رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثم أكمل سفره

جولة عربية

السبت, 24 مارس 2012 14:30
ثم أكمل سفرهسمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

يسهل الاتفاق على أن ابن بطوطة هو أشهر مسافر عربي عبر العصور. أو رحالة، إذا شئت. أو مغامر. أو عالم، كما كان يفضل. فقد طلب العلم في الصين، عملا بالقول الكريم، وعلَّم في الهند، وعلمته معرفة الشعوب والعادات والأمكنة في كل مكان، من مشارق الأرض.

كل شيء علمه شيئا ما. فلما تاهت به السفينة جنوب بحر الصين طوال 42 عاما ولم يعد أحد من ملاحيها وركابها يعرف أين هم في ظلمات أعالي البحار، راح التجار منهم يضرعون إلى الله سلامة الوصول ويعدون بالصدقات. لكن الطنجي الحاذق طلب أن يكتب لهم تعهداتهم عسى لا ينسون.
حول ابن بطوطة أسفاره ومشاهداته إلى حكايات يسلي بها السلاطين والأمراء فيكافأ ذهبا ومناصب، وأعلاها وظيفة قاض في دلهي. أحيانا أهدي الزوجات والبيوت. وغالبا ما اشتغل في التجارة لكي لا يضيع الوقت ولا الفرص ولا

المناسبات، من بلاد البنغال إلى جزر المالديف إلى النيجر. أو بالأحرى العكس. ولم تتم صفقاته التجارية دوما حسب رغائبه. فقد وقع في نزاع مع أهل المالديف حول شحنة من الودع (الصدف الأصفر) أرسلها إلى البنغال لكن السفينة حاملتها غرقت في عاصفة. لا يعطينا المسافر المستعجل الكثير من التفاصيل. بل الواقع يحجب الكثير منها دون كثير اهتمام، بعكس الرحالة الذين ضربوا في الأرض من بعده. لعله لم يكن يدرك أهمية ما يفعل. ولا كان يعرف أنه سوف يتحول إلى أحد أشهر الرحالة في آداب العالم أجمع. لذلك لم نعرف شيئا عن تكاليف السفر في تلك الأيام، في حين يخبرنا تشارلز دوتي أنه سافر في الجزيرة العربية وليس معه
سوى 13 جنيها ومجموعة من الأدوية كان يعالج بها الناس. على أننا نعرف أنه سافر في الغالب مترفا، يحفّه الخدم والعبيد، وتعدو خلفه الخيل.
كانت هناك أيضا المتاعب كما في كل تلك الأسفار البعيدة، في تلك المرحلة أو بعدها. قطاع طرق وقتلة مأجورون. على أن الحظ كان وافرا وغالبا والمآدب الفخمة كانت في الانتظار معظم الأوقات. هل كان دقيقا في كل ما نقل وما سمع، كمثل حكاية الأفيال في جبل آدم (سريلانكا) التي انتقمت لقتل أحد صغارها بأن تشممت الذين أكلوا لحمه؟
لم يرَ الأفيال وحدها، بل في النيجر شاهد القردة ووحيد القرن وفرس النهر، واستحال عليه السفر نهارا بسبب كثافة البعوض الضخم. نراه عالما في مكان وقاضيا في آخر ودبلوماسيا وتاجرا ودائما راوية مسليا من الطراز الأول. وفي لغات كثيرة وليس فقط في فصاحته العربية. لكننا فجأة نرى هذا الرجل الذي جاب المشارق برا وبحرا، يتوقف عند جزيرة صغيرة في المالديف، ويتمنى لو يمضي بقية العمر هنا. لا سفر ولا تعب ولا طموحات. هدوء وضحى وضوء قمر. ثم أكمل سفره.
نقلا عن صحيفة الحياة