العاصمة الجديدة.. أمل المصريين في غد أفضل

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 28 أبريل 2015 18:06
 العاصمة الجديدة.. أمل المصريين في غد أفضل العاصمة الجديدة
تحقيق: نادية مطاوع

شهد المؤتمر الاقتصادى الذى عقد فى شهر مارس الماضى الإعلان عن عدد من المشروعات التنموية التى استقبلها المصريون بالفرح والتفاؤل أملاً فى غد أفضل، إلا أن أهم وأكبر وأخطر هذه المشروعات كان مشروع العاصمة الجديدة الذى أعلن عنه وزير الإسكان الدكتور مصطفى مدبولى خلال المؤتمر.

ومع حلول شهر أبريل وهو الموعد الذى صرح وزير الإسكان بأنه سيشهد الإعلان عن تفاصيل جديدة حول المشروع وبداية العمل به، هذا المشروع الذى اعتبره الكثير من المصريين أملهم للخروج من زحام القاهرة التى فاضت بسكانها الذين يزيد عددهم علي 12 مليون نسمة، ومن ثم أصبحت العاصمة الجديدة هى الأمل للخروج من العاصمة الضيقة إلى فضاء أرحب، ولكن الخبراء أكدوا أن هذا لابد أن يحدث مع ضمان عدم إهمال القاهرة التاريخية والمحافظة عليها، وضمان مشاركة القطاع الخاص فى الإنشاء والإدارة.

يعد مشروع العاصمة الإدارية لمصر واحداً من أكبر المشروعات التنموية، التى تم الإعلان عنها خلال المؤتمر الاقتصادى، من حيث الحجم والاستثمارات، حيث أكد الدكتور مصطفى مدبولى وزير الإسكان، وقتها أن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة يقع شرق الطريق الدائرى الإقليمى بين مدينتى السويس والعين السخنة، مشيراً إلى أن هذا المشروع يمثل فرصة مهمة لمصر الجديدة التى سيبنيها شبابها، حيث سيقام المشروع على مساحة تقدر بـ 700 كيلو متر مربع، ويعتبر امتداداً طبيعياً لمنطقة شرق القاهرة، حيث تربطه شبكة طرق خارجية بالقاهرة الكبرى والسويس وميناء العين السخنة، وسيتم إنشاء مطار بالعاصمة الجديدة لربطها بالعالم، كما سيوفر مليوناً ونصف المليون فرصة عمل، ويقيم فيها حوالى 7 ملايين نسمة، وأكد الوزير أن المدينة الجديدة سيتم إنشاؤها وفقاً لأرقى معايير البنى التحتية والاستدامة البيئية، ويتكون المشروع من 25 منطقة مختلفة الأغراض، و100 حى، و21 منطقة سكنية، وحقول لإنتاج الطاقة المتجددة على مساحة 91 كيلو متراً، ومطار دولى على مساحة 16 كيلو متراً مربعاً، وشبكة للمياه والصرف الصحى بطول 20 كيلو متراً، وفنادق ومراكز للتسوق على مساحة 4.2 مليون متر مربع، و663 مرفقاً للرعاية الصحية من مستشفيات وعيادات وما إلى ذلك، و1900 مؤسسة تعليمية، و1250 دار عبادة، ويحتوى مخطط المدينة على 10 آلاف كيلو متر من الطرق، و100 كيلو متر من الكبارى والأنفاق، وتبلغ التكلفة الأولية للمشروع حوالى 250 مليار جنيه وهى تكلفة كبيرة جداً لا تستطيع موازنة الدولة تحملها، ويعتبر هذا المشروع من أكبر مشروعات إنشاء المدن فى العالم كله، حيث أن المساحة التى سيبنى عليها المشروع أكبر من العاصمة الفرنسية باريس بـ 7 مرات، وأكبر من واشنطن بـ 4 مرات، كما أن مساحة الحديقة المركزية الرئيسية فى المشروع التى تقدر بـ 8 كيلو مترات مربعة، تعد أكبر من حديقة «هايد بارك» بلندن بـ 6 مرات، ومن الحديقة المركزية بنيويورك حوالى مرتين ونصف المرة، كما سيضم المشروع قصراً للرئاسة ومقراً للحكومة والوزارات المختلفة، ومجلس الشعب، بالإضافة إلى مقار السفارات والقنصليات الأجنبية.

حلم نقل العاصمة

ورغم ضخامة المشروع، فإن فكرته ليست جديدة، فحلم نقل العاصمة يداعب مخيلة المصريين منذ زمن بعيد، فعلي مدار سنوات طويلة والحكومات المختلفة تتحدث عن ضرورة إنشاء عاصمة جديدة لمصر للقضاء على مشكلتى الزحام والتلوث التى تعانى منهما مدينة القاهرة، وما كان إنشاء الرئيس الراحل أنور السادات

للمدينة التى تحمل اسمه على تخوم القاهرة، وتحديداً فى الظهير الصحراوى لمحافظة المنوفية، فى سبعينات القرن الماضى، إلا مبادرة لنقل العاصمة، كذلك فقد أعدت الحكومة المصرية عام 2007 مشروعاً لنقل مبانى الهيئات والوزارات والمصالح الحكومية من وسط القاهرة إلى الأطراف وتحديداً شرق الطريق الدائرى فى الجهة المقابلة لمدينة القاهرة الجديدة، وفى عام 2009 وضعت حكومة الدكتور أحمد نظيف مخططاً لنقل مبانى الوزارات والسفارات ومجلس الوزراء، وبالفعل تم تخصيص مساحة 1500 فدان لنقل 13 وزارة كمرحلة أولى للمشروع الذى كان من المقرر أن يضم منطقة إدارية للشركات والبنوك، بالإضافة إلى حديقة على مساحة 220 فداناً ومناطق سكنية وترفيهية، إلا أن هذا المشروع لم ير النور كغيره من المشروعات التى كانت تهدف إلى نقل العاصمة خارج حدود القاهرة التى ضاقت بمن فيها.

 

نقلة حضارية

ويعتبر الدكتور محمد عبدالباقى إبراهيم، رئيس قسم التخطيط العمرانى بكلية الهندسة، مدير مركز الدراسات التخطيطية والعمرانية بجامعة عين شمس، أن هذا المشروع يمثل نقلة حضارية لمصر كلها، مؤكداً أن موقع العاصمة الإدارية الجديدة مناسب جداً، حيث إنه يقع على ثلاثة محاور حركة رئيسية، ألا وهى الطريق الدائرى الثانى، وطريق القاهرة العين السخنة وطريق السويس، وهذه المنطقة تعتبر امتداداً طبيعياً لمدينة القاهرة، كما أنها منطقة صحراوية منسوبها مرتفع عن سطح البحر، ولذلك فجوها ألطف وأنقى من القاهرة.

وأضاف الدكتور «محمد»: أنه فيما يخص إدارة المدينة فهذه هى المرة الأولى التى يسهم فيها القطاع الخاص مع الحكومة فى إدارة المدن الجديدة، فإذا نظرنا إلى تجربة مصر خلال الـ 50 عاماً الماضية فى إدارة المدن الجديدة سنجد أنه قد شابها العديد من أوجه القصور نتيجة المركزية فى اتخاذ القرار، وأدي إلى ضعف معدلات الاستثمار الخدمى والبشرى ونقص فرص العمل بها، بالإضافة إلى انقطاعها عن المجتمعات القائمة بسبب نقص المواصلات، أما العاصمة الجديدة فسيتم ربطها بالقاهرة من خلال مترو سريع وخط سكة حديد يربطها بمدن العاشر من رمضان والروبيكى والقاهرة، ومشاركة القطاع الخاص فى الاستثمار والتنمية من المأمول أن يسرع من وتيرة التنمية وحسن الإدارة لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة، كما أن أداء القطاع الخاص يتسم بالمرونة، مما يعنى تعديل المخططات العمرانية بما يتوافق مع متطلبات السوق.

ورداً على ما أثير حول أن هذه المدينة ستكون لرجال الأعمال والأثرياء فقط، أكد الدكتور عبدالباقى أن هذا مردود عليه بأنها مقولة منقوصة، فالعاصمة الجديدة ستكون قائمة على رجال الأعمال وذوى الدخول المرتفعة كأساس لقيام الأنشطة الاقتصادية بها، ولكنها أيضاً ستستوعب فئات الدخل المتوسط والمنخفض العاملين فى هذه المشروعات، ويطالب بعدم الاكتفاء بنقل الوزارات إلى العاصمة الجديدة، وإنما يجب أن يصاحب ذلك تفعيل الحكومة الإلكترونية لتحقيق عدد من المكاسب التى ستعود على مصر كلها، حيث سيتمكن المواطن المصرى البسيط على مستوى القرى والمراكز والمحافظات من إنهاء معاملاته الإدارية

مع المركز الرئيسى فى العاصمة من خلال منافذ أو شبابيك يمكن أن تتواجد فى مكاتب البريد أو أقسام الشرطة، من خلالها يستطيع الموظف من استيفاء معاملاته مع المواطنين، ويتولى الاتصال بالحكومة إلكترونياً، وبذلك نخفف الضغط على شبكة المواصلات العامة، ونوفر الوقت والجهد للمواطن، ونقضى على الرشاوى والمحسوبية لانعدام المواجهة بين الموظف التقليدى والمواطنين، كما أنه يمكن مراقبة أعمال هؤلاء الموظفين إلكترونياً، وهذه المعاملات سيتم حفظها إلكترونياً وليس ورقياً، وبذلك تصبح هذه المعلومات آمنة ويسهل استرجاعها وتحليلها.

القاهرة أولاً

أما الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، مستشار جهاز التنسيق الحضارى، فترى أن التفكير فى إنشاء عاصمة جديدة هو تخطيط للمستقبل، فكل مرحلة زمنية لها متطلباتها والخروج من القاهرة أصبح ضرورة حفاظاً عليها، ومنذ سنوات طويلة والحديث لا ينقطع عن نقل العاصمة، إلا أن كل الأفكار السابقة فشلت، لذلك يجب دراسة أسباب فشل المحاولات السابقة، فمثلاً مدينة السادات ارتبطت بالرئيس الراحل أنور السادات

وبعد وفاته فشلت خطة النقل لارتباطها باسمه، وهو ما يجب أن نتفاداة الآن، كما أن المؤسسات الإدارية رفضت النقل مراراً من قبل ومن ثم فشلت مخططات نقل العاصمة، لذلك يجب وضع خطة متكاملة لانشاء المدينة الجديدة مع ضمان الانتقال إليها حتى لا تضيع الاستثمارات هباء، أما القاهرة القديمة التى يبلغ عمرها ألف عام فيجب المحافظة عليها والاهتمام بها والعمل على حل كل مشكلاتها الحالية، لأنها تضم مجموعة من أروع الآثار الإسلامية فى العالم كله وهى مدينة عريقة، يجب المحافظة علي مكانتها كعاصمة تاريخية ثقافية أصيلة، ويجب أن نستلهم تجارب دول العالم فى هذا الصدد، فمثلاً العاصمة الفرنسية باريس أخذ الفرنسيون قوس النصر كمحور لتوسعة العاصمة وربطوا بين الاثنين من خلال مترو الأنفاق السريع، لذلك يجب أن تتم عملية الربط أولاً بين القاهرة والعاصمة الجديدة لنضمن لها النجاح، مع ضرورة الاهتمام بكافة المحافظات الأخرى والارتقاء بها حتى لا يهجرها سكانها متوجهين إلى العاصمة الجديدة، وبالتالى تتكرر مشاكل القاهرة مرة أخرى، فالعاصمة الجديدة هى وقود التنمية والاستثمار، ولكن يجب أن يصاحب ذلك تنمية مستدامة للقاهرة وباقى الأقاليم.

 

حوار مجتمعى

ومنذ الإعلان عن هذا المشروع والمؤيدون يتحدثون عن مميزاته وفرص العمل التى سيوفرها والنقلة الحضارية التى سيحققها لمصر، إلا أن أحداً لم يتحدث عن التكاليف الباهظة للمشروع ومن أين يمكن أن تأتى، وحتى الشركات العربية التى أعلن عن مشاركتها فيها هل ستتحمل هذه التكاليف وحدها، فهذه كلها أمور يجب أن تكون محددة لضمان تنفيذ المشروع العملاق، ورغم ترحيب المهندس حسين منصور الخبير الهندسى والقطب الوفدى، بالمشروع.. لكنه يتساءل: كيف يمكن التفكير فى نقل العاصمة دون القيام بحوار مجتمعى حول هذا الأمر؟

وأضاف أنه من اللافت الحديث عن العاصمة الجديدة بهذه العجالة والسرعة، دون طرح المشروع للحوار المجتمعى ودون أخذ آراء المتخصصين فى تخطيط المدن، لذا يري أنه كان لابد من استقصاء رأى الخبراء والمتخصصين لتحديد موقع المدينة الجديدة وشكلها فى المستقبل وخطط التوسعات وحركة النقل والمرور، مع مراعاة استراتيجيات الأمن القومى، التي يجب أن تقوم علي عدالة التوزيع ومواجهة التهميش، لذا كان لابد أن يكون موقع العاصمة الجديدة فى الجهة الغربية من النيل فى المنطقة الواقعة بين بنى سويف والمنيا، فهذا الموقع يقع وسط القطر المصرى تقريباً، كما أنه موقع حصين بعيد عن كل الاعتداءات، وكذلك لمواجهة حالة التهميش التى يعانى منها الصعيد، أما اختيار الموقع الذى تم الإعلان عنه، على طريق مصر - السويس فقد يؤدى إلى تكرار مشكلة الزحام التى تعانى منها القاهرة الآن، لأن هذا الطريق مزدحم بسبب الحركة التجارية عليه التى ستزيد فى المستقبل بعد إتمام مشروع القناة الجديدة، كما أن حركة نقل مواد البناء عليه كثيرة بسبب المحاجر المنتشرة على طريق السويس، بالإضافة إلى قربه من منطقة الروبيكى وميناء العين السخنة.

وأشار إلى أنه فى إطار تطور العلم والدراسات البيئية ليس من المعقول أن يثار موضوع نقل العاصمة دون النظر للدراسات البيئية والعلمية للموقع الجديد الذى سيشهد إقامة العاصمة الجديدة.
 

أهم الاخبار