رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

"الوفد" فتحت كل الملفات المسكوت عنها بجرأة ومهنية وحرفية

حزب الوفد

الجمعة, 21 مارس 2014 22:07
الوفد فتحت كل الملفات المسكوت عنها بجرأة ومهنية وحرفية
إعداد - أحمد كمالي وعمرو إبراهيم:

صباح الخميس 22 مارس 1984، صدر العدد الأول من جريدة الوفد، جريدة جديدة تنضم إلى القافلة الصحفية، القارئ المصرى لم يستغرق كثيراً من الوقت ليتعرف على هوية الجريدة،

أو ليكتشف فى أى خانة تقف، فالجريدة تحمل اسماً عريقاً فى الحياة السياسية «الوفد»، وما أدراك ما الوفد، إنه الحزب الأبرز والأهم فى تاريخ الحياة السياسية والحزبية فى مصر خلال القرن العشرين، فجاء ميلاد جريدة الوفد لتكون ناطقة بلسان حزب الوفد، ذلك الحزب الذى اجتهد بإخلاص حين تولى السلطة، وناضل بشرف حين جلس فى مقاعد المعارضة.
نحن إذن أمام جريدة ولدت لتقف فى بؤرة المعارضة، تتكئ على إرث تاريخى طويل لحزب عريق، وهذا ما أفصح عنه بكل وضوح رئيس مجلس إدارة الجريدة فى صدر صفحتها الأولى فى عددها الأول، حين كتب فؤاد سراج الدين قائلاً:
«لقد صدرت هذه الصحيفة لتعارض بكل ما تملك من قوة، وهى تفهم المعارضة على أنها واجب وطنى جليل، تتعاظم خطورته وتشتد حاجة الأوطان إليه فى مثل ظروفنا الراهنة، وهى أيضاً تدرك أن المعارضة الوطنية تنطلق فى مسارين يلتقيان عند مصالح مصر العليا، الأول أنها مطالبة بتأييد كل من يعمل لصالح الوطن، ومساندة كل خطوة تتجه نحو تخفيف المعاناة عن شعبنا الصابر، والمسار الثانى أن هذه الصحيفة تلتزم قبل ذلك كله مع حزبها الكبير بأن تتصدى بالرفض، وبكل القوة فى مواجهة أى خطأ قائم، وأى خطوة ضارة، وكل تصرف عابث، وهذا الالتزام لمصر يعلو فوق كل القزام، ويسمو فوق أى اعتبار ويعليه الوفاء والولاء للوطن والشعب».
والسؤال الذى نطرحه الآن: ما الجديد الذى قدمته جريدة الوفد منذ صدورها منذ ثلاثين عاماً خلت من عمرها الصحفى؟!
جريدة الوفد هزت بعنف شجرة الحكم اليابسة، فتساقطت أوراقها الذابلة تباعاً، تساقطت هموم وأوجاع ومشاكل المصريين على صفحات جريدة الوفد، بعد أن فتحت الجريدة كل الملفات المسكوت عنها بجرأة ومهنية وحرفية شديدة اعترف بها الجميع، فهى لا تتكلم إلا بالمستندات الدامغة والصور والوثائق، وهذا ما جعل جريدة الوفد دائماً محل إنصاف من القضاء المصرى فى كل معاركها ضد فساد السلطة ورموزها التى استدرجها فيها لساحات القضاء.
نجحت جريدة الوفد خلال ثلاثين عاماً خلت من عمرها الصحفى، ومنذ عام ميلادها الأول، أن تفكك أحجار أصنام السلطة، من رموزها ورجالها الذين شكلوا يوماً ما مراكز للقوى، فظنوا أنهم بمنأى عن الحساب أو حتى مجرد العتاب، فأحدث صدام جريدة الوفد معهم خلال سنوات طويلة ومعارك شهيرة، دوياً هائلاً  حرك المياة الراكدة، وأنعش فى نفوس المصريين مشاعر المقاومة التى تيبست لكل أشكال الفساد، والذى بدا فى معاركه مع جريدة الوفد وكأنه يترنح بشدة على مقعده الوثير.
وليس أدل على ذلك من ارتفاع توزيع جريدة الوفد خلال عام واحد فقط من صدورها ليقترب من النصف مليون نسخة، لأن جريدة الوفد لمست عند المصريين الأوجاع التى عجزوا أن يتحدثوا عنها حتى بينهم وبين أنفسهم.
فى ذكرى ثلاثين عاماً على صدور جريدة الوفد، نتذكر معاً وباختصار شديد، بعضا من معارك جريدة الوفد الشهيرة مع السلطة، تلك المعارك التى خاضها صحفيو الوفد بأقلامهم فقط، فى حين خاضتها السلطة بكل ما تملكه من قوة ونفوذ وصل أحياناً إلى حد الاحتكاك الخشن.

(1)
مبكراً بدأ صدام جريدة الوفد مع السلطة، منذ العدد الرابع، الذى تمت مصادرته، قبل أن تصل الجريدة إلى يد القارئ، حوالى أربعمائة ألف نسخة بين يدى رجال الأمن، أما عن سبب المصادرة فهو ذلك المانشيت الصادم الذى حملته الصفحة الأولى للعدد الرابع من الجريدة، وقد جاء فيه «اختفاء الأسلحة والمستندات التى ضبطت فى قضية تنظيم الجهاد».
«أحراز القضية اختفت من خزانة حديدية داخل غرفة مغلقة تحت حراسة مشددة».
وفى طيات الخبر كتبت جريدة الوفد تقول:
«حدثت مفاجأة مذهلة فى تطورات قضية تنظيم الجهاد، اختفت صباح الاثنين الماضى من قاعة محكمة أمن الدولة بمدينة نصر، فى ظروف غامضة، الأسلحة والمستندات التى ضبطت فى منازل قيادات التنظيم، فرضت النيابة العامة حصاراً من السرية حول تحقيقاتها، لمحاولة الكشف عن ظروف اختفاء أحراز القضية، التى تعتبر أدلة الاتهام المادية الدالة على ارتكاب المتهمين لجرائمهم، علمت «الوفد» من مصادر قريبة من التحقيقات أن الحادث ليس فردياً إنما قامت به جماعة منظمة واستغرق الإعداد له فترة طويلة حتى نجحوا فى سرقة الأحراز».
العنوان الذى نشرته جريدة الوفد كان صادماً والإجراء الذى اتخذته السلطة بحجه أن الجريدة نشرت خبراً فى قضية محظور فيها النشر كان قاسياً، وبين الخبر المحظور وقرار المصادرة، تساءل الناس الذين بدأوا فى التعود أن يتلقفوا جريدة الوفد صباح كل خميس، لماذا لم تصدر الجريدة؟!
الإجابة كانت فى أروقة جهاز أمن الدولة، الذى أشرف على اعتقال 400 ألف نسخة من جريدة الوفد، الذى تولى رئيسه تليفونياً مفاوضة رئيس مجلس إدارة الجريدة فؤاد سراج الدين، على الإفراج عن الأعداد المصادرة مقابل رفع الخبر المحظور؟!
فكان رد فؤاد سراج الدين واضحاً قاطعاً: لا أملك رفع الخبر فذلك من اختصاص رئيس التحرير فقط، وأن الجريدة لم تخطر بأى حال بوجود قرار بمنع النشر فى تلك القضية، وأخيراً فإن رفع الخبر وإعادة الطبع يعنى تأخير الجريدة يومين على موعد صدورها، ما يعنى حسب  قول سراج الدين: «أن أشارك فى قتل ابنى؟.. إذا أردت أن تقتله أنت فافعل ما يروق لك.. ولنتقابل فى ساحة القضاء».
وأظن أن التاريخ سوف يذكر لسراج الدين هذا الموقف، الذى مارس فيه عملياً شعار جريدة الوفد الذى يتصدر صفحتها الأولى منذ صدورها حتى اليوم، وهو أن «الحق فوق القوة.. والأمة فوق الحكومة»، ففى هذا الموقف التاريخى أقر سراج الدين مبدأين هامين فى مسيرة الوفد الصحفية، الأول: هو فصل الإدارة عن التحرير، والثانى هو احترام حق القارئ فى معرفة الحقيقة كاملة مهماً كان الثمن.
فى صباح الخميس 12 أبريل 1984 كان القضاء ينظر بصورة مستعجلة قضية العدد الرابع الذى تمت مصادرته من جريدة الوفد، والمتهم الأول والأخير فى القضية هو رئيس التحرير الأستاذ محمد مصطفى شردى الذى سمح بنشر الخبر فى قضية محظور فيها النشر حسب اتهام النيابة، النيابة حشدت ببراعتها المعهودة أدلة الاتهام من مواد قانون العقوبات، وهيئة الدفاع من محامي جريدة الوفد، شكلوا حائط صد قانونى، امتزجت فيه مواد القانون بحجة المنطق السليم، ولا أدل على ذلك من قول الأستاذ محمد عبدالعزيز المحامى فى مرافعته عن جريدة الوفد حين قال:
«مباحث الصحافة لا تعجبها جريدة الوفد، فتتربص بها وتصادرها، ولو صح أن قراراً صدر بحظر النشر هل كانت الوفد ترفض الالتزام به، لقد تمت المصادرة فى الحادية عشرة ليلاً، ثم بدأت مباحث الصحافة فى عمل

الحظر فى الساعة السادسة صباحاً، وإذا كان ممثل الادعاء يقول إن جريدة الوفد تعمد إلى إثارة البلبلة، فلماذا لم تصادر الصحف التى نشرت قصة التنصت على قاعة المداولة فى محكمة أمن الدولة، وهى الواقعة التى هزّت الرأى العام، والنيابة تتهم صحيفة الوفد بالإثارة، ولو قرأت المحكمة خبراً منشوراً فى العدد الصادر اليوم لعلمت أن الوفد يهمها الصالح العام، قبل أى شىء آخر، لقد تلقت الصحيفة بياناً من أحد الروابط المهنية تهدد فيه بالإضراب لتحقيق مطالبها، فماذا كان رد الوفد، لقد قالت إننا نحترم الحقوق الكاملة لكافة الهيئات، إلا أننا نرى أن الإضراب سيلحق الضرر بالمواطنين، وهذا أمر لا يمكن قبوله أو الموافقة عليه».
مساءً فى الساعة الثامنة، صدر حكم المحكمة، بعد أن اختلى قاضى محكمة الأمور المستعجلة بنفسه، ثم أصدر حكمه المهم فى مسيرة الوفد الصحفية، «إلغاء أمر الضبط والإفراج عن العدد المضبوط من جريدة الوفد، وجميع النسخ المتحفظ عليها من هذا العدد، والمشار إليها فى محضر الضبط».
صباح يوم الجمعة 13 أبريل 1984 العدد الرابع من جريدة الوفد بين يدى قراء الوفد، السعر المعلن والمكتوب على الجريدة فقط عشرة قروش، بينما الثمن الحقيقى المدفوع كان صداماً مبكراً مع السلطة، حسمه القضاء بقوة لصالح الجريدة.

(2)
كان الفساد من أكثر القضايا التى تصدت لها جريدة الوفد خلال مسيرتها الصحفية، لا سيما فساد السلطة وكبار المسئولين، تصدى جريدة الوفد لفساد السلطة لم يكن من قبيل الفرقعات الصحفية التى ترفع من مبيعات الجريدة، ولكن معارك جريدة الوفد ضد فساد السلطة كان نابعاً من إيمانها أن فساد النخبة الحاكمة ما هو إلا «مصفوفة فساد عددية» سوف تؤدى لا شك إلى تحلل مؤسسات الدولة ثم سقوط النظام فيها.
ففى عدد جريدة الوفد الصادر فى 17 أبريل 1986 كشفت جريدة الوفد حسب عنوان صفحتها الأولى عن:
- «مؤامرة لضرب أجهزة الرقابة وحماية انحرافات كبار المسئولين».
- «بحث إلغاء النيابة الإدارية وتحجيم جهاز الرقابة الإدارية وتقييد حركة الجهاز المركزى للمحاسبات».
- «المخطط يستهدف التستر على نشاط عصابات المافيا التى تسرق المال العام».
جريدة الوفد كشفت إذن عن محاولة لضرب «الجهاز المناعى» للدولة المصرية، وشل حركته، والذى يمثله أجهزتها الرقابية الأمينة على المال العام، الوفد أشارت بأصابع الاتهام صراحة إلى أن الدكتور يوسف والى نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة وأمين الحزب الوطنى الحاكم، هو صاحب مخطط شل حركة الأجهزة الرقابية فى مصر.
وفى تحدٍ لا تنقصه الجرأة والمهنية العالية لجريدة الوفد، تحدت الجريدة نائب رئيس الوزراء والرجل القوى فى الدولة آنذاك الدكتور يوسف والى، حين أنكر وجود مثل هذا المخطط، لتنفرد الوفد بنشر وثيقة دامغة على وجود مؤامرة تحجيم وتصفية الأجهزة الرقابية فى مصر، حماية لفساد الكبار، فكانت الوثيقة التى نشرتها الوفد وهى القرار 171 لسنة 1986 - سرى جداً - الذى أصدره رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات آنذاك الدكتور عاطف صدقى.
وقد فرض القرار حسب تعبير جريدة الوفد ستاراً حديدياً على الانحرافات بمنع إبلاغ الجهات المسئولة عنها قبل استئذان «العمالقة».
وحسبما كشفت جريدة الوفد فقد جاء فى الوثيقة التى نشرتها «أن رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات أصدر أوامره للعاملين بالجهاز، أنه يعتبر «سرى جداً» تقارير الجهاز عن الشخصيات العامة والقيادات بالجهاز الإدارى للدولة كذلك التقارير التى تصدر عن الجهاز وتتضمن بيانات أو انحرافات مالية تتعلق بكبار المسئولين، أو تلك التى تتعلق بموضوعات ذات طابع خاص».
وبالتالى فإنه حسب ما جاء فى القرار، «لا يجوز نشر أو تداول بأى وسيلة من وسائل النشر أى معلومات أو تقارير عن تصرفات أو وقائع فساد لمسئولى الدولة وكبار القيادات فيها».
فيما كشفت الوفد أيضاً عن التنبيه على مفتشى الجهاز المركزى للمحاسبات بالامتناع عن إبلاغ النيابة العامة أو النيابة الإدارية عن الانحرافات التى يكتشفونها إلا بعد استئذان وموافقة صريحة من وكيل الجهاز!

(3)
«أضع أمامى ورقة مكشوفة عليها وجه رفعت المحجوب، الرجل اللغز، الذى تحيط به صفوف طويلة من علامات التعجب والاستفهام وكل علامة أمامها ألف سؤال يتردد بين الناس؟
من يحمى هذا الرجل، من يجلسه عنوة ورغم أنف الشعب كله فوق منصة مجلس الشعب، من يبيح له كل هذا القدر من الاستعلاء، ومن الاستهزاء ومن التجاوز، ومن التطاول، ومن يشجعه على طعن التقاليد وتمزيق اللوائح، وضرب الدستور بالنعال، وما الهدف من ذلك كله، إذا كانت مهزلة جلوسه فوق المنصة مستمرة، وتمثل وضعاً مقلوباً، وتشارك فى دفن الحزب الحاكم نهائياً وبين الجماهير، من المستفيد من الحزب الوطنى أو بين نوابه، أو فى جهاز الحكم كله، من الإبقاء على ذلك الرجل، الذى وثب فجأة من عباءة السلطة، على طريقة جلا جلا، واعتلى منصة مقدسة، لا شك أنها تهتز غضباً لهذا الهوان.
الناس تتساءل: كيف يبقى هذا الرجل فوق أنفاس مجلس الشعب، وفوق أنفاس الشعب نفسه، بعد كل الذى جرى، وبعد كل الذى قيل، وبعد كل الذى ثبت فى ساحات المحاكم، وأيضاً فى التقارير السرية عنه وعن أقرب الناس إليه».
كان هذا هو قلم مصطفى شردى، وكلماته، الصحفى الأبرز فى مسيرة جريدة الوفد، كانت هذه بعض كلمات رئيس تحرير جريدة الوفد، وهى تخوض واحدة من أبرز معاركها ضد السلطة، متمثلة فى فساد أحد أبرز رموزها وأساطين الحكم فيها رئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب.
هذه الكلمات كانت جزءاً من مقالة طويلة كتبها الأستاذ شردى فى إطار رحى المعركة الشهيرة التى خاضتها جريدة الوفد لتكشف عن فضيحة جديدة للسلطة والتى اشتهرت إعلامياً باسم «فضيحة عقد بناء قصر العينى».
الكلمات قاسية.. بحجم قسوة المهزلة، وبحجم المسئول المتورط فيها.
الفضيحة التى فجرتها الوفد ضد السلطة، تعلقت ببناء مستشفى قصر العينى الجديد، وما شاب هذه العملية من خروقات ووقائع فساد كان بطلها رئيس لجنة البت والصياغة فى المشروع، الدكتور رفعت المحجوب الذى صار

بعد ذلك رئيساً لمجلس الشعب؟!
«الوفد» فى سلسلة تحقيقات قوية فتحت الملف المسكوت عنه فى عقد بناء مستشفى قصر العينى، كشفت جريدة الوفد عن إرساء الدكتور المحجوب عطاء بناء المستشفى على مجموعة شركات فرنسية بعد أن تسربت لها سراً عطاءات الشركات الأخرى المنافسة، فيما تولى المحجوب بنفسه تحرير عقد القرض المالى الذى عقدته الحكومة المصرية مع الجانب الفرنسى لتمويل بناء المستشفى، وهو العقد الذى رفضه مجلس الدولة لمخالفته الدستور والقانون، فيما تولى الدكتور المحجوب بعد ذلك بنفسه تمرير اتفاق القرض المالى المشبوه فى أروقة مجلس الشعب حين كان رئيساً للمجلس، وقد اتهمت جريدة الوفد رئيس مجلس الشعب صراحة وبالمستندات أنه مارس التدليس والكذب على رئيس الدولة فى التكلفة الحقيقة لبناء المشروع.
قضية فساد عقد بناء مستشفى قصر العينى الجديد التى فجرتها جريدة الوفد، كانت تمثل منحنى مهماً وربما غير مسبوق فى مواجهات الصحافة مع السلطة منذ عشرات السنوات، استخدم فيها الوفد المستندات وكشف عن الأرقام والأسماء، وناطح بكل قوة وثقة الرجل الثانى دستورياً فى الدولة المصرية.

(4)
لن ينسى المصريون معركة جريدة الوفد التاريخية مع وزير الداخلية الأسبق اللواء زكى بدر، تلك المعركة التى أفضت فى نهايتها إلى تقديم وزير الداخلية لاستقالته، كانت اللقطة التى ظهرت فيها جريدة الوفد هذه المرة فى معركتها مع السلطة مختلفة، فالصدام كان مع يد الدولة القوية، بل الباطشة بعنف أحياناً، كان الصدام مع عصاها الغليظة، مع رجل الأمن الأول الذى طالما تحاشى الجميع التلميح أو التصريح ولو من طرف خفى عن تجاوزاته.
كانت فضيحة بكل المقاييس تلك التى كشفت عنها جريدة الوفد، من أن السيد وزير الداخلية زكى بدر يتجسس على قيادات أحزاب المعارضة وعلى صحف المعارضة وصحفييها، ويضع منازل وتحركات رؤساء تحرير هذه الصحف والتى يراها «من العناصرالخطرة» كما يتخيل هو تحت المراقبة، عمليات التجسس أو التلصص، التى مارسها اللواء زكى بدر وزير الداخلية التى كشفت عنها جريدة الوفد بالمستندات، شملت بعض أعضاء مجلس الشعب، بطبيعة الحال السيد وزير الداخلية آنذاك أنكر تلك الفضيحة، التى أطلقت عليها جريدة الوفد «فضيحة لاظوغلى جيت»، غير أن «الوفد» بطريقتها المعتادة داهمت الوزير بمجموعة من الوثائق التى تسربت من جهاز أمن الدولة، تؤكد صدور تعليمات من الوزير بالتجسس على رؤساء تحرير صحف المعارضة، وبعضها يكشف عن تكثيف المراقبة على مقر جريدة الوفد فى منطقة المنيرة وعلى منزل رئيس تحرير الجريدة الأستاذ مصطفى شردى.
وقد بلغت فضيحة «لاظوغلى جيت» ذروتها، حين كشفت جريدة الوفد بالوثائق، أن جهاز أمن الدولة وبتعليمات من وزير الداخلية يتجسس على نواب رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين أيضاً، رغم أنهم بطبيعة الحال لا يشكلون خطراعلى أمن الدولة.
محاولات وزير الداخلية لإنكار هذه الفضيحة التى فجرتها «الوفد» باءت بالفشل، لأنها كانت فضيحة موثقة بالمستندات، التى أفزعت الوزير ورجاله، فأصدر تعليماته المشددة بتشديد الرقابة على تداول الوثائق داخل جهاز أمن الدولة نفسه.
«لاظوغلى جيت» أو فضيحة التجسس على الوزراء والمعارضين ورؤساء الأحزاب، لم تكن هى المعركة الوحيدة التى خاضتها الوفد ضد وزير الداخلية الأسبق زكى بدر، فالصراع مع رجل السلطة ذي العصا الغليظة كان طويلاً، فجرت فيه الوفد عشرات من المفاجآت والقضايا ضد الوزير بدر، فى أكبر حملة صحفية ربما شهدتها الصحافة ضد وزير داخلية، تلك الحملة التى وثقتها جريدة الوفد كعادتها بعشرات من الوثائق والصور التى اخترقت فيها حواجز الوزير بدر الأمنية، وتعليماته المشددة، فقد كشفت «الوفد» عن مؤامرة الوزير «بدر» للاستيلاء على أرض أعضاء نادى هيئة تدريس جامعة القاهرة بالمنيل، بعد أن تحولت الأرض لمعسكر للأمن المركزى، كما كشفت الوفد بالصور عن ممارسات التعذيب الممنهجة للمعتقلين وبعض المقبوض عليهم فى عدد من القضايا السياسية التى تنظرها المحاكم، التى أكدت صحتها تقارير الطب الشرعى، كما كشفت «الوفد» بالوثائق والصور أيضاً عن بعض القضايا التى احترف جهاز زكى بدر الأمنى تلفيقها للأبرياء من المواطنين.
الصور التى انفردت بنشرها جريدة الوفد لضحايا التعذيب فى سجون زكى بدر كانت بحق تدمى القلوب، فهى لا تدين فقط وزير داخلية النظام، بل كانت شاهدة على إدانة النظام الحاكم بالكامل.
وأخيراً كانت نهاية معركة «الوفد» الشرسة مع وزير الداخلية زكى بدر هى صدور قرار رئيس الجمهورية بإقالته، تلك الإقالة التى عبرت عنها جريدة الوفد بعنوان: «سقوط الطاغية زكى بدر»، فيما كتبت الوفد أيضاً: «شربات الفرح فى شوارع مصر»، «الشعب يعبر عن سعادته البالغة بطرد الجلاد مصاص الدماء».

(5)
منذ ثلاثين عاماً مضت، حين صدر العدد الأول من جريدة الوفد، حتى اليوم، والوفد فى اشتباك مستمر مع السلطة، فجرت خلالها الوفد مئات من القضايا ودخلت مثلها من المعارك، التى لن تنسى، فمن ينسى معركة جريدة الوفد الشهيرة ضد محافظ الإسكندرية فوزى معاذ، ومعركتها فى قضية رد الأموال المصادرة مع وزير الاقتصاد ومعه شقيق الدكتور المحجوب وآخرون، وفضيحة لسان الوزراء أو التكية التى احتلها الوزراء داخل منطقة البحيرات المرة لتكون منتجعاً لهم، والحملة الكبرى التى قادتها جريدة الوفد للتصدى لمهزلة بيع بنك القاهرة التى نجحت فى إيقاف بيع البنك، وحملتها ضد بيع شركة «كيما» وتشريد العاملين فيها، وضد برنامج الخصخصة المشبوه، ومحاولة بيع الوهم للمصريين فى مشروع «توشكى»، الذى أثبتت «الوفد» فشله قبل الجميع بسنوات، رغم أن المشروع كان تحت رعاية رئيس الدولة شخصياً.
فيما تبقى معركة جريدة الوفد التاريخية والكبرى، تلك التى خاضها ضد رأس السلطة فى مصر، ضد الرئيس السابق محمد مرسى، فى ذلك العام الذى قفز فيه الإخوان على السلطة، ورغم أنها كانت معركة كل المصريين، إلا أنها كانت فى المقام الأول معركة ضد محو هوية مصر، غير أن جريدة الوفد كانت كعادتها فى مقدمة الصفوف.
فقد رفعت جريدة الوفد على صدر صفحتها الأولى شعار «أن الثورة مستمرة ومصر فوق الأحزان»، وكان ذلك عقب إعلانها بطلان ذلك الإعلان الدستورى المشئوم الذى أصدره رئيس الجمهورية، وقد دعت «الوفد» المصريين لمليونية حاشدة لرفض الانقلاب على الشرعية المسمى بـ «الإعلان الدستورى»، وفور انتهاء الجمعية التأسيسة المطعون على شرعيتها من وضع الدستور الإخوانى المشبوه شكلاً وموضوعاً، قادت «الوفد» حملة كبرى لحث المصريين على التصويت بـ «لا» على استفتاء الدستور، وقد اطلقت عليه «الوفد»: «استفتاء العار»، فيما كشفت «الوفد» عن مخطط الإخوان لتمرير الاستفتاء على الدستور باستخدام واستغلال الأمية  والفقر والعنف إن لزم الأمر.
الرئيس السابق محمد مرسى ورجاله كانوا أيضاً فى مرمى نيران تحقيقات جريدة الوفد خلال عام حكم الإخوان المسلمين أو عام «رمادة الإخوان» ،كما أطلقت عليه جريدة الوفد.
اهتمت جريدة الوفد بنشر بعض ما جاء فى لجنة تقصى الحقائق حول أحداث ثورة 25 يناير والذى أشار صراحة إلى اتهام جماعة الإخوان المسلمين باقتحام السجون والأقسام أثناء الثورة، وقيام فرقة تابعة للجماعة بقتل الثوار من أعلى أسطح العمارات، ورغم خطورة التقرير وما جاء فيه من اتهام مباشر للجماعة التى ينتمى لها رئيس الدولة غير أن جريدة الوفد لم تتوان لحظة في نشر ما وصل إليها من معلومات دون اعتبار لمخاطر أو عواقب ذلك.
أما جريمة الاتحادية التى لن تنسى من ذاكرة المصريين فقد وثقتها عدسة الوفد بالصورة، عشرات الصور الفاضحة الكاشفة لجريمة قتل المعتصمين السلميين على أعتاب قصر الرئاسة، ومع الصور انفردت الوفد بتوثيق شهادات حية على المهزلة التى قامت بها ميليشيات الإخوان على مرمى البصر من قصر الرئاسة.
خلال عام كامل من مواجهة صريحة ومعركة شرسة خاضتها الوفد مع سلطة حكم الإخوان ومن تبعهم من جماعات الظلام سدد «الوفد» حزباً وجريدة ضريبة الدفاع عن الوطن، حين تعرض مقر الوفد لهجوم همجى بالأسلحة النارية وقنابل الغاز، الهجوم نفذه تابعون لجماعة حازم صلاح أبوإسماعيل، ويومها قال الدكتور السيد البدوى رئيس حزب الوفد: «أنعى إلى الشعب سقوط الدولة المصرية وأحمل الرئيس مرسى المسئولية»، وقد كشفت جريدة الوفد عن مخطط أولئك الإرهابيين لارتكابهم مذبحة ضد صحفيي الوفد وأعضاء الحزب عقاباً لهم على موقفهم ضد الدستور المشبوه.
فيما تحدت جريدة الوفد قمة السلطة وذلك قبل أن يتم خلع الرئيس مرسى عن كرسى الحكم بأن نشرت تفاصيل خارطة المستقبل المقترحة فيما بعد رحيله.
جريدة الوفد بعد مسيرة ثلاثين عاماً من مواجهة استبداد السلطة، تعاهد قارءها أنها على العهد فى كلمة حق تكتبها لوجه هذا الوطن، لا تحيد عنها، أو تساوم عليها.