رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ساندوتش الموت.. وجبة على الرصيف

ساندوتش الموت.. وجبة على الرصيف
تحقيق – نشوة الشربينى: تصوير: محمود سالم

أغذية «الرصيف» تنتشر فى العديد من المدن.. والسؤال الذى يفرض نفسه: أين دور الأجهزة الرقابية والمحليات فى منع تداول تلك السموم التى تصيب الصغار قبل الكبار بالعديد من الأمراض، نظراً لما تحتويه من مواد مجهولة في بعض الأحيان أو لانتهاء صلاحية البعض منها.

وتعد قضية تلوث الغذاء فى مصر.. من أهم القضايا الملحة التى يجب أن ينظر إليها المجتمع بعين الاعتبار، مع تكاتف جهود الدولة من أجل وضع حد لهذه الكارثة، خاصة أنها سلع متدنية القيمة الغذائية ومجهولة المصدر، حيث تباع بأسعار رخيصة، ويروج لها الباعة على الأرصفة وفى الطرقات والمواصلات العامة، وبالتالى فهى مضرة بصحة المواطنين، وذلك بعد أن ثبت خطورتها فى الإصابة بالأمراض الخطيرة أبرزها السرطان، خاصة عند الأطفال، لأنهم الفئة الأكثر إقبالاً على تناول أطعمة الشوارع، وهو ما يعد أمراً خطيراً للغاية، خاصة أن البسطاء يقبلون عليها وفي مقدمتهم العمال، وأطفال الشوارع، بل وأيضاً التلاميذ لرخص أسعارها.
التقطت عدسة «الوفد» صوراً واقعية ليست بحاجة إلى تعليق، حيث اختفت أرصفة الشوارع وتحولت إلى ملكية خاصة للبائعين الجائلين الذين اعتبروها أسواقاً مفتوحة لنشر بضائعهم مجهولة المصدر، التى تحظى بقبول شديد لدى المواطنين لرخص أسعارها.
فمنطقتا العتبة والموسكى تعتبران من المناطق التى تنتشر فيها أغذية بئر السلم فى الأسواق بتقليد ماركات عالمية، خاصة فى مجال السلع الغذائية كبعض أنواع البسكويت والألبان البودرة والحلويات واللانشون ومصنعات اللحوم والرنجة وزيوت الطعام، ويحتشد الباعة بالفرش على الأرصفة وعلى السيارات وكل ما تقع عليه أعينهم من أماكن لعرض بضائعهم.
فى شارع البارودى الملاصق لشركة الدخان بحى الجيزة، يقوم أحد البائعين بعرض معلبات مجهولة المصدر وغير مكتوب عليها تاريخ الصلاحية من عبوات الجبنة المثلثة واللانشون والبلوبيف والبسكويت والشيكولاتة والفينو.. وما شابه ذلك، كما يوجد بالشارع أيضاً أكثر من مقهى عبارة عن منضدة وعليها موقد كيروسين ومجموعة من الأكواب ويبيعون الشاى للباعة، فى ظل غياب تام لأجهزة الرقابة والأمن!
وفى شارع الفلكى بباب اللوق نجد عربات للكبدة والسجق مشكوك فى مصدر ما تقدمه للمواطنين، ما يتسبب حتماً فى الإصابة بالأوبئة والأمراض.
وأمام محل شهير بميدان النعام بحى المطرية رصدنا مشهداً فوضوياً سيئاً لانتشار الباعة الجائلين من باعة المشروبات والسلع الغذائية والاستهلاكية المختلفة على الأرصفة.

فقر وحرمان


ذكر حمادى على، يبلغ من العمر 52 سنة: إن أسعار السلع والمنتجات الغذائية مرتفعة. وتساءل: «منين هنشترى لحوم أو فراخ، وراتبى لا يزيد على 350 جنيهاً، نحن نعيش بطلوع الروح ودائماً بنقول يا رب افرجها».
فيما نفى أيمن محمد، «36 سنة»، «أرزقى»: جودة أغذية الشوارع، وذكر أن المشترى يتخوف من نوعية هذه المنتجات الموجودة على الرصيف، وأنه يفضل شراء نصف كيلو من اللحم من عند الجزارة كل شهر مرة أفضل من شراء نوعية لحوم يتشكك فى مصدرها.
بات من الضرورى إنشاء «وزارة سلامة الغذاء» لتنظيم سبل التعامل مع تصنيع، وتخزين الغذاء، والتأكد من تحقق متطلبات سلامة الغذاء وممارسة جميع الصلاحيات والاختصاصات اللازمة التى تقى من الإصابة بالأمراض المنتقلة عن طريق أغذية الشوارع الفاسدة.. هكذا أكدت الدكتورة سعاد

الديب، نائب رئيس الاتحاد العربى للمستهلك ورئيس الجمعية الإعلامية للتنمية وحماية المستهلك.
مؤكدة ضرورة وضع القواعد الملزمة لسلامة الغذاء وفقاً للمعايير الدولية المعمول بها، والتعاقد مع المعامل المعتمدة، والقادرة على القيام بالفحوصات اللازمة بكفاءة وفاعلية لتنفيذ عمليات التفتيش الرسمية والمهام الرقابية.
وأشارت إلى أن مصانع بئر السلم هى التى حولت مصر لسوق مفتوحة لنفايات العالم وبقايا الأطعمة منتهية الصلاحية من الدرجة العاشرة، فمنعدمو الضمائر يرغبون فى تحقيق الأرباح الطائلة على حساب صحة أبناء وطنهم، يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة من المعامل المركزية لوزارتى الزراعة والصحة، وهو ما أدى إلى انتشار غير مسبوق للأغذية الفاسدة والمهربة بكافة أشكالها.
وتوضح الدكتورة «سعاد»: إنه لا يمكن أن نلوم على المواطن والأجهزة المنوط بها حمايته، لأن جهاز وجمعيات حماية المستهلك لا تمتلك حق الضبطية القضائية، ودورها يقتصر فقط على مجرد توعية المستهلكين بحقوقهم وواجباتهم، والتأكد من صلاحية الغذاء من عدمها، ومن ثم فقانون حماية المستهلك مطلوب تعديله.
وتضيف الدكتورة «سعاد»: نحن نمتلك ترسانة من القوانين تحتاج لتعديلات لكى تكون العدالة سريعة وناجزة، لأن التباطؤ فى ملاحقة المخالفين يشجع على الفساد.

تكثيف الرقابة


من جانبه يطالب الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، جهات الرقابة ومعامل وزارة الصحة بتكثيف الجولات الرقابية، للتأكد من سلامة هذه المصانع وجودة منتجاتها الغذائية وسلامة تأثيرها على المستهلك.
أما الدكتور هشام عطية الشخيبى، مدير المركز القومى للسموم بكلية طب قصر العينى، فيرى أن التسمم الغذائى يأتى نتيجة تناول أغذية ملوثة بالبكتيريا أو السموم، وأعراضه مباشرة تبدأ بعد مرور بضع ساعات وهى النزلات المعوية الحادة والغثيان والصداع وآلام البطن والمغص والتقيؤ والإسهال وحمى التيفود والتهاب العظام والمفاصل وضيق التنفس.
وأشار الدكتور «الشخيبى» إلى أن ظاهرة الأغذية الفاسدة ترجع لغياب الضمير، وقد يكون السبب أيضاً ضعف العقوبة الموقعة على منتجى هذه الأغذية التى لا ترتقى لحجم الجرم الناجم من تداول أغذية الموت، مما يستلزم تشديد العقوبة، وطالب بإنشاء هيئة أو وزارة جديدة تكون مهامها التفتيش على أماكن تداول الغذاء، وعلى العاملين فيها، ومنح شهادات الصلاحية اللازمة لإنتاج الغذاء محلياً، ومنع الغش والتدليس فيه، بالإضافة إلى منع تداول الغذاء غير الصالح للاستهلاك الآدمى، ووضع الإجراءات والتدابير الضرورية لمواجهة حالات الطوارئ.
أما الدكتور سمير قابيل، أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمى والأمراض المعدية، فيقول: إن أغذية الشوارع لديها القدرة على نقل العديد من الأمراض من شخص إلى آخر، وهو ما يسمح بنمو البكتيريا المسببة للتسمم الغذائى، وبالتالى يجب سن القوانين، ومراقبة أماكن إعداد الأطعمة، لأن عليها القدر الأكبر من المسئولية تجاه المستهلك، الذى ينبغى بدوره أن يقوم بشراء اللحوم

والأنواع الأخرى من الأطعمة من أماكن معتمدة وذات خبرة فى حفظ الأغذية، حتى نمنع تكاثر البكتيريا، والتى غالباً ما تحتاج إلى درجات حرارة معتدلة للنمو، وكذلك الاهتمام بأماكن التحضير بعيداً عن عوامل التلوث كالصرف الصحى أو القمامة، وأيضاً تأهيل العاملين من الناحية التثقيفية فيما يخص النظافة البدنية وغسل اليدين جيداً قبل عملية التحضير، خاصة أولئك الذين يشتكون من نزلات معوية، مع أهمية عدم ترك الأطعمة مكشوفة أو معرضة للحشرات أو الجو الحار لفترات طويلة، واستعمال القفازات عند لمس الأطعمة والتخلص من نفايات المأكولات التى تغير لونها أو طعمها أو رائحتها بشكل يومى، والإحساس بالمسئولية تجاه المستهلكين، وعدم التصرف من منطلق مادى بحت.
ويضيف «قابيل»: إن هذه الأمراض المنقولة عن طريق الأغذية قد تسفر عن مشكلات صحية دائمة أو الوفاة فى بعض الأحوال، وخاصة فى حالة الأفراد ذوى معدل خطورة عالية، منهم الأطفال الرضع والحوامل، وكذلك كبار السن، بالإضافة إلى آخرين ممن يعانون ضعفاً فى أجهزة مناعتهم.
مشيراً إلى أنه غالباً ما تنجم الأمراض المنقولة عن طريق أغذية الشوارع من الإعداد والتجهيز المفتقر لشروط السلامة الصحية، والتخزين الردىء، بالإضافة إلى اختلاطها بالمواد السمية.
فيما تؤكد الدكتورة كوكا سعد الدين، أستاذ أمراض الفيروسات والمناعة بالأزهر، أن هناك عوامل مرضية كامنة فى أطعمة الشوارع لا ترى بالعين المجردة كالجراثيم والفيروسات والطفيليات الصغيرة بأنواعها المختلفة، كما تسفر الملوثات الكيميائية كبقايا المبيدات ومفرزات العوامل الممرضة أو الباثوجين، وهو ما يلوث الأطعمة ويتسبب فى الإصابة بالأمراض الخطيرة، التى تؤدى للموت، وبالأخص عند الأفراد الضعفاء كالأطفال والمسنين وضعيفى المناعة، أما أكثر أعراض المرض المنقولة بسبب الأطعمة الملوثة شيوعاً فتمثل فى المغص والقيء وآلام الرأس أو العضلات وارتفاع الحرارة، حيث تظهر هذه الأعراض عادة بعد تناول الطعام الملوث بفترة تتراوح من 12 إلى 72 ساعة، ومن المحتمل أن تظهر مبكرة بعد نصف ساعة أو متأخرة جداً بعد مرور 4 أسابيع.
ومن جانبه، يقول الدكتور إبراهيم إسماعيل، خبير التغذية، رئيس الجمعية المصرية للتوعية من أجل الصحة والتنمية: من المؤسف انتشار ظاهرة بائعى أطعمة الشوارع، وهو ما يعد أحد مصادر تلوث الغذاء، لأن بائع الشارع لا يكون له موقع ثابت للبيع، وبالتالى لا تخضع بضائعه للرقابة أو التفتيش، ويقدم خدمة غذائية قليلة التكاليف.
وأضاف الدكتور «إسماعيل»: إن مشكلة هؤلاء البائعين الجائلين هى قلة الوعى الصحى الخاص بالنظافة العامة والتغذية السليمة بينهم، وعدم توافر الرعاية الصحية المتكاملة للبائع وأسرته، وعدم وجود رقابة صحية على الأطعمة والمشروبات التى يبيعونها، بالإضافة إلى تعرض تلك المأكولات إلى مصادر مختلفة من التلوث، والتى تنقل العديد من الأمراض، وبالتالى تسبب تسمم الغذاء، خصوصاً لمحدودى الدخل وتلاميذ المدارس والموظفين والعمال، الذى ينقصهم الوعى الصحى والغذائى، وتزداد خطورة هؤلاء الباعة عند وقوفهم أمام المدارس، حيث تنتقل العدوى للصغار، ومن ثم يجب توفير نماذج لسيارات صحية لباعة أطعمة الشارع وتوزيعها عليهم بشروط ميسرة، مع رفع وعى هؤلاء البائعين وتقديم دورات ثقافية وصحية لهم، والكشف الدورى عليهم، وعلى أسرهم كل فترة (3 شهور مثلاً)، مع أخذ عينات من السلع التى يبيعونها وتحليلها بمعامل وزارة الصحة، للتأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض، كما يجب توفير مواقف عامة بها مياه نظيفة وصرف صحى ويتم تأجيرها لهم بالقرب من أماكن عمل الموظفين والوزارات، بقيمة إيجارية بسيطة، من أجل تشجيعهم والرقابة عليهم.
ووافقه الرأى، الدكتور عطية ملاك، خبير التغذية. مشيراً إلى أن أغذية «بير السلم» رخيصة الثمن ورديئة الإنتاج تؤثر تأثيراً سلبياً على عمل مصانع الأغذية المرخصة التى تتوافر بها شروط سلامة الغذاء والصحة المهنية.
ويضيف: يجب قيام الدولة بتوعية المواطنين بخطورة هذه المنتجات على الصحة لسوء تصنيعها، وأيضاً يجب أن تهتم بدورها الرقابى بالإشراف على مصانع الأغذية وضمان اتباع الممارسات المنصفة فى تجارة هذه السلع، لحماية صحة وحياة المصريين.
 

أهم الاخبار