رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
د. وجدى زين الدين

بريد الوفد..إجهاض للحب..١..

أبدأ لك به هذا الخطاب، وهو خطاب مغاير لما اعتاد عليه بابك بريد الوفد، فخطابى مجموعة من رسالات صوتية مسجلة، بدأتها لك بجملة اأنا معاقب، كى تتلمس لى العذر ولتتحمل معى قدر ما وددت أن أشركك فيه وأقصه لك،  ففى عالمنا، نحن المعاقين، نملك من الخصوصية التى لا يعرفها الكثير، حتى إن أوهموك أن الجميع يعلم عنا كل شيء فهم مخطئون، ولعلك تسألنى الآن لما ابتدأت معك رسالتى بجملتى الصادمة اأنا معاقب لأننى لا أملك القدرة على تحريك يدى أو قدمى، فإعاقتى قد شملت يدى وقدمى، ولدت بهذا الأمر، إذا تعرفت على أو سألت عنى سيخبرونك مَن هم فى محيط عائلتى أننى وجه ضاحك فقط، سيخبرونك بأننى أحمد السباعى صاحب الضحكة والدم الخفيف، هم للحق محقون فى هذا، لأنى أخفى عنهم ما يتبدى بداخلى من ألم.

يمكن مراسلتنا على واتساب رقم: ٠١٠٦١١٤٣٨١١

أو: شارع بولس حنا - الدقى - مقر جريدة الوفد - قسم بريد الوفد

 

البداية ستكون من أين؟.. لا أعلم وأنا أكتب هذا المفتتح من أى اللحظات أبدأ معك عزيزى القارئ؟.. دعنى أبتدأ معك، من عند بطل هذا المقال ومفتتحه، يقولون إن الليل مستودع الضعف البشرى بكل تفاصيله، حيث لهذا الليل ستره وصمته مع كمون حراك خلائق الله فى الأرض، أنا وهذا الصديق وثالثنا كان الليل، فعلى الرغم من أن علاقتنا فى محيط التعارف الإنسانى لم تتعد بضعة أشهر لكننى استشعرت ناحيته بنوع من الود الإنسانى ورغم ذلك احتل صاحبنا فى نفسى مساحة لا بأس بها من الوصل بمفهومه الروحى والأخوى، وكنت قد عزمت فى سنوات مضت ألا أقترب فى المحيط الإنسانى بعلاقات إنسانية تتسبب بقصد أو دون قصد فى إنهاك ما تبقى داخلى من بعض القوة والصلابة، والحق أننى كلما التزمت وألزمت نفسى بقانون يخصنى فى علاقتى ببعض من حولى أقع رغماً عنى فى التورط بصحبة أو علاقة إنسانية تستنفد بعضاً من القوى التى تبددت طيلة عقود من عمرى الزمنى، بيد أن الحقيقة التى لا يمكن التغافل عنها هى أننا لسنا صانعى أقدار أنفسنا، فوجدتنى موصولاً بهذا الصديق الشاب، ربما منحنى بعضاً من الوصل الصادق فما كان منى إلا أن تورطت فى صداقته، رغم أنه يصغرنى بعقد زمنى كامل، غير أن المفهوم الحقيقى للوصل بين الأصدقاء هو مفهوم قائم على التقويم والنصح والصدق، وكانت نصيحتى لنفسى أن أترك مسافة فاصل ذراع بينى وبين هذا الصديق الشاب، لعدة أسباب، أولها أننى تعرفت عليه فى المحيط السياسى داخل الوطن، ولأننى دائماً ما أتحسس علاقات الناس داخل السيرك الإنسانى والمسمى بالعمل السياسى حيث تنبنى العلاقات على المنفعة المتبادلة وقوانين النفعية الزمانية، فطالما كانت المصلحة قائمة طالما كانت الصداقة متبقية ومع ازدياد نفوذ الطرف الأول يبذل الطرف الثانى كل الجهد لمحاولة الاحتفاظ بالعجل الحنيذ وما سيدره عليه من نفع جراء هذه الصداقة المشينة وغير الصادقة، لكننى أمام هذا الشاب شعرت ببعض المهام تجاهه، فعلى الرغم من طموحه السياسى المتزايد، فإننى استشعرت فيه نوعاً من الإنسان التائه والباحث عن مرفأ للسلام النفسى. والحق أعيد عليك عزيزى القارئ أننى لم أكن لأريد التورط مع ذلك الصديق وهذه الصداقة. ولنعد مرة أخرى إلى حقيقة قد فرضت نفسها على كلينا، أننا صرنا صديقين.. ثم مرة أخرى مع الليل.

وعبر هذا التوقيت المتأخر من اليوم الذى مضى ومفتتح يوم جديد، كان صديقى الشاب قد أقلنى بسيارته بنوع من التأدب ليرمى بى إلى ناصية بيتى، لكنه توقف بالقرب من مكان الوصول متنهداً، كان بادياً عليه نوبة من نوبات حزين عميق، يتنفس بصعوبة، وكأن ثمة خطباً يجسم على صدر الفتى الشاب، فوجدنى ووجدتنى مقتحماً لصمته.

-     يبدو أن فى الأمر أمراً.. ماذا يؤلم صدر الفتى الشاب؟

حاول الفتى إخفاء أمره، رد على إجابتى بجمل تخص عمله ونطاق مهامه داخل شركته التى أسسها، فامتدت يدى إلى ميدالية معلقة داخل مرآة سيارته الداخلية عليها بيت شعرى «نقل فؤادك حيث شئت من الهوى.. ما الحب إلا للحبيب الأول»، تفحصت الميدالية المعلقة فاهتزت، وإذ بالفتى الشاب يتنهد كلما قرأت البيت الشعرى، ثم وجدت عينه قد أوشكت على البكاء. قلت للفتى «يبدو أن الفتى قد مس قلبه الهوى وقتله الغرام».

رد هو: اليوم ردت صاحبة هذه الميدالية خاتم الخطوبة والشبكة الذهب التى كنت أشتريتها لها. هل تعلم أن هذه هى الفتاة الوحيدة التى اخترقتنى رغم تعداد كبير من الفتيات التقيت بهن وصاحبتهن. لكنها هى وحدها من أصابت بسهمها كبدى.

سألته: «وهل هى أحبتك مثلما أحببتها؟»

- أصبحت متحيراً فى هذا الجواب يا دكتور، الحب بحاجة إلى تضحية، لكنها لم تضح، وأثرت الافتراق.

- قلت له: «كل طرف فى المعركة يرى ما يخصه

فقط وما يود أن يراه، متجاهلاً رؤية الطرف الآخر المتمم والمكمل لمفهوم الوصل ومعنى العلاقة يا بشمهندس.. برأيك لو استمعت أنا إليه هل ستوافقك هذا الكلام وهذا الرأى؟... أم سيكون لها تصور آخر ورأى مختلف؟

- اسمع يا دكتور هناك حقيقة واحدة نعرفها فى العالم الهندسى، هى المواقف المرتبطة بالأرقام، برأيك أخبرنى إذا كانت تحبنى بقدر فيه من القوة والعنفوان، هل كانت ستتخلى عن هذا الرباط؟، هى بسهولة ألقت المنديل الأبيض معلنة الاستسلام وموات هذا الحب.

- لكنك يا عزيزى بالتأكيد مشارك فى فعل القتل. بشكل أو بآخر أنت مشارك، سواء وعيت لهذا وعرفته وأدركته ثم اقتنعت به أم لا. نحن أمام حالة إجهاض فعلى، بالتأكيد هناك مسببات، هذا الحب بالنسبة للأنثى هو مولود تحتفظ به فى روحها، أنت لم تجبرها على اختيارك، وبالتأكيد هناك تفاصيل أخرى لنمو هذا الجنين، لكننا الآن أمام حالة من حالات الإجهاض.

- فى عالم الهندسة يا دكتور الوضع يختلف عن عالم الفلسفة، فى عالم الفلسفة، لا تناقض نظرية إنسانية نظرية أخرى، بينما فى عالم الأرقام هناك فرضيات غير قابلة للتفاوض، فرضية تقر بأن كلينا قد ضل الطريق إلى الآخر.

- دعنى أوافقك الرأى لبضع لحظات ولى طلب.

- ما الطلب؟

- أن تلقى بهذه الميدالية التى أهدتك هى إلى الشارع الآن ولا تحتفظ بها طالما أنت على قناعة بفرضيتك تلك؟.

- لا طبعاً.

- إذن، ما زالت هناك جذور لهذا الأمر وهذه النبتة، ما زال الجنين داخل الحشا، يمر فقط بلحظات عسر ويسر، بمزيد من التفاهم يعود الجنين لمستقره فى اكتمال مفعول النمو.

- اسمعنى كويس من فضلك.. الموضوع انتهى لهذا الحد، ولا أريد التحدث فيه.

وجدتنى أنسحب من مواجهته، ربما خشيت عليه من فعل المواجهة بين الوقوع فى الحب والانسحاب منه، أو ربما أكون قد أردت التخفيف عنه عقب جرعة مكثفة من التذكار والحديث عن فتاة قد أصابت بسهامها كبده وروحه، غير أننى فوجئت أننى متورط فى الأمر، تورط من نوع أخلاقى أمام هذا الفتى الذى أصاب الحزن روحه وغلفها، وقد تملكنى نوع من الألم الذى لم أستطع تجاهله، كنت أود أن ينتصر الحب، أن يسعد هو بصحبة تلك الفتاة التى أحبها رغماً عنه، طوال مسيرى عبر لحظات السكون والصمت ونوم الخلائق، أردد التساؤل، لمَ لم ينجح الأمر ومن منهما أجهض هذا الجنين فى شهوره الأولى؟ ولمَ لا يزال يحتفظ ببقية منها أهدته هى له عبر هدية يعلقها فى سيارته؟. هدية تظل أمام عينه يراسلها بنظراته فقط.

وجدت أننى بحاجة إلى تقديم مساعدة فعلية تخفف من وخزة الإحساس تجاه هذا الصديق حديث العهد بى، وفى لحظة لا أعلم مبتدأها ومنتهاها، جرت يدى على هاتفى وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل، كانت يدى تكتب رسالة نصية إلى أستاذة جامعية أكن لها من التقدير والأخوة قدرًا كبيرًا «دكتورة سارى هل تقدمين معى مساعدة من أجل فتى أصاب قلبه الهوى.. وإصلاح ذات البين لفتاة وفتى، ربما دفعهما طيش المرحلة لفسخ خطبتهما.. سأنتظر ردك فى الصباح وأشرح لك حقيقة الأمر... تصبحين على خير».

«باقى الحلقة فى عدد الأسبوع القادم بمشيئة الله»