رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لبنان يتجرع السم

جولة عربية

الجمعة, 23 مارس 2012 12:11
لبنان يتجرع السمسوسن الأبطح
بقلم - سوسن الأبطح

منذ أسبوعين واللبنانيون مصابون بالذعر، فلا يمضي يوم وإلا وتكتشف كميات جديدة من الأغذية الفاسدة.. عشرات الأطنان من اللحوم المنتهية الصلاحية.. تلاعب بالتواريخ.. تخزين رديء.. أسماك انتهت مدتها منذ سنتين تخلص منها أصحابها برميها في مكب، خشية انكشاف أمرهم، هذا عدا الأجبان والألبان والأدوية. الكلام الأولي عن 200 طن من اللحوم الفاسدة، كميات الأسماك هائلة هي الأخرى، أما المستخدمون المفترضون لهذه السموم القاتلة، فهم مؤسسات فاخرة.. مطاعم وفنادق فارهة، وحتى مستشفيات.

استيقظت الدولة على حين غرة. لا أحد يعرف لماذا تنبهت الآن، ومتى ستعود إلى غفلتها. الثقة بالمؤسسات الرسمية شبه معدومة. الساسة اللبنانيون محترفو ثرثرة ومهاترات وتحريض أخرق لنصف المواطنين على النصف الآخر، لا يتركون طائفية أو خبثا ماكرا إلا استخدموه. هذه باتت مهمتهم بعد أن سجلوا عجزا يندى له الجبين عن فعل أي شيء لحفظ حياة مواطنيهم. فمتى استعصت الأفعال، يتلهى السياسيون بسخيف الكلام وتافهه.
من لم يمت بالثورات العربية مات بغيرها.. فالنظام السياسي اللبناني ليس أقل اهتراء وفسادا واختلاسا من السوري، أو الليبي، أو المصري، وإن تخفى وراء قناع صناديق الاقتراع وتجمل بحرية التعبير.
قبل اللحوم القاتلة، فجع اللبنانيون بمأساة انهيار المباني التي تداعت تحت وقع الأمطار. 27 قتيلا في مبنى واحد بالأشرفية، لم ينل صاحباه من السجن غير شهرين، ثم أطلق سراحهما. المباني من حينها تتداعى كالبسكويت على رؤوس ساكنيها، دون أن نعرف ما الجهة المسؤولة عن هذا التقصير الفظيع. الأهالي ما عادوا يأمنون إرسال أولادهم حتى إلى مدارسهم بعد وصول

الدور إليها. انهار حائط مدرسة منذ أيام متسببا في مقتل ثلاثة تلاميذ. أين وزارة التربية من مدارسها وطلابها؟ لمن تشتكي الأمهات فجيعتهن وبمن يستنجدن هذه المرة؟
الأمطار تحمل خيرا كثيرا، لكنها مع الفساد اللبناني، أنتجت فيضانات في أنهر سد منافذها مستقوون ومستزلمون، وتركوها تطوف بمياهها وتجرف البيوت من حولها. الاستهتار وسوء التدبير، تسبب أيضا في إغراق المتحف الوطني وكنوزه التاريخية، لأن متعهد الطريق المحاذي للمتحف ارتكب من الأخطاء ما تسبب في خراب كثير.
التاريخ على أي حال، يصبح تفصيلا صغيرا على أهميته، أمام موت المواطنين الأبرياء يوميا بعبثية مؤلمة على الطرقات. ليس فقط أن قانون السير الذي نسمع عنه منذ سنوات لم يقر، والمخالفات الرادعة التي يعدوننا بتنفيذها لم تبصر النور؛ بل إن الشتاء الغزير كشف عورات التلزيمات والصفقات والمحسوبيات. ماء السماء ذهب بزفت الشوارع القليل، وتحولت الطرقات إلى حفر وفجوات، دون أن نرى بلديات تستدعي شركات مصت أموالنا لتزفيتها، فإذا بها تسرق الزفت وتترك لنا الموت والحوادث وازدحام السير.
في قضية اللحوم القاتلة، قيل إن القضاة يتأخرون في إصدار الأحكام في القضايا المرفوعة إليهم، ليجيب أحد القضاة مستغربا من أن كل المدعى عليهم هم دكاكين صغيرة، فيما المؤسسات التي ترتكب الجرائم الأم تبقى محمية من السياسيين.
من اللحوم، وزفت الطرقات المنهوب، وانهيارات المباني، وطوفان
الأنهر، وحوادث الطرقات، وموت الطلاب، تفوح رائحة المحسوبيات السياسية وتبادل المنافع النتنة. الأسوأ في كل ما يحدث في لبنان، أن المواطن فقد الأمل في محاسبة أي أحد. صار غاية ما يطلبه المنكوب تعويضا ماليا بسيطا من الدولة، لمساعدته على تجاوز كارثته.
المجتمع المدني الناشط بجمعياته وهيئاته ومتطوعيه الذي يفترض أن يتصدى لهول ما يحدث، هو أيضا خاضع للحسابات السياسية، بحسب ما يقول رئيس مؤسسة البحوث والدراسات، جمال حمدان، الذي يشرح أن هذه الهيئات تعاني من خلل بنيوي، فهي رغم شعاراتها الحقوقية والإنسانية، فإن «ممارساتها تأتي على إيقاع السلطة الطبقية والطائفية التي ترتبط بها».
كيف يمكن للمواطنين أن يثقوا بوعود وزير الاقتصاد وهو يعدهم بأن «الأسواق باتت مضبوطة لجهة المواد الغذائية الفاسدة»، وهم يكتشفون في الوقت نفسه أن دراسة أجرتها الوزارة سابقا وتكتمت عليها، بينت أن 75% من مطاعم بيروت غير سليمة. قلة عدد المراقبين ليست حجة.. توزع المسؤوليات على عدة وزارات ليس سببا لترك الناس يموتون تسمما. أسوأ من ذلك، أن مدير عام وزارة الاقتصاد يطمئننا أن الكميات الغذائية الفاسدة الهائلة التي صودرت حتى الآن «قريبة إلى درجة كبيرة من الكميات المسجلة في الفترة عينها من العام الماضي». يا للكارثة «من المسؤول عن إدخال كل هذا السم إلى لبنان دون محاسبة؟».
كلما زاد المسؤولون من الشرح والتطمين، تكشفت الفضائح، وازداد المواطنون رعبا ويأسا. لا شيء يدل على أن الخدمات التليفونية ستخرج من انحدارها، بسبب الكيدية بين «14» و«8 آذار»، وتناتشهما هذه الخدمة الحيوية، لا بل إن شح الكهرباء في الشهور المقبلة سيبلغ وضعا غير مسبوق في البلاد، بحسب التقديرات.
نحن لسنا ضد أن يتظاهر اللبنانيون يوميا تضامنا مع الشعب السوري واعتراضا على ما يرتكبه النظام في حقه، لكن من المذهل حقا أن يغضب اللبناني ويتظاهر من أجل كل الشعوب العربية، لكنه يصبح خانعا وذليلا حين يتعلق الأمر بحياته ومصير فلذات أكباده.
نقلا عن صحيفة الحياة