا هائلا في نسبة القاطنين ممن يدين بالإسلام فهي، على العموم، حديثة النشأة ثم إن تشييدها لم يخلُ من صعوبات من أصناف شتى وتلك قضية أخرى. ومن جهة ثانية صاحب التنامي العددي الهائل للساكنة المسلمة في فرنسا، مع ما ذكرنا من مقتضيات قانون 1905، بروز ظاهرة «المساجد العشوائية» حيث إن الصلوات تمارس في السراديب وفي مآرب السيارات بل إنها تضيق لتمتد صفوف المصلين في صلاة الجمعة إلى
الشوارع والأزقة مع ما يثيره هذا الواقع من لغط وفوضى ومن إشكالات اجتماعية ووجودية ثقافية. ومن جهة ثالثة صاحب تنامي الظاهرة المذكورة، وبصفة خاصة في الضواحي الفقيرة والهامشية أو المسماة عند الفرنسيين بـ«الأحياء الحارة» أو «الصعبة»، بروز ظاهرة أحرى ارتبطت مع تكون تلك الأحياء وكانت نتيجة ردود فعل سيكولوجية - اجتماعية - ثقافية بالغة التعقيد وهي ظاهرة الغلو أو التطرف الديني والتي تتصل بالإرهاب بأسباب بالغة التعقيد أيضا.
في كلمة واحدة لم يعد الإسلام في فرنسا مرتبطا بالهجرة طلبا للشغل ولم تعد إقامة «المهاجرين» من بلدان المغرب العربي خاصة إقامة مؤقتة تنتهي بنهاية عقد العمل أو بلوغ سن التقاعد أو العجز عن العمل، بل إنها أصبحت إقامة قارة متصلة. من ثم فإن علماء الاجتماع وعلماء السياسة وعلماء الإحصاء وباحثين في مجالات أخرى غير ذلك يتحدثون عن الجيل الأول، والجيل الثاني ثم الثالث، وحاليا عن الجيل الربع. من الناحيتين القانونية والثقافية معا لم يعد الأمر متعلقا بمسلمين يعيشون في فرنسا وإنما هم فرنسيون يدينون بالإسلام، مواطنون فرنسيون وإن كانوا في الأغلب الأعم مواطنين من الدرجة الثانية؛ ولكن هذا ليس موضوع حديثنا اليوم.
تلك بعض من سمات السياق الثقافي - الاجتماعي لوجود المسلمين في فرنسا اليوم، ربما كانت بالفعل أهمها ولكن الكيفية التي تحدثنا بها ليست مع ذلك لا جامعة تذكر كل شيء، ولا مانعة تحول دون ذكر عناصر وأسباب أخرى قد لا تقل عما ذكرناه أهمية. والحديث عن إمام المسجد في فرنسا يدفع إلى طرح تساؤلات كثيرة نكتفي بذكر أحدها وهو يتعلق بالجمهور الذي يخاطبه الإمام الذي نتحدث عنه: إذا كان حقا من طبيعة المساجد أنها لا تضم جمهورا واحدا منسجما، بل حضورا يختلفون في الأعمار وفي الوضعيات الاجتماعية وفي الثقافات واللغات فليس الجامع - في المسجد الجامع - سوى الانتماء إلى الدين الواحد والنطق بالشهادتين، إذا كان كذلك فإن الشأن في المؤمنين الذين ينتظمون في صفوف الصلاة ويشهدون الجمعة ويستمعون إلى الخطيب في المساجد في فرنسا أكثر تباينا في المكونات الثقافية وفي البنيات النفسية لكل واحد منهم. قد يكفي أن نشير، على سبيل المثال، إلى التفاوت في المكونات جميعها بين أبناء «الجيل الثاني» من المهاجرين وبين أبناء هؤلاء الأخيرين الذين شبوا ونشأوا في ظل ثقافة مختلفة؛ فهم، أحيانا كثيرة، لا يحملون سوى صور باهتة عن البلد الأصلي لآبائهم وهم يعانون أزمة التوتر الحاد بين الانتماء إلى ثقافتين والانتساب إلى عالمين ربما كانوا يشعرون في كلا العالمين بالغربة فهم في فرنسا، في الأغلب الأعم أبناء «الضواحي» وهي الصيغة الفرنسية المؤدبة في الحديث عن الأحياء «الحارة» - وربما تكشفت في بعض الأحوال عن «غيتو» أو أحياء التهميش والإقصاء والعزلة والرعب.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط