سمير عطاالله يكتب:مصر تنتخب لا تبصم

جولة عربية

الأربعاء, 23 مايو 2012 12:48
سمير عطاالله يكتب:مصر تنتخب لا تبصمسمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

أسوأ ما ارتكبه موالو الرئيس جمال عبد الناصر في حقه، يوم أعلنوا فوزه بـ99.999% من الأصوات. لم يكن، وهو في ذروة شعبيته الداخلية والخارجية، ينتمي إلى مثل هذا النوع البليد من الأرقام.

ومنذ ذلك الوقت فقدت أرقام الرئاسات العربية، مثل سائر الأرقام، أي أهمية أو معنى. واستبدلت بالانتخابات الاستفتاءات على مرشح مقدس واحد، لا يجوز لأحد منافسته. وقام حزب واحد يصوت الجميع له، أو لا يصوتون، وتبقى النتيجة واحدة. وصار مسموحا للشعوب العربية شيء واحد هو أن يمدد للرئيس مدى الحياة؛ أي مدى حياة الشعوب، وليس الرئيس.
ما يجري في مصر اليوم لم تعرفه مصر منذ «الصرح الكبير»، أو الفرعون، الذي وحد هذه الدولة العظيمة ما بين «مصر العليا» أو الوجه القبلي،

و«مصر السفلى» أو الدلتا الخصبة، الوجه البحري. فالفرعون هو «الباب العالي» لاحقا في الآستانة، إسطنبول، وهو الزعيم الأوحد في العراق. وهو ملك ملوك أفريقيا عندما يستحيل العثور على لقب محلي مطلق، ونصف إله مثل خنعفر.
امتلأت مصر في الأسابيع الأخيرة بالملصقات. واكتظت بالمناظرات. وغطت صور المرشحين الجدران: شيوخ ومدنيون وعسكريون. وناقشت اللجان مسألة من يحق له ومن ليس له حق. وهذا يعني أن مبدأ 99.999% صار لاغيا. وعلى الرئيس العتيد القبول، في الدورة الأولى أو الثانية، بمبدأ توزع الأرزاق والرغبات. ولن يعتدى على مرشح أو يسجن لأنه فكر في حصته من القسمة والنصيب. فهذه
رئاسة لا خديوية. وفيها لا يعلن الفائز فوزه، بل يعلن الخاسر قبوله بالنتائج ويسارع إلى تهنئة الرئيس الجديد.
هذا ما يجري في الدول التي تمارس الديمقراطية وتسأل الشعب رأيه لا رأيها. ونرجو أن يربح من يختاره المصريون. كما يرجى ممن يخسر أن لا يهدد بإحراق مصر والخروج إلى ساحة العباسية. ويؤمل من مناصريه أن لا يحرقوا المتاحف والوثائق التي لا بديل عنها.
كان للفرعون سلطتان، روحية وزمنية. وفي مصر اليوم صراع على السلطتين، كما يعتبر بعض المرشحين. والأحزاب الفائزة تتنازع أيضا حقوق السلطتين. وفي هذه الحالة قد يكون من الأفضل وصول رئيس حَكَم. أو كما قال ديغول، على الرئيس أن لا يكون في اليمين أو في اليسار، بل فوق.
تكونت مصر حول النيل من جذور وروافد كثيرة. وقال القدماء إنه ينبع من أوقيانوس، يحيط بالكون كله. وتلك الشعوب التي صارت مصر، اتسمت بالغنى والتنوع وبإبداع صيغة الاستمرار. اللهم أدمها نعمة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط