عبد الرحمن الراشد يكتب :مرسي وشفيق بعد مبارك

جولة عربية

الاثنين, 04 يونيو 2012 11:17
عبد الرحمن الراشد يكتب :مرسي وشفيق بعد مبارك

بقي في القرن الحالي 88 عاما، وبالتالي من المبكر استعجال الحكم على التاريخ بتسمية محكمة الرئيس المصري حسني مبارك بمحاكمة القرن أو العصر، وهي للبعض بالفعل قضية العمر. من يدري ما يخبئ المستقبل الذي لو سار وفق الدستور المقترح فإن مصر سيحكمها على الأقل أحد عشر رئيسا، وعلى الأكثر اثنان وعشرون رئيسا، على اعتبار الرئاسة أربع سنوات، وإذا عدل الدستور بحيث لا يبقى الرئيس في الحكم أكثر من فترتين. مبارك حكم مصر خمس فترات ويتهم بأنه كان يخطط لتوريث الحكم لابنه جمال مما جلب له متاعب لأكثر من عشر سنوات، وأخيرا قامت الثورة ضده.

محاكمة مبارك الحدث الأكثر إثارة، لكنها لن تكون المحطة الأهم في التاريخ المصري، بل انتخاب رئيس جديد ربما يحدث فرقا عظيما وتأثيرا على مسار المستقبل. أما مبارك فقد حوكم وحكم عليه عندما أجبر على التنحي في الحادي عشر من فبراير (شباط)

العام الماضي، كانت تلك أقسى عقوبة يمكن أن تصدر بحق حاكم مثله، وتبقى المفاضلة بين أن ينام على سرير في مستشفى السجن أو سرير في مستشفى بيت للعجزة.
بناء المستقبل هو التحدي الحقيقي لدولة مثل مصر، لتكون دولة مؤسسات وأنظمة حتى تنتقل إلى الدولة العصرية التي تعطلت منذ أن دخلت في نفق الحكم العسكري الذي دخلته منذ رئاسة محمد نجيب عام 1952. والانتقال إلى المستقبل لن يكون بسهولة الانتقام من الماضي. وها نحن نشهد بدايات صعبة مليئة بالشك والتناحر المتعدد الجبهات، بين بقايا النظام القديم، والمعارضة القديمة مثل الإخوان، وشباب الميدان. ولا تزال الحرب بينها محتدمة، وستكون أكبر معاركها انتخاب الرئيس بعد أيام، وتتبعها معركة تشكيل الحكومة فمعركة كتابة الدستور، إن تمكن المجتمع الحركي المصري
من تجاوز عواصفها جميعا بسلام، وإن بخدوش، تكون السفينة قد رست أخيرا على بر اليابسة وربما لزمن طويل، وإن تعثرت البداية ستكون مرحلة قلقة للجميع. والمقلق أن هوة الاختلاف بين القوى المختلفة في الساحة المصرية واسعة جدا، وتتسع مع الوقت والمعارك. وما قرارات المحكمة بالمؤبد لمبارك والبراءة لنجليه إلا محطة نزاع أخرى أعقبت التنازع على نتائج الانتخابات الرئاسية للجولة الأولى، وسبقتها سلسلة أحداث أبقت النار مشتعلة.
لم يعد كافيا أن يحكم الدولة شخصية عظيمة حتى تكون عظيمة أو تترك في يد إمعة فتضيع مصالح الناس. الدول اليوم مؤسسات لا زعامات، وقد انتهى زمن الإسكندر الكبير والقيصر ونابليون وهتلر، وصارت الدول الأكثر منعة وعزة ونجاحا تلك التي تعتمد العمل المؤسسي والتي لا يهزها سقوط حاكم أو حتى سوء أعماله. ودولة كبيرة مهمة مثل مصر تحتاج إلى نفضة كبيرة، فهي كبلد تاريخي عريق أقدم المؤسسات في التاريخ. لا يهم إن فاز زعيم الإخوان مرسي، أو الفريق شفيق إن أسست المؤسسات التشريعية والتنفيذية مع دستور جامع عادل عصري يستوعب كل الفئات فيه، ملايين الأقباط وملايين المدنيين ونصف المجتمع حيث المرأة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط