رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رسائل التريمسة

جولة عربية

الأحد, 15 يوليو 2012 12:30
رسائل التريمسة
عبدالله اسكندر

كلما ارتكبت مجزرة في سورية، تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن كي يتخذ قراراً ملزماً بوقف العنف، وتالياً إلى روسيا التي لا تزال تمانع مثل هذه الخطوة.

وجاءت مذبحة التريمسة بين ثلاثة مواعيد مهمة. الأول جولة الموفد كوفي أنان على دمشق وطهران وموسكو. وهي الجولة التي تحول خلالها من موفد مشترك - دولي عربي، أي ينقل صيغة التفاهم العربية - الدولية التي تبلورت في النقاط الست، إلى مروّج لمسار جديد خاص.
الثاني، زيارة موفدين من المعارضة السورية، بشقيها المجلس الوطني المتشدد في مواقفه وقبله التيار الديموقراطي الداعي إلى حوار داخلي ما والمعارض لأي تدخل خارجي، من أجل توفير صيغ طمأنة في شأن المصالح الروسية في المرحلة المقبلة.
والثالث، عودة الملف السوري إلى مجلس الأمن، سواء في إطار بحث مهمة المراقبين وتمديدها أو في قرار جديد يتناول الأزمة السورية عموماً، وكيفية دفع خطة أنان (الأولى أو الجديدة؟) إلى حيز التطبيق.
وقراءة رسائل المذبحة الجديدة في ريف حماة تأتي في هذا الإطار السياسي، خصوصاً أنه ليس هناك أي شك في الطرف الذي ارتكبها، وهو القوات السورية النظامية والشبيحة. لقد اعترفت

دمشق رسمياً بأن قواتها هي التي تقوم بعمليات في المنطقة واعترفت بعثة المراقبين، وللمرة الأولى ومن دون لبس، أن القوات النظامية هي التي ارتكبتها.
ويطرح السؤال عن دوافع النظام إلى ارتكاب هذه المذبحة، في الوقت الذي يسعى أنان إلى إشراك الحليف الإيراني في الحل ويتوجه إلى الحليف الروسي في إطاره، وفي الوقت الذي يعود الملف إلى مجلس الأمن. وقد رأينا الردود العربية والدولية المنددة والمطالبة بالفصل السابع وبعضها بالتدخل الخارجي.
الأرجح أن النظام يريد استدراج مثل هذه المواقف ويدفع الأمور إلى تصعيد ميداني وسياسي، من أجل قطع الطريق على أي احتمال للحوار، سواء جاء عبر أنان أو موسكو، ناهيك بالطبع عن رفضه المطلق لأي بحث في مرحلة انتقالية.
على المستوى الظاهري قال النظام كلمته في هذه المسألة، عبر تنظيم انتخابات برلمانية وحكومة «وحدة» مع «معارضة» داخلية، إلى حد تسمية أحد هؤلاء المعارضين وزيراً للحوار والمصالحة. أي أن النظام قام، شكلياً، بما عليه. ويبقى
إقناع «المجموعات المسلحة والإرهابيين» بالانضمام إليه. وهذا بالضبط ما ركزت عليه موسكو في تبرير موقفها المناهض لأي قرارات دولية ملزمة لوقف العنف.
والرسالة التي يبعث بها النظام حالياً هي لحليفه الروسي الذي يبعث بإشارات متعارضة في شأن الحوار وأطرافه. والتصعيد في هذا الإطار يلزم الحليف بتأييد النظام وخطواته السياسية.
أما الرسالة البعيدة المدى فهي تنطوي على تسعير للنزاع بما لا يبقي أي شك في طبيعته الطائفية، الأمر الذي يدخل الأزمة في معادلة جديدة، تفرض على جميع الأطراف الدوليين إعادة النظر في تقويمهم للوضع وللأدوار التي يمكن أن يقوموا بها، خصوصاً لجهة التدخل المباشر. من البديهي أن اتخاذ هذا النزاع البعد الطائفي يدفعه إلى أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من نزاع إقليمي، أي انزلاق فيه يتحول حرباً إقليمية لا تستبعد إيران وتركيا، ناهيك عن دول الخليج والأردن. والجميع يدرك أن دول المنطقة والدول الكبرى لن تبقى بمنأى عن مثل هذا النزاع الذي لا ترغب فيه، لأسباب كثيرة، وستعمل على أن تحول دونه أو اشتراكها فيه. أي أن التصعيد الطائفي يبعد شبح التدخل الخارجي أكثر من كونه مستدرجاً له.
وبذلك تكون الدماء السورية، مرة أخرى، هي الثمن الذي يقدمه النظام من أجل البقاء في السلطة وتخويف العالم من عواقب سقوطه. وعلى روسيا أن تقرر الآن ما إذا كانت تلتقط هذه الرسائل الدموية أم أنها ستبقى تتصرف وكأنها لا تعرف.
نقلا عن صحيفة الحياة