رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نبوءة باراك ورهانات "إسرائيل"

جولة عربية

الجمعة, 13 يناير 2012 13:00
بقلم - محمد السعيد إدريس

منذ أيام قليلة، وعلى ضوء ما يحدث داخل سوريا وما يدور حولها عربياً وإقليمياً ودولياً، تنبأ إيهود باراك بسقوط قريب للرئيس السوري بشار الأسد ونظامه في غضون أسابيع معدودة، وأن الأسد “يقترب من نهاية حكمه”.

أكثر ما أثار اهتمام باراك بهذا الخصوص هو وضع الجيش السوري، فهو الرهان الأهم على ما يبدو، وبالتحديد ما يحدث من تفكيك لهذا الجيش، حيث طرح باراك باهتمام بالغ ملاحظتين، الأولى أن عدد القوات السورية التي انشقت عن الجيش تخطى حاجز العشرة آلاف، والثانية هي تزايد أعداد الهاربين من أداء الخدمة العسكرية . صحيفة “هآرتس” اعتبرت هذين الأمرين مؤشرين مهمين على قرب انهيار النظام السوري، ما يعني أن وضع الجيش السوري سيكون محور اهتمام إدارة الأزمة السورية من جانب الأطراف الساعية إلى إسقاط النظام، أو أن هذا الوضع سيكون على رأس الأولويات، إضافة إلى أمور أخرى لا تقل أهمية .

هذه الأولويات تتعدد بين ما هو داخلي سوري وما هو عربي وإقليمي وما هو دولي . فعلى المستوى الداخلي يراهن “الإسرائيليون” على تفاقم الأزمة الاقتصادية، وهو الرهان ذاته بالنسبة إلى إيران، فتفاقم الأزمة الاقتصادية تتم المراهنة عليه كورقة ضغط شعبية لتحريك “الكتل الراكدة” من المواطنين الذين لم ينخرطوا في التمرد على النظام، لكن هذا الرهان سلاح ذو حدين في بعض الأوقات، فهو وإن كان يمكن أن يحرّك جمود المواطنين الصامتين أو حتى الخائفين، لكنه قد يستخدم أداة لزيادة التماسك الوطني والدفاع عن النظام، إذا ما نجح الأخير في توظيفه باعتباره “مؤامرة خارجية” على الشعب والدولة، لذلك يأتي الرهان على تفاقم الأزمة الداخلية بحذر وضمن حرص شديد على أن يأتي التوظيف في الاتجاه المرغوب وليس المعاكس، وهنا يرتبط هذا الرهان برهان آخر وهو زيادة قوة المعارضة الداخلية وتماسكها والحيلولة دون انقسامها، وهو رهان يصعب المراهنة عليه في ظل وجود انقسام حقيقي بين من يريدون إسقاط النظام، والحفاظ على سوريا موحدة من دون أي تدخل خارجي، لعدم تكرار التجربة العراقية أو حتى الليبية، وبين من يطالبون بالتدخل العسكري الخارجي لإسقاط النظام من دون

اعتبار للثمن الذي سوف يدفع جراء حدوث مثل هذا التدخل الذي من شأنه أن يحول سوريا إلى عراق آخر أو ليبيا أخرى، ويجعل “إسرائيل” طرفاً مباشراً في إدارة الأوضاع داخل سوريا . من هنا تأتي أهمية الرهانات الأخرى العربية والإقليمية والدولية . ف”الإسرائيليون” يتابعون ما يحدث الآن من إحكام للحصار على ما سبق أن سمي ب”محور الشر” الذي لم يبق منه بعد العراق والسودان وليبيا غير إيران وسوريا وحزب الله وحركة “حماس” في فلسطين .

داخل الكيان يتابعون ما يصفونه بتنامي الاستقطاب الإقليمي ضد “محور الشر” ويرون أن تزايد العداء لإيران من جانب دول عربية، وانخراط هذه الدول ذاتها في العمل على إسقاط النظام السوري، حسب ما يرى المحلل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” على موقعها الإلكتروني، من شأنه أن يؤدي إلى تأسيس “محور سني” ضد “محور الشر” في مجمله، بحيث يؤدي الاصطفاف ضد إيران إلى مزيد من إضعاف النظام السوري، وأن إضعاف النظام السوري سيقود إلى إضعاف وربما انهيار كل من “حزب الله” و”حركة حماس”، وأن يؤدي إضعاف النظام السوري إلى إضعاف إيران وإضعاف حزب الله وحركة “حماس”، وهنا تأتي التطورات في علاقات تركيا الإقليمية داعمة لهذا الرهان، فتركيا تزداد علاقاتها سوءاً مع كل من سوريا وإيران، مع سوريا بسبب التطورات الدرامية للأزمة الداخلية، ومع إيران بسبب أزمة الدرع الصاروخية الأطلسية التي سوف يجري تركيبها على الأراضي التركية وتراها إيران مصدراً حقيقياً للتهديد، في الوقت الذي يزداد فيه التقارب التركي مع كل من مصر والسعودية من خلال مؤشرات عديدة أبرزها المناورات البحرية التركية المشتركة مع كل من البلدين .

إذا أضفنا إلى هذا كله رهانات “إسرائيل” على إخفاق مهمة “المراقبين العرب” وزيادة الانقسام بين الدول العربية حول جدية المراقبين، وما يحدث من تشكيك في صدقية

تقاريرهم عن الأوضاع داخل سوريا، وتزايد الضغوط الدولية من أجل فرض التدخل العسكري الدولي عبر البدء بالدعوة إلى توفير “ممر آمن” لدعم المعارضة السورية، فإن نبوءة إيهود باراك حول اقتراب موعد سقوط أو إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد تزداد صدقية، حسب ما يراه وما يؤيده فيه كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين داخل الكيان، وهي النبوءة التي يميل بعضهم إلى تصويرها على أنها قد تكون “دومينو سقوط محور الشر” كله، حيث يجري العمل على إسقاط النظام في سوريا مع العمل على إسقاط النظام في إيران أو على الأقل إجباره على الخضوع والاستسلام، وما سوف يتبع ذلك من تحويل “حزب الله” وحركة “حماس” إلى “لقمة سائغة” ليس ل”إسرائيل” فقط، بل لخصوم “حزب الله” في لبنان وخصوم حركة “حماس” من الفلسطينيين المناوئين أيضاً .

هذه الرهانات كلها محورها إسقاط النظام في سوريا، حيث سيؤدي إسقاطه إلى مزيد من حماسة تركيا للعمل ضد إيران، وسيحفز بعض الدول العربية على مزيد من الانخراط في العمل ضد إيران، ولهذا يفسر “الإسرائيليون” ذلك بأنه سيضرب بقوة القدرات الاستراتيجية الإيرانية . وإذا كان سقوط النظام السوري من شأنه إنهاء خطر الجبهة الشمالية وسيضع نهاية للوضع المأساوي الذي عاشته “إسرائيل” طيلة عام ،2011 حيث كانت في مرمى صواريخ إيران وسوريا وحزب الله وحركة “حماس”، فإنه سيمهّد، ومن وجهة نظر كبار المخططين العسكريين “الإسرائيليين” إلى تهيئة الظروف الأفضل لشن حرب على إيران، حيث لن تكون سوريا أو حزب الله أو حركة “حماس” طرفاً فيها، ولعل هذا ما يعطي أهمية لترتيبات “إسرائيل” لإشراك قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) لأول مرة في مناورات الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”، وهي المناورات التي من المقرر أن تجري في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وتحمل اسم مناورة “نقطة تحول - 6” .

فقد توصل وزير الجبهة الداخلية “الإسرائيلي” منان فلنائي قبل ثلاثة أسابيع إلى اتفاق بهذا الشأن في بروكسل مع كلاوديو بوزيناير ونائب الأمين العام للحلف، حيث من المقرر أن تصل وحدات إسناد وإنقاذ من قوات الحلف لتتموضع في مناطق الدمار الكبير المفترض في المناورة التي كرّست هذه المرة للاستعداد لمواجهة هزة أرضية كبيرة مركزها “إسرائيل” .

المفترض أن هذه الهزة الأرضية الكبيرة “المفترضة” ستكون جرّاء تعرض “إسرائيل” لهجوم صاروخي إيراني قد يصل إلى “مفاعل ديمونة” النووي رد فعل على حرب سوف تشنها “إسرائيل” على إيران .

نبوءة باراك بهذا المعنى لا تقتصر على مجرد سقوط النظام في سوريا، لكنها تتسع لرهانات أهم بسقوط متتابع، يتصورونه، لما يسمى ببقايا “محور الشر”، لكنه سقوط مازال محتملاً وهذا الاحتمال، دون اليقين، من شأنه أن يبقي النبوءة في إطار الأحلام.