رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وأنا أطالب بفتح ملف السد العالي

جولة عربية

الأحد, 15 يناير 2012 14:14
بقلم - علي سالم

مصر هبة النيل، مقولة يعرفها كل من يعرف عن مصر شيئا، ويعرف أن صاحبها هو الرحالة اليوناني الشهير هيرودوت الذي يوصف بأنه أبوالتاريخ.

وقد قالها بعد أن زار مصر من نحو ألفين وخمسمائة عام تقريبا. وفهمنا منها أنه كان من المستحيل أن يوجد الوادي والدلتا في مصر بغير هذا النيل. ما فهمناه بعد ذلك أيضا أن التكوين الجيولوجي لمصر هو في الأصل صحراء، وأن النيل بهبته العظيمة هو الذي حول هذا المكان من العالم على مدى ملايين السنين من صحراء إلى واد خصيب. لكن هل هو النيل نفسه صاحب هذه الهبة، أم هو الفيضان السنوي الموسمي؟.. هل هو النيل أم فيضان النيل بكل ما يحمله من طمي هو ذاته الخصب والخير والنماء؟.. فضلا عن أشياء أخرى يعرفها العلماء المتخصصون فقط، عن طبيعة العلاقة بين الفيضان والأرض ومجرى النهر، وعلاقته بالبحر المتوسط الذي يصب فيه، وعلاقته بالطيور المهاجرة وأسراب الأسماك المهاجرة من أقصى المحيطات إلى مصبي النيل عند دمياط ورشيد، بل وتأثيره على البحر المتوسط وشواطئه القريبة، وغير ذلك كله من أسرار الكون وعلوم البيئة التي تقدمت في عصرنا هذا بدرجة كبيرة، لم تكن قطعا معروفة لنا منذ خمسين عاما عندما بدأ التفكير في بناء السد العالي.
ولنفرض أن النيل قرر بطريقة ما استرداد هبته، أو أرغمه بعض الناس على الامتناع عن الفيضان، هل ستعود مصر صحراء مرة أخرى؟
إذا كنت أنت من يوجه إلي هذا السؤال فاسمح لي بأن أجيبك: أعطني مهلة مقدارها مائة عام فقط أقدم لك بعدها الإجابة إذا كنت لا تزال في حاجة إليها.
لقد تم بناء السد العالي لأسباب نبيلة، ومنها الحصول على الكهرباء مجانا تقريبا. ما زلت أذكر مقالا قرأته في مجلة «آخر ساعة» يبشرنا صاحبه بأننا لن ندفع مليما واحدا نظير استهلاكنا للكهرباء، لأن الشركة ستكتشف أن الفاتورة الورقية التي سترسلها إلى المستهلك تكلفها أكثر من المبلغ المطلوب تحصيله. هكذا بدأ الحديث عن الفيضان بوصفه الشر الذي كان يجب

على المصريين مقاومته منذ زمن بعيد، ذلك الفيضان الذي يغرق الأرض ولا يسمح لنا بالزراعة إلا مرتين فقط في العام. أما أخطر هذه الأسباب فكان ضرورة الحفاظ على مياه النيل التي تضيع هدرا في البحر.. هدرا.. وكأن الطبيعة سفيهة تهدر ثرواتها. كان من الصعب علي أن أدرك في ذلك الوقت البعيد أن ما نظنه هدرا في الطبيعة ليس إلا لحكمة لا نعرفها نحن.
لقد انشغلت الأسرة الخديوية منذ محمد علي باشا بضرورة التعامل مع النهر، وذلك من خلال سدود تهذب حركته بغير عنف وتنظم سريانه، ساعدها في ذلك وجود عدد من المهندسين الأوروبيين العباقرة الذين تعاملوا مع النهر بعبقرية واحترام من خلال سدود امتازت بالقوة والجمال، غير أنه لا أحد منهم فكر في احتجاز مياه الفيضان جنوب أسوان في بحيرة، بكل ما تحويه هذه المياه من خير، بعيدا عن الأرض والناس. الأمر هنا أشبه بثري سفيه باع كل أملاكه ووضع المتحصل في البنك ونسي رقم حسابه، فتفرغ بعدها لمد يده بالسؤال.
توقف هنا لحظة من فضلك قبل أن تفهمني على نحو خاطئ، لست أدعو لهدم السد العالي ولا أقلل من شأن من بنوه، أنا فقط أدعو لفتح ملفه بعيدا عن حرارة العواطف القومية، للحفاظ على الصالح فيه والتعامل بعدل وحياد مع أخطائه. هناك طمي في بحيرة السد بمليارات الأطنان، لا بد أن هناك طرقا علمية لإعادة ضخ هذا الطمي في المجرى المائي.
كان النهر قادرا على تنظيف نفسه، والآن بات فريسة للنفايات وسموم المصانع. الأسماك منذ أربعين عاما فقط كانت طعام الفقراء، في كل حي شعبي كان لا بد من وجود عدد كبير من محلات السمك. الآن الأسماك والجمبري طعام الأثرياء، وتحديدا المبذرين منهم.
لم يكن النهر ينظف نفسه فقط، كان ينظف كل مصادر المياه في مصر من ترع ورياحات ومصارف صانعا منها أعظم مصدر للثروة السمكية عرفه شعب من الشعوب. البحيرات المصرية الآن أصبحت من أهم مصادر الخطر على البيئة والبشر. لم يكن هناك في مصر كلها من هو مهدد بالجوع. لا بد أن العلم عند علمائنا وعلماء الأرض قادر على الحفاظ على كمية الكهرباء التي نحصل عليها الآن، وقادر أيضا على إعادة إيقاعات النهر إلى ما كانت عليه، أو لدرجة قريبة منها، لكي يتمكن من تنظيف نفسه وإطعامنا.
في موسم السردين في بلدي دمياط كانت مراكب الصيد تنطلق خارجة إلى البحر في احتفال جميل تصدح فيه فرق الموسيقى النحاسية، لتعود بعدها بأيام محملة بأطنان السردين، وعلى المراسي كان الناس يقفون في انتظارها ليحصلوا على كمية من السردين مجانا. الكلمة التي قرأتها توا صحيحة، نعم مجانا، وهي عملية يسمونها «السملخة» مبنية على نظرية يلخصها مثل شعبي قديم هو أن «المركب اللي مافيهوش شيء لله.. يغرق»، فعندما يرسو المركب أمامك مد يدك بإناء، على الفور سيمتلئ بالسردين. هكذا كان الناس في شمال الدلتا في قرى دمياط والمنصورة يحتفظون في البراميل بالسردين المملح إلى العام التالي. الآن تسمع فقط عن أصحاب هذه المراكب وتقرأ عنهم في صفحة الحوادث عندما تقبض عليهم دولة أخرى بعد أن تسللوا إلى مياهها الإقليمية.
أيها السادة.. في غياب فيضان النيل تتغير مصر والشخصية المصرية، ليس إلى الأفضل بالطبع. من المستحيل الفصل بين ما يحدث للأرض وللبشر الذين يعيشون فوقها. أريدك أن تلاحظ الاسم الذي أطلقه المصريون على الفيضان، لقد سموه «وفاء النيل»، كما أريدك أن تلاحظ أنه عندما يختفي الوفاء، فهو يختفي أيضا من قلوب البشر.
لم تعد الأرض وفية للفلاح ففقد وفاءه لها، اكتشف أن ما بها من طين سعره أعلى من ثمن الأرض، فجرفها وباع الطين، وهاجر ليعمل في أرض الله حيث يوجد العمل، ثم عاد ليقتطع المزيد من الأرض التي «كانت» زراعية، وبنى بيتا زوده بجهاز تكييف، وعلى الأرجح سيموت غرقا وهو في طريقه إلى إيطاليا.
إنني أدعو كل من يعلم ويعرف ويعتبر نفسه محبا لمصر والمصريين، أن يقول كلمته في هذا الشأن. أما أنا فواثق غير حالم أن أسعار المواد الغذائية في مصر من الممكن أن تنزل إلى النصف، وأن السمك في مصر من الممكن أن يعود غذاء للفقراء ومحدودي الدخل في اللحظة نفسها التي يتم فيها الإفراج عن الثروة المحبوسة خلف السد.
عن صحيفة الشرق الاوسط