إرادة الحياة

بقلم: إبراهيم عبدالمجيد

أجل هو أبوالقاسم الشابي شاعر تونس الأشهر رغم مضي السنين، الذي ويا للعجب ينتمي الي المدرسة الرومانسية، وحياته أيضا أليمة. فلقد ولد عام 1909 في قرية الشابة من ضواحي بلدة توزر في تونس وكان أبوه شيخا صالحا يعمل بسلك القضاء ويتنقل بين البلاد التونسية ويصحب العائلة معه فرأي الشاب الطبيعة التونسية الخلابة في أجلي صورها في بلاد مثل سليانة وقفصة وقابس وتالة ورأس الجبل. وكلها ترددت اسماؤها في الانتفاضة العظيمة للشعب التونسي  التي سميت بثورة الياسمين ضد الحاكم الأوحد الديكتاتور زين العابدين بن علي.

ولد أبوالقاسم الشابي مريضا بداء القلب ولم يظهر المرض عليه إلا في الصبا والشباب فحرمه المرض من متع الحياة وتألم لذلك أشد الألم. يري الصبية والشباب يلهون ويسبحون ويتسلقون الجبال وهو من ذلك كله محروم. وماتت حبيبته صغيرة فانفطر قلبه أكثر مما فيه من مرض. لكن ذلك كله لم يجعله كارها للحياة بل احتفي بها أشد احتفاء وواصل دراسته فتخرج في مدرسة الحقوق بتونس عام 1930 وكانت موهبته الأدبية قد ظهرت وعلت وارتفع نجمه بين الشعراء والكتاب، وحين مات عام 1934 أي في الخامسة والعشرين

من عمره كان قد ترك خلفه أكثر من ديوان ورواية ومسرحية. كان غزير الانتاج عميق التأمل في النفس البشرية والكون والوجود، وذاعت في العالم العربي كله قصيدته إرادة الحياة التي حفظ كل تلاميذ المدارس علي مر العهود بيتيها الأوليين الشهيرين: »إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر«..  وجعلوهما عنوانا علي التفاؤل وعنوانا علي الثورات الحقيقية لكل الشعوب العربية في نضالها ضد الاستعمار. لكن أبا القاسم الشابي الذي عاش ومات في الحقبة الاستعمارية الفرنسية كان يبدع شعرا ليكون عنوانا علي الحقيقة الأبدية وحكما خالدة لا يفوتها الزمن.

شعرا هو من نبع الحب العميق للكون والحياة.. يقول في القصيدة نفسها:

وَمَنْ لَمْ يعَانقهُ شوْقُ الْحَيـاة

تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَاندَثَر

فَوَيلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَياةُ

مِنْ صَفعَـةِ العَـدَم المُنتَصِر

كَذلِكَ قَالـتْ لِـي الكَائِنَاتُ

وَحَدثَنـي رُوحُـهَا المُستَتر

هي  حكمة الوجود لشاعر عميق التأمل في الكون والحياة كما كان الرومانتيكيون العظام. الأمر إذا يتجاوز السياسة با لمعني السهل الي الحياة

بالمعني الشامل. ويستمر في القصيدة الرائعة:

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـي غاية

رَكِبْتُ الْمُنَي وَنَسِيتُ الحَذر

وَلَمْ أَتَجنَبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ

وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـب المُستَعِر

وَمَنْ لا يحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ

يعِشْ أَبَد الدَّهْر بَينَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلبِي دِمَاءُ الشبَـابِ

وَضَجَّتْ بِصَدْري رياحٌ أُخَر

وهكذا يمضي بك لتجد نفسك تبتعد عما تتصوره مقاومة الي معني الحياة الأعمق والأشمل رغم ما تراه من معان قد ترتبط  بما حولك من أوضاع ذائلة. ولماذا نقول ذلك؟.. ليس ذلك عيبا مادام هم غير فج ولا تستطيع إلا أن تفتح له قلبك وروحك متأملا مدركا عمق صدقه وفهمه وإحساسه بالحياة والكون.. تستمر القصيدة فيسأل الأرض التي تأتيه بالحقيقة خالصة.. وَقَالَتْ لِي الأَرْضُ - لَمَّا سَألتُ:

»أَيـاأُمُّ هَلْ تَكرَهينَ البَشر؟

أُبَاركُ في الناسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ

وَمَنْ يستَلذ رُكوبَ الخَطَـر

وأَلعَنُ مَنْ لا يمَاشِي الزَّمَـانَ

وَيقْنَعُ بِالعَيـش عَيشِ الحَجَر

هُوَ الكَوْنُ حَي، يحِـبُّ الحَياةَ

وَيحْتَقرُ الْمَيتَ مَهْمَا كَـبُر

فَلا الأفْقُ يحْضُنُ مَيتَ الطُّيور

وَلا النحْلُ يلْثمُ مَيتَ الزَّهَــر

وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلبِي الرَّؤُوم

لَمَا ضَمَّتِ المَيتَ تلك الحُفَـر

فَوَيلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـه الحَيـاة

مِنْ لَعْنَةِ العَـدَم المُنتَصِـر!«

إذن هو حب الحياة الذي جعل أبو القاسم الشابي العليل البدن يبدع هذه القصيدة الخالدة.. وهل يمكن حب الحياة بدون وطن.. لقد لخصت الشعوب في نضالها ضد الاستعمار حب الحياة في حب الوطن، وكذلك فعل التونسيون أحفاد أبي القاسم الآن.. لقد حفظنا ونحن تلاميذ صغار هذه القصيدة باعتبارها أنشودة الشعوب ونارها في نضالها ضد الاستعمار وجاء أوان رفعها في مكانها ضد النظم الظالمة.. التي حلّت محل الاستعمار.. ولقد بدأ التونسيون ذلك.

[email protected]