توريث الوظائف كارثة.. ومخالف للدستور والقانون

اقتصاد

الاثنين, 21 أبريل 2014 06:48
توريث الوظائف كارثة.. ومخالف للدستور والقانون
تحقيق – مـحمد عـادل:

كارثة تحدث في البنوك المملوكة للدولة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي خضوع مجالس إدارات البنوك لابتزاز العاملين وتخصيص نسب

لأبنائهم في الوظائف الجديدة، بالمخالفة للدستور والقانون، وذهب الأمر إلي فساد أكبر في تعيين خريجين ليس لهم علاقة بالعمل المصرفي في أماكن حساسة، مثل خريجي الآداب والتربية وخدمة اجتماعية وسياحة وغيرها لإدارة المخاطر والعمليات المصرفية، والمالية بالبنوك.
يأتي ذلك في الوقت الذي يمثل عدد طلاب كليات التجارة نحو ثلث المقيدين بالجامعات خلال العام المالي 2011/2012.
ينص الدستور المصري في مادته التاسعة أن تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرصة بين جميع المواطنين، دون تمييز، وتنص المادة الرابعة عشرة علي أن الوظائف العامة حق للمواطنين علي أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة. ويصل عدد العاملين بالجهاز المصرفي نحو 106 آلاف و236 موظفاً في يونيو 2013.
وتحتل كليات التجارة نسبة 30% من إجمالي المقيدين بالكليات النظرية، حيث يصل عددهم 380 ألفاً و423 طالباً وطالبة من إجمالي مليون و265 ألفاً المقيدين بالكليات النظرية خلال العام المالي 2011/2012 وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
البنوك خضعت لابتزاز العاملين عقب قيام الثورة وكان من ضمن مطالبهم غير العادلة تخصيص نسب محددة من الوظائف بالبنوك لأبنائهم بما يخالف الدستور والقانون، ومازالت البنوك تخضع لهذا الابتزاز الفاسد، والذي يؤدي بالنهاية إلي صمت العاملين أنفسهم علي المخالفات التي تحدث نظراً لتعيين أبنائهم، أو تكوين عائلات داخل المؤسسات المالية بما يؤدي في النهاية إلى فسادها وتدميرها.
قال طارق حلمي، العضو المنتدب لبنك المصرف المتحد سابقاً، إن الموظف يمكن أن يدخل البنك عن طريق الواسطة، ولكنها لن تؤدي إلي نجاح الموظف، ولابد أن يتم إبعاد جميع الطرق غير المشروعة عن التعيينات في البنوك، والمؤسسات المالية وأن يتم ذلك عن طريق المسابقات الواضحة، ويخضع الجميع لشروط المسابقة ومن يحقق نجاحاً أهلا به، أما تخصيص نسب لأبناء العاملين فهذا مخالف للقواعد المصرفية المعروفة والبنك المركزي يمنع تعيين الأقارب في البنوك، وفي القطاع المصرفي يتم منع تعيين الأقارب حتى الدرجة الرابعة، وذلك لمنع التجاوزات التي قد تحدث في البنوك، وحتى لا يحدث بينهم تواطؤ ويؤدي ذلك إلي الفساد.
وأشار إلي أن تعيين أقارب العاملين في البنوك العامة حدث في العهد الماضي ولكن حاليا لا يحدث أي تعيينات لأبناء الأقارب وهناك تعليمات مشددة بذلك وذلك للحفاظ علي سلامة الجهاز المصري فمن أهم أهداف البنك المركزي هي المحافظة علي سلامة الجهاز المصرفي من العوامل الداخلية والخارجية ومن ضمن الخارجية هي توريث الوظائف بدون وجه حق.

منع تعيين الأقارب
قالت بسنت فهمي الخبيرة المصرفية «لا يصح تعيين الأقارب حتى الدرجة الرابعة في نفس البنك، وهذا قاعدة في البنوك العالمية حتى إذا حدث تزاوج بعد التعيين يتم إبعادهم عن بعض في أماكن مختلفة، أما في البنوك العامة فكل شىء مباح، وما يحدث مهزلة يجب علاجها».
وأضافت: تحولت بعض البنوك إلي نظام «شلة» بما يؤدي إلي انحرافات مالية واخلاقية. وقواعد الحوكمة واضحة وتمنع تضارب المصالح، بما فيها قيام تعيين الموظفين بالواسطة، أو بتخصيص حصة لأبناء العاملين من أجل إرضائهم وعدم القيام بثورات ضد الإدارة. ونحتاج إلي اخلاقيات للقضاء علي هذه الظاهرة، فما لا تستطيع أن تفعله بصوت عال، لا يجب أن تفعله، ويجب أن يكون هناك دور للرقيب لمنع هذه التجاوزات. ومصر لا تحتاج إلي قوانين جديدة أو لوائح فكل هذا موجود ومنصوص عليه في الدستور والقانون ولكن يتم الالتفاف حوله، وتجاوزه، فنحن في حاجة إلي اخلاقيات تمنع هذه التصرفات.
وأضاف الدكتور عزت عبدالله أستاذ الاقتصاد بأكاديمية طيبة، أن حصول العاملين علي نسبة من الوظائف في المؤسسات المالية خطر كبير علي هذه المؤسسات، خاصة أنه يثقل المؤسسات بالأعباء الادارية والمالية، وهذا ما حدث في بعض البنوك، حيث يغيب عن بعض العاملين هل البنك في حاجة إلي تعيين موظفين جدد، وهل هناك توسعات جديدة، بالإضافة إلي أن البنوك تطبق الحوكمة التي تتطلب فصل الملكية عن الإدارة، وفي البنوك الاجنبية تمنع تعيين الأقارب حتي الدرجة الرابعة حتي لا يحدث تضارب مصالح، ولكن في هذا البنوك تكون هناك استراتيجية واضحة أمام

التعيينات الجديدة فيها هذه التعليمات يوقع عليها الموظف حتى لا يطالب بتعيين أبنائه فيما بعد.
وأضاف أنه لا يمنع أن يعمل أبناء العاملين في البنوك ولكن لا يجب أن يتم ذلك في نفس البنك الذين يعملون فيه، وإنما يمكن في أي بنك آخر، وذلك وفقا للشروط والتعليمات التي وضعتها هذه البنوك ويتقدم مثل غيره لشغل هذه الوظائف.

مثال صارخ
تتفشي الظاهرة في بنوك عديدة منها بنك التنمية والائتمان الزراعي ويقول يسري علام، المتحدث الرسمي لنقابة العاملين المستقلين بالبنك: إن البنك كان مرتعاً للفساد في التعيينات، وتوريث الوظائف، إذا كانت هناك رقابة حقيقية علي البنك ستجد أن هناك كوارث حدثت قبل عام 2008 منها تعيين آداب فرنساوي وتاريخ ولغة عربية وخدمة اجتماعية في وظائف تتعلق بالمحاسبة وهناك آلاف الخريجين من كليات تجارة لا يجدون عملاً، والكارثة أن هؤلاء الموظفين لا يعرفون حتى الآن قراءة ميزانية بنك، ورغم مرور أكثر من سبع سنوات عليهم لا يعرفون التعامل مع الحسابات والقواعد المصرفية، وهؤلاء من الممكن أن تجدهم قيادات فيما بعد مسئولين علي فروع أو قطاعات وهو لا يلمون بطبيعة العمل المصرفي.
وأضاف أنه عندما تم إغلاق باب التوظيف في البنك بعد إطلاقه خطة إصلاح البنك 2009 ، قامت الإدارة العليا بإيجاد طريق آخر لتعيين أبنائهم وأبناء أصحاب النفوذ، فتم تأسيس شركة التنمية وليس لها مقر، ويتم تعيين أبناء القيادات فيها، ومن تمت إحالته إلي المعاش ومرضي عنه يتم تعيينه في هذه الشركة التي ليس لها مقر أصلًا في بعض المحافظات ولا نعلم مقراً لها ولكن نجد أن هناك تعيينات تتم في هذه الشركة. وهو ما يؤدي إلي القضاء علي الكفاءات وإلي كوارث في المستقبل فماذا يفعل خريج آداب أو تربية أو خدمة اجتماعية في البنوك، وحتي لو حصل علي تدريب، وبالتالي يؤدي إلي ضعف الإنتاجية، وخسائر بالبنك، ويقضي علي مبدأ المساواة في تقلد الوظائف العامة.

التوريث مخالف دولياً
تري الدكتورة سلوي حزين مدير مركز واشنطن للدراسات المصرفية أن توريث الوظائف ليس مخالفاً للدستور المصري فقط، بل إن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نص في المادة 25 علي المساواة في فرصة تقلد الوظائف العامة في بلادهم، والاتحاد الأوروبي يجبر علي إتاحة الفرص للجميع دون تمييز، ولكن الوضع المصري له طبيعة خاصة، فنجد بعض الوظائف يتم توريثها لسابع جد، يتم ذلك عن طريق التحايل والتلاعب، وليس من خلال مبدأ المساواة للجميع في هذه الوظائف، فيتم تعيين أولاده دون أن تتاح الفرصة لغيره. وفي منظمات الأمم المتحدة لا يسمح بتعيين موظف له قريب داخل هذه المنظمات، ويقوم بالتوقيع علي ذلك، وعملية التوريث قد تؤدي إلي فساد داخل المؤسسة عن طريق ترابط الأقارب وحماية مصالحهم.
وأضافت أن الثورة المصرية عندما قامت كان من أهم نتائجها القضاء علي عملية توريث الحكم، ولا يجب أن يطالب العاملون بالحصول علي مميزات أو نسب محددة من الوظائف لأولادهم بدعوي أنهم تعبوا أو أقاموا المؤسسة علي أكتافهم، فهذا خطأ كبير ويجب أن تتاح الفرص للجميع حتى يتم القضاء علي الفقر، وعدم قصر بعض المهن علي أبناء أسرة واحدة. ولابد أن يكون هناك جهاز رقابي قوي يتابع عملية التوظيف التي تحدث في كل مؤسسات الدولة العامة، ويكون تابعاً لوزارة العدل، ويعمل علي منع التجاوزات التي تحدث في التعيينات ومنع توريث الوظائف بطرق غير مشروعة، فقد تحولت الكثير من الجهات إلي قطاع عائلي، وكل ما بني علي باطل فهو باطل. كما يجب مراقبة الإعلان عن الوظائف في مؤسسات الدولة، فهناك وظائف تكاد تكون

شروطها قاصرة علي شخص معين بما يعد تحايلا علي الدستور والقانون اللذين يؤكدان علي المساواة في شغل الوظائف العامة. وتعيين فكرة الثواب والعقاب فمن يثبت أنه قام بتعيين ابنه بالطرق الملتوية يتم فصل ابنه، وتحويله هو للنيابة العامة، وفصله من عمله حتى يكون عبرة لغيره.
وقالت «حزين»: عملية تعيين أبناء الموظفين بالواسطة أو التوريث تؤدي إلي كوارث في المؤسسات المالية لهذا تقوم البنوك الأجنبية بمنع ذلك من البداية، حتى لا يحدث الفساد الذي يهدد المؤسسة، ويمكن لأبناء العاملين الدخول في المسابقات التي تتم في بنوك أخري.

المحاكمة والعقاب
يضيف عاصم عبدالمعطي وكيل الجهاز المركزي للمحاسبات سابقاً: أن أسلوب توريث العمل داخل المنشأة الحكومية يترتب عليه ضياع فرص عمل للخريجين، والترقي وقد يلجأ العاملون في البنوك للوسائل الاحتيالية لتعيين أبنائهم منها خلق مسابقات وهمية للتعيين ومخالفة لقوانين العمل واللوائح الداخلية، داخل قطاع البنوك، وقد يلجأ إلي تزوير المستندات لتعيين ذويهم واختلاق وظائف ودرجات وظيفية دون الحاجة إليها، وتكدس بعض البنوك التجارية وخاصة بالعمالة الزائدة دون الحاجة إليها وارتفاع تكلفة العمل وبالتالي انخفاض ربحية البنوك أو زيادة خسائره المحققة، بالإضافة إلي فقدان الثقة في مناخ العمل، خاصة أن هناك من يحصل علي وظائف دون أن يستحق، وبالتالي يؤدي إلي إهمال هذه العامل لعمله وضعف أدائه، وولائه للوظيفة.
الإخلال بمبدأ المساواة بين الوظيفة الواحدة داخل تلك البنوك وتفشي الوساطة والمحسوبية مما يترتب عليه خضوع العامل لأهواء ذويه أو خضوع العاملين القدماء لضعف أولادهم بهذه الوظائف، مما يؤدي به إلي الصمت والسكوت عن المخالفات بسبب تعيين ابنه الذي لا يستحق للوظيفة.
وأضاف أنه يترتب علي ضعف الرقابة بهذه البنوك تفشي الفساد الإداري داخلها، نتيجة لتخصيص وظائف لأبناء العاملين، أو التعيين عن طريق الوساطة والمحسوبية. وهو ما يتطلب اتخاذ إجراءات صارمة تجاه قفز أبناء العاملين في التعيينات، وخاصة تجاه البنوك التي تخصص نسباً ثابتة لأبناء العاملين، وإحالة كل من يثبت عليه الاخلال بعمله الوظيفي في تعيين أبنائه إلي التحقيق أو النيابة الادارية لمن يثبت تعيين ابنه أو أقاربه عن طريق الوساطة أو المحسوبية، وقد يصل الامر إلي إحالة هذا المسئول إلي النيابة العامة إذا ثبت استخدام وسائل احتيالية أو التزوير في أوراق رسمية في هذا الشأن، إلي جانب أن الرقابة الادارية مطالبة بالقيام بدورها في مراجعة جميع التعيينات التي تمت خلال السنوات الماضية، والتعرف علي المخالفات التي حدثت في التعيينات واستغلال موظفي البنوك لعلاقاتهم لتعيين أبنائهم وتحويلهم للنيابة العامة للتحقيق معهم.
وألمح وكيل الجهاز المركزي للمحاسبات سابقا إلي ضرورة إحكام الرقابة الداخلية بالبنوك علي شئون الأفراد لمنع التلاعب، ووضع جداول نصف سنوية عن الحالة الاجتماعية لكل موظف لبيان درجات القرابة للموظف بمن تم تعيينهم بالبنك، وإذا تم دخولهم بطرق مشروعة عن طريق التقدم للمسابقات بالبنك، يتم العمل علي إبعادهم عن الأماكن التي يعمل فيها أقاربهم، حتى لا تتم المجاملة والوساطة في عملهم. وإحكام الرقابة الخارجية من جهات الرقابة المنوط بها ومراجعة أعمال الشئون الادارية والأفراد لضمان عدم استخدام الوظائف العليا في التعيين المجامل بشأنها والحد من الوساطة والمحسوبية في التعيينات. وعلي الأجهزة الرقابية تنفيذ أحكام القانون المتعلقة بالعمل وكشف حالات المحسوبية والوساطة في التعيينات وتحديد مجمل الخسائر الناتجة عن العمالة الزائدة وإحالة المسئولين في هذا الشأن إلي النيابة العامة.

تعيين الأبناء باطل
قال المستشار عزمي البكري، رئيس محكمة بني سويف السابق، «ليس هناك أي نص قانوني يجيز تعيين أبناء العاملين في نفس الجهة التي يعملون بها، لأن هذا يقضي علي مبدأ المساواة في الحقوق، وتكافؤ الفرص في تولي الوظائف العامة، والتقدم للوظائف العامة يكون عن طريق الإعلان عن هذه الوظائف ووضع الشروط المناسبة لها، وعلي الجميع التقدم لهذه الوظيفة دون أن يكون هناك تمييز لشخص أو فئة، أو لأبناء العاملين في هذه الجهة. ويكون الاختيار علي أساس محدد سواء تحريري أو شفهي، ولا يجب أن تكون هناك أي ميزة لأي موظف تخوله لتعيين أقاربه أو أبنائه، وإذا حدث وقامت جهة بتخصيص نسبة لأبناء العاملين فهذا خطأ قانوني، ويجب ان تقوم الجهة بتصحيحه، ولا يجب أن تخضع لأي ضغوط لأن ذلك مخالف للقاعدة الدستورية التي تنص علي أن كل المصريين متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يوجد في القانون ما يعرف بتخصيص نسبة لأبناء العاملين كما أن هذا يخل بمبدأ المساواة ويؤدي إلي تعيين الأقل كفاءة، كما يعطي حالة من الاسترخاء في العمل، وقد يؤدي إلي الفساد نتيجة لتعيين الأقارب.
وأضاف أن أي مصري يستطيع التقدم برفع قضية إذا قامت جهة أو مؤسسة بتخصيص نسب محددة للعاملين أو بتعيين أفراد بالواسطة ودون اتباع شروط الوظيفة المعلنة، وسوف يحصل علي حكم بإلغاء من تم تعيينهم لأنه أخل بمبدأ المساواة في القانون.
ويؤكد المستشار عادل أندراوس، رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق، علي مبدأ المساواة في الوظائف العامة، وأنه لا يجب حجز او تخصيص وظائف لأبناء العاملين، بل يمكن التقدم من خلال مسابقات واضحة الشروط والمفتوحة أمام الجميع. والجميع يمكن الترشح للوظائف، ولا يجب حصول أبناء العاملين أو غيرهم علي الوظائف بطريق الوساطة أو المحسوبية التي تفشت في المجتمع.

أهم الاخبار