رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

13 عاما على رحيل فؤاد سراج الدين زعيم مصر

حزب الوفد

الخميس, 08 أغسطس 2013 08:36
13 عاما على رحيل فؤاد سراج الدين زعيم مصرفؤاد سراج الدين زعيم مصر
كتب: مصطفى عبيد

13 عاما مرت ولم تمر، مضت وهو باق، فى لوحة التاريخ مبهرا بجرأته، بوطنيته، بنزاهة الإخلاص، وصدق التعبير عن الناس بمختلف فئاتهم، بإنجازات غيرت وجه مصر، ومواقف لا تسقط من ذاكرتها.

لم يكن فؤاد سراج الدين مجرد سياسى، ولا رئيس حزب، ولا وزير سابق، ولا خطيب بارع وانما كان حزمة مواهب سياسية  ممتزجة بعصير الوطنية والنزاهة قلما اجتمعت فى شخص ما .
فى 9 سبتمبر عام 2000 غادرنا إلى دار الحق وخلف جنازته سار شعب مصر ذاكرا مواقفه الوطنية وتضحياته وعطاياه فى مجال الحرية والديمقراطية .
كان فؤاد سراج الدين هو الامتداد الطبيعى لنبيل السياسة الأعظم مصطفى باشا النحاس، الجيل الثانى من وفديي مصر منذ توفدت، فصار الوفد دين المصريين غير المنزّل فى الاستقلال والكرامة والنزاهة، الوثبة المبهرة فى تاريخ المصريين نحو التحرر والفدائية والبناء. الصداح بالحق، المنكر على الباطل، المقاتل من أجل الحرية حتى لو كان الثمن حريته هو شخصيا.
فى كفر الشيخ، وفى قرية بيلا، وفى أسرة ثرية ولد فؤاد سراج الدين . إن تاريخ ميلاده الرسمى هو يناير عام 1910، لكن غير معروف بشكل واضح إن كان هو تاريخ الميلاد الفعلى أم أن الميلاد سبق ذلك ببضعة أشهر.
ومثل كثير من العائلات الوطنية فى ذلك الوقت  اختار فؤاد دراسة القانون ليتخرج عام 1930 وعمره عشرون عاما.
إن مبدعنا العظيم نجيب محفوظ يضع يده على ارتباط دراسة القانون بالوطنية فى ثلاثيته الرائعة عندما يختار فهمى بطل «بين القصرين» دراسة الحقوق للتعرف على حقوق مصر والمطالبة بها. وفى رواية «قصر الشوق» يحاول الأب دفع ابنه كمال عبد الجواد لدراسة الحقوق لأن هذا هو الدليل الأكبر على الوطنية.
فى مدرسة  الحقوق ليس لدينا تفاصيل واضحة حول نشاط فؤاد سراج الدين السياسى، لكن ما يلفت نظرنا أن عمله بالمحاماة ومع النائب العام لخمس سنوات بعد تخرجه أكسبته قدرة فائقة على تحليل المواقف والحوار بموضوعية، فضلا عن مهارات التفاوض والتداول والتشاور.
كل ذلك أهلّه أن يترشح لعضوية البرلمان وعمره لم يتجاوز الستة وعشرين عاما . لقد صاحب ذلك انضمامه إلى الهيئة الوفدية فى منتصف الثلاثينيات من القرن الفائت حيث كان الوفد هو مصر كلها على حد وصف نجيب محفوظ.
كانت اسطورة الوفد الذى دخل كل بيت وسكن كل شارع دافعا إلى نسج كثير من الحكايات الخرافية حول ذلك البناء العظيم الذى يساوى بين الوفد ومصر، حتى أنهم زعموا أن الوليد ينطق «وفد» عند ولادته وأن التمر مكتوب عليه «زغلول».
فى تلك السنوات تابع فؤاد سراج الدين، معارك النحاس باشا عن قرب، وتعلّم ثباته وصلابته وايمانه الراسخ بانه لا بديل سوى الديمقراطية، ولا حلم مقدم على الاستقلال، ولا عمل سياسى بدون شرف ونزاهة. شارك الشاب الطموح فى كافة المؤتمرات السياسية، وبرع فى الخطابة، وأظهر نشاطا

واضحا جعله مهيأ للصعود الصاروخى داخل حزب الشعب الجماهيرى.
لم يكن فؤاد سراج الدين مجرد نائب مجتهد، أو عضو نشط وإنما كان كتلة من المواهب دفعته دفعا نحو الصفوف الأولى فى حزب الوفد وأهلته أن توكل إليه وزارة الزراعة فى مارس 1942 ولم يكن عمره وقتها يتجاوز 32 سنة. ولم تمض شهور قليلة حتى اضيفت له وزارة الشئون الاجتماعية، ثم الداخلية . ولما عاد الوفد مرة أخرى للحكم بعد سبع سنوات عام 1949 اختير فؤاد سراج الدين وزيرا للمواصلات . ثم اختير فى حكومة الوفد الأخيرة عام 1950 وزيرا للداخلية بالاضافة إلى وزارة المالية.
فى تلك التجارب المباشرة أظهر «سراج الدين» براعة وقدرة عظيمة فى انجاز كثير من منجزات مصر التى نجنى ثمارها اليوم . فمثلا كان أول من اصدر قانونا للعمال، وقانونا للضمان الاجتماعى . كما اصدر قانونا لتنظيم هيئات  الشرطة، وامم البنك الاهلى المصرى الذى كان انجليزيا لصالح مصر وحوله إلى بنك مركزى مصرى خالص.
والأوضح من كل ذلك دوره الرائع فى معارك الفدائيين خلال عامى 1951 و1952 ضد قوات الانجليز فى قناة السويس. لقد كان وزيرا للداخلية فى ذلك الوقت ومسئولا عن الأمن وساعد على تهريب الاسلحة إلى الفدائيين فى قناة السويس، ولا شك أن ذلك كان سببا فى افراج حكومة يوليو عنه بعد سجنه عامين حرصا على دوره الوطنى فى دعم الفدائيين.
وفى 25 يناير عام 1952 تقدمت القوات الانجليزية نحو مدينة الاسماعيلية وطلبت من الشرطة  المصرية تسليم أسلحتها، واصدر فؤاد سراج الدين باعتباره وزيرا للداخلية قراره بعدم التسليم والدفاع عن أنفسهم وجرت معركة عظيمة استشهد فيها عدد من ضباط الشرطة وصار اليوم عيدا رسميا للشرطة.
وفى 1949 اختير «سراج الدين» سكرتيرا عاما لحزب الوفد ليدفع مع زملائه ضريبة الوطن والحرية حيث جرى اعتقاله عشرات المرات حتى رحيله  خوفا من تأثيره وشعبيته وذكائه، ففى 1952 تم تحديد اقامته واعتقاله مرتين، ثم اعتقل بعد حركة يوليو لبضعة أسابيع، ثم اعتقل مرة أخرى فى يناير 1953 لمدة ثمانية أشهر وقدم للمحاكمة عام 1954 وحوكم استثنائيا وصدر ضده حكم بالسجن 15 عاما، لكنه أفرج عنه بعد عامين.
وفى اكتوبر عام 1961 اعتقل لبضعة اشهر ثم اعتقل مرة أخرى عام 1965 لمدة اسبوع، وتكرر اعتقاله عام 1981 فى اعتقالات سبتمبر الشهيرة.
وقد تعرض الرجل للمصادرة والإقامة الجبرية بسبب مواقفه الداعمة للحرية، كما تعرض لمحاولات تشويه وتزوير
متعمد شاركت فيها مختلف أجهزة الدولة بعد يوليو. والغريب أن كل ذلك لم يثبط من عزيمته لاستكمال دوره وإعادة إحياء حزب الوفد مرة اخرى، واستغل إعلان الرئيس السابق السادات عودة الاحزاب فقدم أوراق حزب الوفد الجديد ومعه عدد كبير من العائلات الوفدية التى حرص طوال فترة الحظر السياسى على الاتصال بها. وعندما أعلن اعادة تأسيس حزب الوفد الجديد انضم أكثر من مليون عضو، وهو ما أثار غضب وغيظ السلطات الحاكمة فأطلقت حملات تشويه متعمدة ضد رجال الوفد وقياداته.
ولم يجد الرئيس السادات بدا من إصدار قانون العزل السياسى لحرمان قيادات الوفد من العمل السياسى وتحديدا فؤاد سراج الدين ورد الحزب بتجميد نشاطه  ووقف الرئيس السادات فى خطاب شهير له عام 1978 ليزوّر التاريخ ويدعى أن زعماء الوفد كانوا يضربون بـ«الصُرم» - بتعبير الرئيس الأسبق نفسه - فى زمن الانجليز.
ولم يصمت فؤاد سراج الدين، ولم يتخاذل، ولم يجبن وانما رد بقوة وحدة فى خطاب شهير مازال أرشيف  رئاسة الجمهورية يحتفظ به. قال «سراج الدين» فى خطابه: «لقد نسبتم الينا فى خطبكم وبياناتكم المتلاحقة صفات كثير مثل «السقالة، البذاءة» والرزالة ووصل الأمر الى أن ذكرتم فى خطابكم الأخير بجامعة الاسكندرية فى يوم 16 مايو بأن الانجليز كانوا يضربوننا بالصرم».
ويرد سراج الدين على رئيس الدولة بعنف:  «إننا يا سيادة الرئيس لم نكن من الرجال الذين يضربون بالصرم.. ومن يحاربون الانجليز فى معركة القناة فى عام 1951 ويطلقون الرصاص لا يمكن أن يضربوا بالصرم.. ومن يمنعون السفن الانجليزية بالقوة من اجتياز خليج العقبة حفاظا على سيادة مصر لا يصدق عنهم أنهم  يضربون  بالصرم ..ومن يلغون معاهدة 1936 متحدين الانجليز ولهم عشرات الألوف من الجنود فى قاعدة القناة لا يمكن أن يقال عنهم انهم كانوا يضربون بالصرم».
ويستكمل فؤاد سراج الدين: «إن هذه الألفاظ جديدة على قاموس السياسة المصرية، وأرجو أن تصدقنى اذا قلت لك انها تترك فى مشاعر الشعب المصرى أسوأ الأثر..إنك تدعو المواطنين لنبذ ألفاظ العيب والتمسك بأخلاق القرية، فهل من أخلاق القرية توثيق الخصم بأشد القيود وحرمانه من كافة وسائل الدفاع عن نفسه».
وفيما بعد دفع فؤاد باشا ثمن قول الحق وكتب الرئيس السادات على خطابه عبارة «يعاقب باعتقاله عند صدور الأمر» وبالفعل تم اعتقال زعيم الوفد فى اعتقالات سبتمبر عام 1981  رغم أن عمره وقتها تجاوز السبعين عاما، ويلتقى «سراج الدين» فى السجن بتيارات سياسية متنوعة، ويكتب المؤرخ  صلاح عيسى عن لقاءات الباشا ومحاوراته لقادة الاسلام السياسى وغيرهم من التيارات السياسية.
إن صلاح عيسى كان مستاء من وصف «الباشا» المقترن دائما بفؤاد سراج الدين، وعندما رآه وتحادث معه، وتعلّم منه فى السجن لم يجد أصدق من هذا الوصف تعبيرا عن الرجل ذى العقلية الوطنية  الواعية القادرة على التنبؤ وقراءة الاحداث قراءة جيدة.
ويقرر الوفديون بعد ذلك عودة حزب الوفد عن طريق القضاء ويحصل الوفد على حكم بالفعل عام 1984 للعودة للعمل السياسى مرة أخرى ليكرر «سراج الدين » النضال  من أجل الديمقراطية والحرية . ويخوض الوفد انتخابات البرلمان عام 1984 ليحقق نتائج جيدة رغم التزوير ويكرر التجربة عام 1987 ثم يقرر الوفد مقاطعة الانتخابات البرلمانية لعدم وجود ضمانات، ويظل نضال « سراج الدين» عنوانا لمرحلة عظيمة فى تاريخ مصر، لذا لم يكن غريبا أن تخرج جموع المصريين مودعة له فى جنازة شعبية عظيمة فى اغسطس عام 2000 ليبقى حكم التاريخ أعظم وأفضل وأصدق له ولمن وفىَّ وأعطى ومنح هذا الوطن دون حدود.