حبيبة الحبيب .. ثلاث محطات رئيسية في حياة عائشة

أعلام وسير

الأربعاء, 09 مارس 2011 11:21
كتب – هيثم هلال:

إن المتأمل في سيرة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما لن يصعب عليه أن يتلمس عظم المنزلة التي تمتعت بها منذ طفولتها ونشأتها في كنف بيت الصديق وحياتها العامرة بالإيمان والدعوة في مدرسة الحبيب المصطفي صلوات ربي وسلامه عليه حتي وفاتها في شهر الرحمات بعد مرحلة حرجة عاني خلالها المجتمع الاسلامي من التوتر والفتن.

وتناول حياة الصديقة بنت الصديق يمر بنا عبر محطات رئيسية في التاريخ الإسلامي تمثل كل منها مرحلة مفصلية في مسيرة الأمة المحمدية بدأت من الهجرة الي حيث إقامة دولة الإسلام وانتهت بعد أن ضربت الفتنة مشهد الخلافة وقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين وعدد من كبار الصحابة.

وتعد مسيرة أم المؤمنين من المدينة الي الكوفة حيث عاصمة الخلافة الجديدة في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للمطالبة بحق مشروع بالقصاص من قتلة الخليفة الثالث عثمان بن عفان المحطة الأبرز والأكثر جدلا في التاريخ الإسلامي حيث كانت بداية شق صف الأمة والتي لازالت تعاني من تبعاته حتي الآن.

مولدها وزواجها من سيد الخلق

ولدت أعلم النساء المسلمات في السنة الرابعة لبعثة المصطفي صلي الله عليه وسلم في بيت أشرق بأنوار الإسلام مبكرا، فلم تعقل أبويها أبوبكر الصديق -أول من أسلم من الرجال- وأم رومان بنت عامر الكنانية التي قال فيها الرسول الكريم من أحب أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان"، ألا وهما يدينان بدين الحق.

ولم تكد الحميراء تكمل السبعة أعوام حتي كانت علي موعد مع المحطة الأولي في حياتها ، حيث زفت خولة بنت حكيم بن الأوقص البشري لأهل بيت الصديق برغبة الرسول صلي الله عليه وسلم في الزواج من إبنته عائشة.

وكانت خولة هي أول من كسر حاجز الصمت لدي المصطفي بعد كانت الأيام تمر عليه ثقيلة حزينة منذ وفاة زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها حتي بدا عليه الحزن جليا وخشي عليه أصحابه، إلا أن أحدا لم يكن يستطيع أن يتكلم مع الحبيب في أمر الزواج لعلمهم بمكانة وقدر السيدة خديجة في قلب المصطفي وأي امرأة بعدها لا يمكن أن تملأ هذا الفراغ الواضح الذي خلفته.

ولم يدم الصمت كثيرا حتي جاءت زوجة عثمان بنت مظعون لتعرض علي المصطفي الزواج، فقال لها الرسول الكريم : من؟ ولما لاقت الفكرة قبولا لدي الحبيب ، بادرت خولة : إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، قال : فمن البكر ؟ ، قالت بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر، قال : ومن الثيب ؟ قالت : سودة بنت زمعة أمنت بك واتبعتك، قال : فإذهبي فاذكريهما عليّ.

فذهبت من فورها الي بيت الصديق لتجد أم رومان في استقبالها، فبشرتها : ما أدخل عليكم الله من الخير والبركة، فقالت أم رومان : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة .. فلما جاء أبو بكر قال لها : هل تصلح له وهي بنت أخيه؟ ، فعادت خولة الي الرسول الكريم بما قال الصديق، فقال : قولي له أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي .. وكان أبو بكر قد وعد مطعم بن عدي أن يزوجها ابنه جبير، فقال أبو بكر دعيني حتي أسألها منهما فاستلبثها.

ومن المعروف لدي عامة المسلمين أن النبي صلي الله عليه وسلم خطب الصديقة وهي بنت سبع سنوات وتزوجها وهي بنت تسع سنوات ، إلا أن هناك خلافا بين العلماء حول عمرها استنادا الي أن تلك الرواية جاءت على لسان أم المؤمنين فقط ولم ترد على لسان الرسول، فكانت ساحة للجدال بين الكثير من العلماء فرأي البعض أن تواريخ الميلاد لم تكن توثق آنذاك إلا أن عمرها كان أربعة عشر سنة إذا ما قيس بعمر أختها الكبري أسماء وقد عاشت مع الرسول ثمانية أعوام وخمسة أشهر.

وقيل إنها كانت تبلغ مبلغ النساء عندما تزوجها النبي حيث أن أسماء أختها الكبرى وُلدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، مما يعني أن عائشة كانت تبلغ سبعة عشر عاما تقريبا حين الهجرة أي حين تزوجها محمد، لأن أسماء تكبر عائشة بعشر سنوات، وقيل إن عائشة توفيت سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين، بما يعني أنها تزوجت الرسول في الثالثة عشر من عمرها.

وتزوجها الرسول بعد الهجرة في العام الثاني لها فكانت أحب الناس الي قلب المصطفي ولما لا وقد تفتحت زهرتها في بيت النبوة وتربت بين يدي سيد ولد

أدم، وكان أبوها أحب الرجال الي الحبيب، وكانت البكر الوحيدة بين زوجاته، فاستحوذت علي مكانة خاصة في قلب محمد صلي الله عليه وسلم، يقول أنس "أول حب كان في الإسلام حب النبي لعائشة"، وسألت عائشة النبي الكريم ذات يوم فقالت يا رسول الله كيف حبك لي ؟ فقال : كعقدة الحبل، فكانت دائما ما تسأله كيف العقدة يا رسول الله ، فيقول : علي حالها" .. حتي أن المصطفي لما يخف ذلك عن أصحابها فأعلنها صراحة حين سأله عمرو بن العاص عقب غزوة ذات السلاسل أي الناس أحب إليك، فقال : عائشة.

مأساة الإفك وبراءة الوحي

لا شك أن هذا الحب الجم كان مدعاة لغيرة نساء النبي، فلجأن الي قرة عين المصطفي السيدة فاطمة فاستأذنت علي النبي وهو عند عائشة في مرضها، فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني اليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقال : أي بنية ألست تحبين ما أحب، قالت : بلي، قال : فأحبي هذه. فخرجت إلى أزواجه فحدثتهن بما قال، فقلن : ما أغنيت عنا شيئا فأرجعي الي رسول الله، فقالت فاطمة : والله لا أكلمه فيها أبدا.

كل هذا الحب الذي خصها به المصطفي جعلها شديدة الغيرة علي رسول الله، حتي أنها كانت دائما ما تسأله عن زوجاته في الجنة لحرصها علي أن تكون ملازمة له في الدنيا والآخرة، وما تنتهي حتي يطمئنها سيد الخلق بأنها منهن.

وبقدر تلك الحالة الخاصة بين رسول الله وحبيبته، جاءت المحطة الثانية في حياة الحميراء مأساوية الي حد كبير حيث حادثة الإفك والتي ارتج لها بيت النبوة والمدينة المنورة كلها، وهي الحادثة التي ضرب الله عز وجل بها لأمة سيد الخلق في عظم الكلمة تخرج من فم صاحبها بدون يقين وبغير حق فيترتب عليها من الاثر العظيم والخراب مالا يحمد عقباه.

وبالفعل كان لتلك الشائعة الخبيثة بالغ الأثر في مدينة رسول الله وكيف لا وهي تمس أحب الناس الي قلبه .. ويعود المشهد الي غزوة بني المصطلق حيث كان رسول الحق إذا أراد سفرا أقرع بين زوجاته فأيتهن خرج سهمها، خرجت معه فلما كانت تلك الغزوة أقرع بين نسائه، فخرج سهم أم المؤمنين عائشة.

ولما فرغ المصطفي من غزوته وأثناء العودة اتخذت القافلة منزلا للمبيت قبل أن تواصل سيرها، و تخلفت السيدة لبعض حاجتها وعند عودتها الي حيث الركب تحققت من عقد في رقبتها فلم تجده فعادت تبحث عنه حتي عثرت عليه.

ولما عادت الي القافلة كان القوم قد أخذوا طريقهم الي المدينة حاملين هودج أم المؤمنين دون أن يشعروا بتخلفها، تقول السيدة عائشة : "فتلففت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو افتقدت لرجع إلي" و ظلت هكذا حتى وجدها صفوان بن المعطل وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فعرفها واناخ راحلته وأوصلها الي بيتها.

فتحدث أهل الإفك في حقها واتهموها رضى الله عنها بالزنا، وكانت حين عودتها قد بلغ منها الإعياء مبلغا شديدا ولم تعلم بما قال القوم، ولما وصل الأمر الي مسامع رسول الله تأذى وأحست أم المؤمنين ببعض التغيير من النبي معها، وأخذ النبي يستشير أصحابه فيما سمع فيحسنوا القول فيها.

فذهب صلي الله عليه وسلم إلى السيدة عائشة فى بيت أبيها، و قال لها : يا عائشة : إن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فنظرت السيدة عائشة لأبويها قالت لهما : ألا تجيبان ؟ فقال لها أبو بكر : والله ما ندرى ما نقول , فقالت لهم السيدة عائشة : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت ابداً , والله يعلم أنى بريئة , ووالله ما أقول اكثر مما قال أبو يوسف" فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ".

وهنا نزل الوحى على النبي ببراءة السيدة عائشة من تلك

الشائعة الخبيثة وأنزل الله تعالي فى حقها قرآناً يتلي الي يوم القيامة "إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، وكانت البشري للرسول الكريم ، وقام من فوره ليزيح الغيم عن المدينة وقرر إقامة الحد علي من تناول الأمر بدون بينة.

موقعة الجمل وشق الصف

حظيت الحميراء بالشرف العظيم في حياة المصطفي وحتي عند وفاته صلوات ربي وسلامه عليه حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم لما ثقل به المرض، أزواجه في أن يمرَّض في بيتها، و الحبيب توفي في بيتها وفي يومها وقبضت روحه وهو بين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها عند موته حين لينت له السواك ليستاك به.

وبعد وفاة المصطفي تفرغت الحبيبة الي تعليم المسلمين أمور دينهم فكانت زاوية المسجد النبوي التي كانت قريبة من الحجرة النبوية وملاصقة لمسكن زوج النبي أعظم مدرسة يلجأ اليها الناس للمضي علي خطي الحبيب ، وقضت رضي الله عنها بقية عمرها بعد وفاة النبي وفي عهد الخلفاء الراشدين مرجعا أساسيا للإفتاء، حتي كسر باب الفتن في وجه أمة الإسلام لتحط أم المؤمنين رحالها في المحطة الثالثة في حياتها.

ولم تكن المحطة الثالثة في سيرة الحميراء أخف وطأة من سابقتها والتي تركت أثرا أليما في نفس الصديقة وتمنت لو أنها ماتت قبل تلك الحادثة "موقعة الجمل" بعشرين سنة، خاصة وأنها شكلت منحني حادا في حياة الأمة لا تزال تعاني منه الي الآن لعظم البلاء وألم المشهد وسوء العاقبة.

يعود المشهد إلى اليوم العاشر من جمادى الأول سنة 36هجري بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ومبايعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه خليفة للمسلمين، وبعد أن أقرت أم المؤمنين وكبار الصحابة بمبايعة الإمام خرجت الحميراء في عدد من المسلمين علي رأسهم الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله قاصدة الكوفة حيث أمير المؤمنين في دار الخلافة الجديدة للمطالبة بقتلة ذي النورين فخرج بن أبي طالب وقابلهم في البصرة في بِضع فرسان ودعاهم الي التريّث حتى تهدأ الأمور ومن ثم القصاص لدم عثمان وبات المسلمون ليلة من أهنأ الليالي.

فانسل المنافقون بين الفريقين من أجل بث نار الفتنة وتأجيج القتال فقتلوا نفرا من معسكر علي ونفرا من معسكر الزبير حتي يغلب الظن بأن كل فريق غدر بالآخر فدارت رحي القتال بين المسلمين وسقط من أبناء أمة محمد العديد في مجزرة لم يسبق لها مثيل في حاضرة دولة الإسلام.

حاولت السيدة عائشة نجدة المسلمين ودخلت في هودجها علي الجمل ساحة القتال منادية في القوم : الله الله يا بَنِي، اذكروا يوم الحساب، وأعطت مصحفها لكعب بن ثور لعل الله أن يزيل به ما بين الناس، واشتد القتال حول الجمل بينما هي تأمر الناس بالكف عن القتال، فأشار القعقاع بن عمرو التميمي رضي الله عنه بقتل الجمل مع حماية هودج السيدة عائشة حتى يهدأ القتال وتزول الفتنة.

وبعد معركة حامية الوطيس نجح فريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عقر الجمل، وأمر أمير المؤمنين رضي الله عنه أن تنصب على الهودج قبة حتى يُحفظ سترها رضي الله عنها، ثم جاء بن أبي طالب ليطمئن عليها وأمر رضي الله عنه أن تنزل أم المؤمنين في أفخر بيوت البصرة، وكان بيت رجل يُسمّى عبد الله بن خلف الخزاعي، تحت الحماية والحراسة معززة مكرمة، وجهزها للذهاب إلى مكة بأفضل ما يكون التجهيز، واختار لها أربعين امرأة من أشرف نساء البصرة ليرافقنها إلى مكة، ومعها محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعاً.

وذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليتفقد قتلى الفريقين والتي راح فيها عشرة آلاف كلهم من أمة الحبيب وعلي رأسهم طلحة والزبير فكانت من أشد البلاء على المسلمين، وبعد أن انتهت المعركة ندمت أم المؤمنين على قدومها، وكانت بعد ذلك كلما ذُكرت موقعة الجمل، بكت، وتمنّت لو أنها قد ماتت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وفاة حبيبة حبيب الله

بعد حياة حافلة كانت خلالها أم المؤمنين أكثر الصحابة رواية لأحاديث الرسول بعد أبو هريرة، وكانت من أكرم الناس وأجودهم وأكثرهم علما وأقدرهم علي الإفتاء حتي أن كبار الصحابة كانوا يستفتونها في أمور دينهم، وكانت من أحب الناس إلى قلب الحبيب حتي بات الصحابة الكرام يتحرون بهداياهم يوم عائشة، ونزل القرآن يبرأها من فوق سبع سماوات، وقال فيها المصطفي صلوات ربي وسلامه عليه "‏كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ‏مريم بنت عمران، ‏وآسية امرأة فرعون، ‏وفضل ‏عائشة ‏على النساء كفضل ‏الثريد ‏على سائر الطعام".

توفيت السيد عائشة رضي الله عنها وعن أبيها "أم عبد الله" سنة ثمانٍ وخمسين للهجرة، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وهي في السادسة والستين من عمرها ودفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (رضي الله عنهم أجمعين، لتترك عظيم الأثر في حياة أمة محمد السياسية والفقهية والإجتماعية فرضي الله عنها وأرضاها.

تقول رضي الله عنها "فضلت على نساء الرسول بعشر ولا فخر: كنت أحب نسائه إليه، وكان أبي أحب رجاله إليه، وتزوجني لسبع وبنى بي لتسع، ونزل عذري من السماء ،واستأذن النبي نساءه في مرضه، وكان آخر زاده في الدنيا ريقي، وقبض بين حجري ونحري، ودفن في بيتي".

 

أهم الاخبار