أمال عربيد تكتب :تأثير الثورات العربية في تمحور الدول الكبرى

جولة عربية

الأربعاء, 16 مايو 2012 14:10
أمال عربيد تكتب :تأثير الثورات العربية في تمحور الدول الكبرى

أثرت رياح الثورات العربية في الدول الكبرى بقدر تأثيرها في انظمتها، وجعلتها تعيد تمحورها من جديد في ضوء انتصاراتها التي عمت في كل من ليبيا وتونس ومصر، وتفاقم عنفها في سوريا،

ومحاصرتها في كل من اليمن والبحرين، مما غير في الادوار والتحالفات والمواقع الجيوسياسية والاستراتيجية لها! فنرى روسيا تعزز حضورها العسكري في سوريا بعد اتخاذها من ايران موقعا استراتيجيا لانكفاء قدراتها الجيو - اقتصادية في الخليج ودول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، فشكلت مع دول «البريكس» محورا يمتد من ايران والعراق ويستقر في سوريا بعد تمركز اميركا بقوتها العسكرية في محيطها والخليج! كما احدثت تغيرا في التمحور التركي الذي كان له دور المهيمن على المنطقة من جراء تحالفه مع معظم الانظمة الدكتاتورية اقتصاديا وسياسيا مكنته استراتيجيا في الشرق الاوسط كقائد سياسي مسلم، ولكن تدخله المباشر في انجاح الثورة الليبية بإسقاط النظام عسكرياً من قبل اميركا والحلف الاطلسي، وتأرجح دوره في سوريا بين مؤيد للمعارضة والابقاء على النظام الحالي لينتهي باحتضانه للمعارضة ورضوخه للضغوطات الدولية بنهيه عن التدخل العسكري حفاظا على امنه القومي بعدم امتداد العنف الى داخله! رغم تمتع تركيا بقوة عسكرية تعد الثانية في حلف شمال الاطلسي بعد اميركا، جعل تموضعها جيوسياسيا واستراتيجيا في المنطقة منافسا لحليفها الايراني المراهن على امتداده في العمق العربي من العراق الى سوريا ولبنان، بدعمه للنظام السوري كتحد وجودي مع تركيا المراهنة على انتصار الثورة لتتحكم بزمام المنطقة اكثر، خصوصاً بعد استقواء دور اللاعب السعودي على الساحة العربية في كل من اليمن والبحرين ومصر وسوريا مقلصا دور ايران، لتستفيد منه تركيا باستعادة مركزها الاستراتيجي الحيوي بعد نشر الدرع الصاروخية على حدودها الجنوبية

نهاية 2011! الامر الذي يحاصر ايران بين محورين اقليميين (الخليج العربي وتركيا). لذا، نرى اللاعبين يركزون على التغيير في سوريا كملعب جيواستراتيجي اخير لايران بعد فشل سياستها الخارجية بتهديدها المستمر لدول الخليج ولانخراطها في المحور الروسي - الصيني!
اما بالنسبة لاسرائيل التي تستفيد من انشغال الدول الكبرى والاقليمية بالثورات العربية، لاستكمال مخططها الاستيطاني وبناء جدران محصنة تعزلها عن اي انعكاسات للثورات عليها، خصوصاً اذا تسلمت السلطة، وتمكنت اقتصاديا وعسكريا وانتهجت الحكم الديموقراطي، حيث تنال رضا الدول الكبرى، وتفقد اسرائيل مصداقيتها امامها بأحقيتها بالحماية الامنية واستنزافها مادياً!
رغم تفاجؤ اميركا بالثورات العربية، فإن مرونة سياستها الخارجية نجحت في استيعاب الحركات الاسلامية المنبثقة عن الثورات بما يخدم مصالحها في ابقائها في السلطة والاستفادة منها لتمكين فوزها جيوستراتيجيا، برؤيتها الانفتاحية اللافتة تجاهها في مصر وتونس والمغرب، الامر الذي عزز دورها الرائد في المنطقة رغم دعمها لاسرائيل، وتدفع سياستها البراغماتية هذه الى حل مسألة الصراع العربي - الاسرائيلي، بإقصائها اليمين الاسرائيلي المتطرف عن الحكم، وتفعيل المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني - الاسرائيلي بما يحافظ على الامن القومي الاميركي والتحالفات الاستراتيجية مع دول الناتو، بتعزيز محاورها الجيو - سياسية في الخليج العربي وشمال افريقيا وتركيا ليخلق قوة تفرض توازنا على المحور المنافس الروسي - الصيني الذي يسعى لاعاقة تقدمها وتسلطها الاحادي على المنطقة!
هذه التمحورات الجديدة للدول الكبرى والاقليمية تصعد من عملية التغيير في الانظمة العربية رغم تحصنها بمعاهدات عسكرية واقتصادية، الا ان التموضع الاستراتيجي لتلك الدول قد يكلفها التخلي عنها كغيرها لتجاوز معضلة امنية تهدد نفوذها وتدفعها نحو تسوية على حسابهم، فهل تدفع تلك الانظمة للتفكير جدياً بإعادة تمحورها المستقبلي؟

نقلا عن صحيفة القبس الكويتية