السنغال وثورة عارمة ضد استنساخ "جمال مبارك"

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 03 يناير 2012 09:42
كتبت : جهان مصطفى

رغم أن السنغال طالما اعتبرت نموذجاً للاستقرار والديمقراطية في إفريقيا منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي في عام 1960، إلا أن سياسات الرئيس عبد الله واد جعلت كثيرين يحبسون أنفاسهم خشية اندلاع أعمال عنف واسعة في تلك الدولة المسلمة خلال انتخابات الرئاسة المقررة في 23 فبراير المقبل، بل ولم يستبعد البعض انتقال "الربيع العربي" إليها أيضا بسبب محاولات واد توريث الحكم لنجله كريم على غرار ما كان يخطط له الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

ويبدو أن الصدامات بين مؤيدين للحزب الديمقراطي الحاكم والحزب الاشتراكي المعارض والتي اندلعت في العاصمة داكار في 23 ديسمبر الماضي وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة 3 آخرين ضاعفت المخاوف في هذا الصدد، خاصة في ظل تشبث الرئيس واد بالسلطة واصراره على الترشح لولاية ثالثة، الأمر الذي فجر جدلا دستوريا واسعا وزاد وتيرة الاحتقان السياسي في البلاد.

فمعروف أن الرئيس واد "85 عاما" انتخب لأول مرة في العام 2000 لولاية بسبع سنوات، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في العام 2007 ولكن لمدة خمس سنوات فقط قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك استنادا لتعديل دستوري في 2001 ، وفي العام 2008 تمت العودة إلى القانون القديم الذي يحدد الولاية الرئاسية الواحدة بسبع سنوات.

وما إن أعلن واد عن ترشحه لولاية ثالثة، إلا وتفجر جدل واسع حول تاريخ بداية ولايته ونهايتها ، حيث أكدت المعارضة أن دستور السنغال الذي اعتمد عام 2001 يقصر عدد الولايات الرئاسية على اثنتين، وأن عبد الله واد سينهي في العام 2012 ولايتين شرعيتين، الأولى امتدت من العام 2000 إلى العام 2007، والثانية امتدت من العام 2007 إلى العام 2012.
وقال ابراهيم سين المسئول في حزب ينتمي إلى ائتلاف المعارضة لوكالة الصحافة الفرنسية إنه ليس بإمكان واد الترشح إلى ولاية ثالثة دون انتهاك الدستور، فيما أشار معارضون آخرون إلى أن

روح دستور 2001 تتمثل في تفادي بقاء الرؤساء عشرين عاما في الحكم كما حصل مع ليوبولد سيدار سنغور "1960-1980" وعبدو ضيوف "1981-2000" والاقتصار على عشر سنوات على أقصى تقدير، لكن بما أن واد انتخب في 2000 بدستور 1963 كان لا بد من فترة انتقالية مع الموافقة استثنائيا أن يبقى 12 عاما في الحكم.

وفي المقابل، يتمسك الحزب الديمقراطي الحاكم بترشيح واد لولاية ثالثة بحجة أنه انتخب عام 2000 بناء على دستور يعود إلى 1963 لم يكن ينص على الحد من عدد الولايات، كما أن العد للولاية يبدأ من 2007 تاريخ بدء العمل بالولاية الرئاسية ذات الأعوام الخمس وليس من العام 2000 تاريخ انتخاب واد رئيسا بولاية أولى سبع سنوات، موضحين أن المادتين 27 و104 من التعديل الدستوري 2001 تنص على أنه لا يمكن للرئيس أن يترشح لولايتين مدة كل منهما خمس سنوات.

وبجانب الجدل الدستوري السابق، فإن ما يفاقم أزمة السنغال أن كريم واد نجل الرئيس واد يشغل موقعا بارزا داخل الحزب الديمقراطي الحاكم ، ويتسع نفوذه يوما بعد يوم، حيث تم منحه صفة مستشار للرئيس وتم تعيينه في منصب وزير الطاقة والنقل الجوي والتجهيز، وهي وزارة تقدر ميزانيتها بربع ميزانية الدولة السنغالية .

بل وتتهم المعارضة الرئيس واد بالسير على خطى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الذي كان يعد نجله جمال لخلافته، بينما يزعم واد وبعض أنصاره أن المكانة التي يحظى بها نجله هي نتاج قدراته ومؤهلاته العلمية.

ونقلت قناة "الجزيرة" عن القيادي في الشبيبة الاشتراكية المعارضة إسماعيل ماني القول إنه من النادر

أن يقدم رئيس دولة ديمقراطية على مثل هذا الأسلوب، مضيفا أن تقاليد الرؤساء الذين تعاقبوا على السلطة في السنغال كانت تجارب فريدة ونموذجية، فالرئيسان سينغور وضيوف تنازلا عن السلطة بطرق سلمية ومدنية، حيث ترك الأول السلطة بإرادته والثاني انحنى أمام نتائج صناديق الاقتراع لصالح الرئيس الحالي عبد الله واد عام 2000.

وانتقد ماني بمرارة تصرفات الرئيس واد في تدبير شئون البلاد، قائلا إن السنغال اليوم تديرها أسرة حاكمة، مستغربا حجم الصلاحيات الممنوحة لنجل الرئيس والتي تفوق تجربته وقدراته .

وأكد أنه على امتداد عمر الدولة السنغالية لم يجمع وزير هذا الحجم من الوزارات في وزارة واحدة باستثناء نجل الرئيس الحالي، قائلا :" كان على الرئيس واد أن يستوعب رسالة السنغاليين في الانتخابات البلدية الأخيرة، فالناخبون لم يمنحوا أصواتهم لكريم واد -المرشح ساعتها لمنصب عمدة بلدية داكار-  في تعبير واضح عن رفضهم لأجندة الرئيس الذي يحاول تقديم ابنه على طريقة الرئيس المخلوع حسني مبارك".

وفي المقابل، دافعت الناشطة في الحزب الحاكم مام دياتا بشدة عن نجل الرئيس، زاعمة أنه يحظى بمؤهلات علمية ويتمتع بكفاءة تؤهله أن يخدم بلده من أي موقع، كما هو حال بقية أبناء السنغال، مضيفة أن العلاقة العائلية بالحاكم لا تعني بالضرورة حرمان الناس من ممارسة حقوقهم.

ورغم أن البعض كان يعول على قيام المجلس الدستوري في السنغال بوضع حد للحكم العائلي الذي يمارسه واد وإنقاذ التجربة الديمقراطية في البلاد، إلا أن هناك شكوكا واسعة في حدوث مثل هذا الأمر ، حيث أن رئيس المجلس الشيخ تيديان دياخاتي الذي تم تعيينه مؤخرا في هذا المنصب من الشخصيات الموالية للرئيس واد.

ويبقى الأمر الأخطر وهو أن الرئيس واد اقترب من التسعين ولم يعد قادرا على إدارة شئون الدولة التي تعانى من المشكلات الاقتصادية، ولذا فإن إصراره على الترشح لولاية ثالثة سيضاعف الغضب الشعبي أكثر وأكثر، خاصة في ظل تكرار انقطاع التيار الكهربائي في العاصمة وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

والخلاصة أن واد انضم للرؤساء الذين يحاولون التشبث بالسلطة بالوسائل الديمقراطية بعد أن تراجعت إلى حد كبير الانقلابات العسكرية في إفريقيا، إلا أن حركة "ترمينوس 2012" أو "نهاية الرحلة في 2012 " التي تأسست مؤخرا وتعارض ترشحه لولاية ثالثة لن تجعل مهمته سهلة، بل إنها قد تنتهي بمصير مشابه لما انتهى إليه مبارك ونجله جمال.

 

أهم الاخبار