رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ضربة قلم

قبل أن يفوت الأوان

جمال يونس

الخميس, 04 أغسطس 2011 09:47

الترابى اعتذر وندم على التطبيق العشوائى للشريعة بعد تقسيم السودان

مجلس الشعب انتهى من تقنين الشريعة عام 82.. وصلاح أبوإسماعيل يؤكد عدم مخالفة قانون المرافعات للإسلام

الشيخ يوسف البدرى لرئيس مجلس الشعب: سنكون معارضة هادئة ولينة وأقسى كلمة سنقولها فلان سامحه الله!

 

>> فى أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل أعطى الرئيس الراحل أنور السادات الضوء الأخضر لمجلس الشعب لتقنين الشريعة الإسلامية تمهيداً لتطبيقها، وفى 17 ديسمبر عام 1978 شكل الدكتور صوفى أبوطالب، رئيس مجلس الشعب عدة لجان لهذا الغرض وانتهت من عملها عام 1982، ووافق المجلس ـ حينذاك ـ على اقتراح أبوطالب بأن تكون رئاسة لجنة تقنين الشريعة للدكتور السيد على السيد، وكيل المجلس والمتخصص فى الشريعة والقانون، وضمت اللجنة حافظ بدوى ود. جمال العطيفى، ود. محمد حلمى مراد والشيخ صلاح أبوإسماعيل والمستشار ممتاز نصار والمهندس إبراهيم شكرى وعادل عيد وفتحى الوكيل وعلى الجمل وفتحى الكيلانى، ثم تم تشكيل خمس لجان وهى لجنة التقاضى والشئون الاجتماعية والعقوبات والمعاملات المدنية والتجارية، وأخيراً المعاملات المالية والاقتصادية وجاء فى تقرير لجنة التقاضى الذى عرضه على المجلس الشيخ صلاح أبوإسماعيل، رئيس اللجنة، أنها رأت أن قانون المرافعات الحالى لا يخالف الشريعة الإسلامية فى شىء وطلبت تعديل بعض نصوص لمواد لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.

وفى أول يوليو عام 1982 وبمناسبة ختام الدورة البرلمانية عرض صوفى أبوطالب التشريعات التى تم إنجازها وهى مشروع قانون المعاملات المدنية ويقع فى ألف صفحة ومشروع قانون الإثبات ويضم 181 مادة، ومشروع قانون التقاضى ويضم 513 مادة وقانون العقوبات (635 مادة) وقانون التجارة البرية (443 مادة) وقانون التجارة (776 مادة).

ورغم ترحيب الشارع المصرى ونواب المجلس سواء من الحزب الوطنى أو المعارضة إلا أن نظام الرئيس مبارك جمد هذه الخطوة ولم تر مشروعات القوانين النور، وأرجع الدكتور صوفى أبوطالب، رحمه الله، السبب إلى أحداث السودان عام 83 حين أخذ الرئيس جعفر نميرى القوانين المصرية وطبق بعض ما ورد فيها ولم يطبقها كلها، بل إنه قام بتقنين الآراء الشاذة فى الفقه الإسلامى بناء على نصائح مستشاريه من التيار الإسلامى وكانت النتيجة وبالا ـ كما وصفها أبوطالب ـ وأوضح فى حواره مع مجلة «أكتوبر» فى حقبة التسعينيات أنه توجد بالسودان أقلية وثنية لها وزنها فى الجنوب وقلة محدودة العدد من المسيحيين، وفى تطبيق الشريعة بالنسبة لشرب الخمر يوجد بالفقه الإسلامى مذهبان أحدهما يبيح لغير المسلمين شرب الخمر وهو مذهب الإمام أبوحنيفة الذى أخذنا به، ومذهب آخر يساوى بين المسلمين

والمسيحيين فى تحريم شرب الخمر، وطبقاً لظروف السودان من الناحية السكانية كان من المنطقى أن يأخذ بالمذهب الذى يبيح شرب الخمر لغير المسلمين وأخذ بالعكس فأثار حفيظتهم.

وهناك مذهب شاذ فى الفقه الإسلامى يسمح بالإثبات بالقرائن فى شرب الخمر فأخذوا به أيضاً وهكذا منع غير المسلمين من شرب الخمر ودينهم وعقائدهم تسمح بذلك لأن نميرى ومستشاريه من التيار الإسلامى أخذوا بالآراء الشاذة وصدرت بها قوانين سبتمبر عام 1983، وعندما صدر قانون الحكم المحلى الجديد فى السودان عام 83 أيضاً خرق معاهدة أديس أبابا التى كانت تنص على الحكم الذاتى للجنوب ويكون له برلمانه وحكومته ولكن القانون الجديد قسم الجنوب إلى أقاليم ما أثار غضب الجنوبيين حتى إذا ما صدرت قوانين الشريعة وما فيها من آراء شاذة بعد أشهر قليلة اتخذها سكان الجنوب ذريعة للثورة والتمرد وانتهت بحرب أهلية طويلة وتقسيم السودان إلى دولتين شمال وجنوب، وهو ما أثار الخوف لدى نظام مبارك من تطبيق الشريعة الإسلامية، وإن كان تمت الموافقة فيما بعد على القانون الميرى وقانون التجارة.

>> ولكن لماذا نسترجع هذه الأحداث ونجتر الذكريات؟ ثمة سببان الأول الحوار الذى أجرته جريدة «الأهرام» مع الدكتور حسن الترابى، رئيس حزب المؤتمر الشعبى السودانى، وهو من كان وراء تطبيق الشريعة الإسلامية بالقوانين الشاذة التى تسببت فى الانفصال الذى سبقته حرب أهلية دامت سنوات طويلة قال الترابى موجهاً كلامه للإسلاميين فى مصر: سأسعى لنقل تجربة حكمنا الإسلامى فى السودان إلى إخواننا فى مصر وسأكلمهم عن الخطايا التى ارتكبت خلال تجربة حكمنا الإسلامى فى السودان حتى يتعظوا بها ويتقوا الشرور التى وقعنا فيها واعترفنا بها واعتذرنا عنها، ومنذ عشرين عاماً تقدم الإسلاميون فى العالم العربى وكانوا بحاجة إلى اجتهاد كبير خاصة فى قضية التعامل مع غير المسلم ومع قضية المرأة وقد ذهب المسلمون إلى الدول غير المسلمة بنفس الأمراض التى يعانون منها فى بلدانهم.

بعد إيه.. بعد خراب مالطة يعترف الترابى بأخطائه فى تطبيق الشريعة الإسلامية ويقدم اعتذاره عما شاب التجربة من آثام وخطايا فى حق الإسلام والمسلمين، وصار كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، كان يمكن للترابى ورفاقه المحافظة على وحدة

السودان لو أنهم لم يقفوا عند ظاهر النصوص واجتهدوا واقتنعوا بأن المصالح المرسلة وهى المصالح التى لم تتقيد بنص أحد عناصر الاجتهاد فى الإسلام وهى عمل تتحقق به مصلحة الأمة فى حالة من الحالات، فيتصرف فيها الإمام المسئول بما يوافق تلك المصلحة ويمنع الضرر من فواتها، كما يقول الأستاذ عباس العقاد، الذى يرى أيضاً أن السياسة هى أكثر المجالات استيعاباً لهذه الفكرة، ليتك تجلس مع الإسلاميين فى مصر كما وعدت وتخبرهم أن السعى للسلطة ليس من أحكام الشريعة وحذرهم من أن سعيهم للسلطة محفوف بمخاطر التخلى عن بعض أخلاقيات الإسلام وقواعد الشريعة، والخاسر الوحيد سيكون مصر.

أما السبب الثانى فهو أحداث جمعة «لم الشمل» التى انتهت بنتائج عكس المسمى والهدف، يا خسارة مبارك وحدنا وجمعنا وبعد أن تحررت إرادتنا تفرقنا وتشرذمنا فرقاً وائتلافات، وتحول ميدان التحرير إلى ساحة أو حلبة لاستعراض القوة والعضلات، ولا أدرى سبب حالة الاستقواء التى يمارسها التيار الدينى فى مواجهة القوى السياسية الأخرى، التيار الدينى والجماعات الإسلامية كانوا جزءاً من الواقع فى عهد النظام السابق حتى صاروا جزءاً من الشريعة بعد ثورة يناير فخلعوا الأقنعة وكشفوا عن عداء للديمقراطية وللمخالفين لهم فى الرأى وخلطوا بين العمل الدعوى والحزبى غير مبالين بأن الممارسات الحزبية لها أصولها وأدواتها المختلفة عن الجبهات الدينية وانعكاسات ذلك على صورة مصر ومصالحها العليا وأمنها القومى التى هى مسئولية كل المصريين وليس فصيلاً دون آخر.

هل يستقوون بالمجلس العسكرى؟ أم أن المجلس العسكرى يستخدم لضرب القوى المدنية الأخرى وإضعافها؟ إن الشعارات التى تنادى بتطبيق الشريعة الإسلامية تمثل نوعاً من الانتهازية السياسية، والتلاعب بعواطف الشعب فيما يمكن أن نطلق عليه بـ«الديماجوجية الدينية» لأن القوانين مطابقة للشريعة الإسلامية وبعض الحدود لا يمكن تطبيقها شرعاً مثل حد السرقة وشرب الخمر والزنا، وما يؤكد كلامى تصريحات الشيخ يوسف البدرى، أحد أبرز القيادات الإسلامية بعد فوز الإخوان بستة وثلاثين مقعداً عام 87 وكان تطبيق الشريعة هو القضية الأولى فى برنامجهم، حيث قال بالحرف الواحد: فى رأيى أن الأحكام التى تطبق الآن فى صورتها مشابهة بنسبة 80٪ على الأقل لأحكام الشريعة الإسلامية لأن الباطن فى أغلبه متطابق مع جوهر الشريعة، وهذا له أسبابه التاريخية فالمذهب المالكى كان منتشراً فى بلاد الأندلس أيام الفتح الإسلامى وتأثر به الفرنسيون الذين نستمد منهم معظم قوانينا وهذا ما أثبته الدكتور محمد موسى، أستاذ القانون، وأيده الشهيد عبدالقادر عودة فى كتابه (الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه)، وقال أيضاً لقد تناقشت مع د. رفعت المحجوب، واتفق معى وقلت له إننا سنكون فى المجلس معارضة هادئة لينة إذا أردنا أن نقسوا على شخص فإن أقسى كلمة يمكن أن نقولها هى فلان سامحه الله وسأطلب رفع جلسات المجلس فى أوقات الصلاة وتعديل برامج التليفزيون فى رمضان وزحزحة الفوازير وبرامج الترفيه حتى يتسنى للناس تأدية صلاة التراويح.

هذا هو فكر التيار الدينى منذ 24 عاماً، ويوم الجمعة الماضى يصفون المخالفين لآرائهم بالجرابيع، فماذا حين يتولون السلطة؟ هل يندمون كما ندم الترابى؟ هل يستمعون إلى نصائحه قبل أن يفوت الأوان وألا يكونوا كمن زرع زرعاً ثم حصدوه فى غير أوانه.