رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

المؤسسة المصرية الروسية تصدر كتاب الحرب العالمية الثانية من وجهة النظر السوفيتية

أخبار وتقارير

السبت, 29 يونيو 2019 11:51
المؤسسة المصرية الروسية تصدر كتاب الحرب العالمية الثانية من وجهة النظر السوفيتية

كتب- احمد عثمان

تمر هذه الفترة 75 عاماً على الحرب العالمية الثانية، أو "الحرب الوطنية العُظمى"، كما يُطلق عليها في روسيا، والدول المحيطة، وكما كان يُطلق عليها إبّان حقبة "الاتحاد السوفيتي" والدول الاشتراكية السابقة، نظراً لما تكبدته شعوب هذه المنطقة من آلام، وما دفعته من ثمن باهظ، بلغ نحو عشرين مليوناً من الشهداء والضحايا، فضلاً عن الخراب والتدمير الهائلين، اللذان حاقا بالمدن والمصانع والطرق والجسور، وسائر مكونات البنية الأساسية، في هذه البلدان.
يرصد مُعَرَّب هذا الكتاب في مقدمته افتقار المكتبة العربية لدراسات وكتب تعرض وجهة النظر السوفيتية في الحرب العالمية الثانية، فـ "جميع الكتب التي تُرجمت إلى العربية عن هذا الموضوع تعرض وجهات نظر غربية مختلفة، منها الإنجليزية والأمريكية والألمانية والفرنسية والإيطالية"، لاسيما وأن هذه الكتب، كما يقول: "لم تعكس الدور العظيم، الذى مثّله الاتحاد السوفييتي وجيشه وشعبه في الحرب العالمية الثانية وفي القضاء على القوى الفاشية التي تزعمتها ألمانيا الهتلرية"، ومن هنا تبرز أهمية هذا الكتاب على الصعيد الثقافي العربي، فهو أول كتاب يعكس وجهة النظر السوفيتية في الحرب العالمية الثانية، وهى " وجهة نظر في منتهى الأهمية، لأنها تمثل الدور الضخم والعظيم، الذى أداه الاتحاد السوفيتي في كسب هذه الحرب، وإنقاذ الجنس البشري من ويلاتها، كما تعرض الصورة الصحيحة لهذا الدور الذى حاول المؤرخون الغربيون، وكُتّاب اليوميات والمُذكرات، التقليل من قيمتها، انسجاماً منهم مع اتجاهاتهم الأيديولوجية، ونزعاتهم البورجوازية المعادية الاشتراكية ".
يشرح الكتاب الأسباب العميقة التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، وهى أسباب لا تخرج عن عاملين أساسيين، كما يُوضح المؤلف، أولهما: التناقضات الضخمة التي تقوم بين الدول الإمبرياليّة في العالم اصطراعاً منها على المصالح الاحتكارية، والأسواق الاستعماريّة، والموارد الأوّليّة، وثانيهما: الرغبة العارمة، لدى هذه الدول الإمبريالية التي تمُثل النظام الرأسمالي السائر في طريق الانحلال والانهيار، للقضاء على النظام الاشتراكي، (الذى كان قائماً آنذاك)، والذى يُمثل الخطر الأكبر الُمهدِّد للاحتكارات العالميّة وأهدافها الإمبرياليّة، ومطامعها التوسعيّة والاستعماريّة، ولعل هذا يُفسر لنا المساعي الخبيثة المحمومة التي قامت بها القوى الإمبرياليّة العالميّة، لبعث القوة العسكريّة الألمانيّة بعد الحرب العالمية الأولى ودعمها، وإيصال الحزب النازي إلى الحكم، وذلك لاستخدام ألمانيا الفاشية وقوّتها العسكريّة في محاربة الاتحاد السوفيتي التي رأت فيه الإمبرياليّة الخطر الأول الذى يُهددها. لكن التناقضات الإمبرياليّة، بين ألمانيا الفاشيّة التي يرجع الفضل في خلقها وتقويتها إلى الاحتكارات الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة، وبين الدول الغربيّة، ما لبثت أن طفت على السطح، ووجهت العدوان الألماني الذي جاء نتيجة طبيعية لسياسات الغرب، إلى الدول الغربيّة نفسها.
ويُرَكِّزُ الكتاب أول ما يُرَكِّزُ على الدور العظيم الذي مثّله الاتحاد السوفيتي في الحرب العالميّة الثانية، أو "الحرب الوطنية العظمي" كما كان يسميها الاتحاد السوفيتي السابق، وتُسميها الدولة الروسيّة الآن، مؤكداً على أن الفضل الأول والأكبر في تحطيم القوة العسكريّة الألمانيّة الرهيبة، التي تمكَّنت من اجتياح القارة الأوروبيّة كلها والسيطرة عليها، يعود إلى

الاتحاد السوفيتي، وجيشة وإلى شعبه وإلى نظامة الاشتراكي الذى مكَّنه من الصمود أمام التفوق الذى حقّقته ألمانيا في بداية الحرب، في الإنتاج، وميادين الإعداد والتسليح، وهو هنا، كما يذكر المُعَرِّبُ: " يرد على المؤلفات الغربيّة البرجوازيّة، التي خرجت عن الحدود الموضوعيّة وحاولت التقليل من أهمية الدور العظيم الذى قام به الاتحاد السوفيتي في تحقيق النصر النهائى، لا على ألمانيا وحسب، بل وعلى اليابان أيضاً".
فالكتاب يعرض، على سبيل المثال، معركة ستالينجراد عرضاً عسكرياً رائعاً، ويُبيِّنُ أن هذا المعركة التاريخية هي التي قلبت موازين الحرب وحوّلتها لمصلحة التحالف المناوئ للفاشية.
فمنذ اللحظة التي مُنى بها الجيش الألماني بهزيمته التاريخية أمام صمود هذه المدينة الجبارة، والتي أفقدته مئات الألوف من القتلى والجرحى، بالإضافة إلى نحو أربعمائة ألف وقعوا في أسر الجيش السوفيتي، تحوّل سير الحرب لمصلحة الجيش الأحمر.
كذلك فإن عرض المؤلف الشامل لمعركتي موسكو وليننجراد، ولمعارك الدون والقوقاز، والفسنولا، وبوادبست، وبرلين، لا يقل في شموله واستناده إلى الحقائق العسكرية عن عرضه لمعركة ستالينجراد، فقد كانت هزيمة الألمان أمام موسكو في الشتاء الأول للحرب الألمانية ـ السوفيتية نقطة التحوّل في أوضاع الحرب وظروفها، إذ حطمت المخططات التي كانت القيادة العليا الألمانيّة قد وضعتها لإلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفيتي في غضون بضعة أسابيع.
ومن أهم ما عنى به الكتاب والمؤلف، كما يوضح المُعَرِّبُ إبراز دور الشعب في هزيمة المحور، لا في أوروبا وحدها، بل وفي آسيا أيضاً. فلولا المقاومة الجبّارة التي أبدتها شعوب الاتحاد السوفيتي، سواء في جبهات القتال، أو في المؤخرة، لما تمكن الجيش السوفيتي من تحقيق انتصاراته العظيمة، بعد أن فقد جزءًا كبيراً من أراضيه ومناطقه الصناعية وموارده الأوّليّة. ولا شك في أن الأرقام والدراسات التي ساقها المؤلف عن تطور الإنتاج الحربي السوفيتي إبّان سني الحرب، تقيم الدليل على أن الجهد الجبار الذي بذله الشعب السوفيتي، كان له الفضل الأكبر في تحقيق تلك الانتصارات.
ولا ينسى المؤلف ـ بموضوعيته وصدق رؤيته ـ أن يؤكد أيضاً على دور الشعوب في النضال الجبّار الذي خاضته أوروبا ضد الاحتلال النازي، والذي استنزف الكثير من قوى الألمان، وأضعف قدراتهم العسكريّة في جبهات القتال الفعليّة، كما يعرض الكتاب بالكثير من الإسهاب دور حركات المقاومة في جميع البلاد الأوروبية المختلفة، كفرنسا وإيطاليا ويوغوسلافيا واليونان وبولنده وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا والمجر، بل وحتى ألمانيا نفسها.
كما يُلقى الكتاب ضوءًا واجباً على الدور الكبير، والتضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب الصيني وجيش تحريره ضد الغزاة اليابانيين، قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها،
والذى أسقط فيها الشعب الصيني وجيشه أكثر من مليون قتيل من جنود الجيش الياباني، كما أدى هذا الصراع إلى استنزاف جانباً مهما من القدرة اليابانيّة العسكريّة، ولولا هذا الأمر لما كان من السهل تحقيق النصر السريع على الإمبرياليّة اليابانيّة، بعد هزيمة الهتلرية في أوروبا، " وإن كانت حتمية التاريخ، ومنطق القوانين الموضوعيّة، يحتمان هزيمة تلك الإمبرياليّة في النهاية " .
ومن أهم "الأسرار" التي يكشف الكاتب عنها، فيما يخص وفائع وتطورات هذا الصراع الكوني، تلك الاتصالات السرّية التي ظلت دائرة طيلة زمن الحرب، وحتى نهايتها، بين القيادة النازيّة من جهة، وبين الدوائر الحاكمة في بريطانيا والولايات المتحدة من الجهة الأخرى، للحفاظ على القوة العسكرية الألمانيّة وتوجيهها إلى الشرق لمحاربة الاتحاد السوفيتي، وكانت هذه الاتصالات تتم بطرقٍ شتّى ووسائل مختلفة، فبعضها يدور عن طريق سويسرا أو الفاتيكان أو مدريد أو لشبونة أو دبلن أو ستوكهولم من "العواصم المُحايدة"، والبعض الآخر عن طريق مبعوثين أو رُسل أو وسطاء، من أمثال "ألان دالاس"، والكونت "برنادوت"، والكردينال "سيلمان"، والأمير "هو هينلوهى"، وغيرهم. ويثبت المؤلف أن هذه الاتصالات الخفيّة، والهادفة إلى إنهاء الحرب بين ألمانيا والدول الغربيّة " إنما كانت ترمى إلى توجيه القوة العسكريّة الألمانيّة نحو الاتحاد السوفيتي لضربه والقضاء عليه، بعد استنزاف تلك القوة الضاربة نفسها، مما يُخلى الجو العالمي للاحتكارات الغربية". 
ويتضمن الكتاب الذي يقع في أكثر من 550 صفحة من الحجم الكبير 25 فصلاً موزعةً على خمسة أقسام، إضافةً للخاتمة، وعناوين هذه الفصول هي:
1 – مقدمات الحرب – المعتدون وأنصارهم – صفقة مونيخ وذيولها.
2 – الحرب الزائفة ـ انهيار بولندا العسكرية ـ مأساة فرنسا ـ بعد استسلام فرنسا.
3 _ امتداد العدوان الفاشي ـ موازنه القوى ـ الهجوم النازي ـ معركة موسكو ـ نشوب الحرب في المحيط الهادي.
4 _   انعكاس التيار ـ نصر الفولجا ـ الصراع على أفريقيا الشمالية ـ معركة انتفاخ كورسك ـ مؤتمر طهران.
5 _ الانتصارات العظيمة ـ هجوم عام 1944 ـ نزول الحلفاء في فرنسا ـ الجيش السوفيتي يُحرر أوروبا ـ مؤتمر القرم ـ عملية برلين واستسلام ألمانيا ـ مؤتمر سان فرانسيسكو وبوتسدام ـ استسلام اليابان ونهاية الحرب. 
ويختم المؤلف الكتاب بـ "خلاصة" يكشف فيها الأفكار الرئيسية لكتابه، وأهمها أنه بينما كان الإمبرياليون في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا يرمون إلى توحيد العالم الرأسمالي ضد الاتحاد السوفيتي عن طريق اتفاق مع ألمانيا، فإن الإمبرياليين الألمان كانوا ينشدون مثل هذه الوحدة عن طريق إخضاع البلاد الرأسمالية الأخرى لإرادتهم، وكان هذا هو الشكل الذي طفت فيه التناقضات الإمبرياليّة إلى السطح، وقسَّمت البلاد والرأسمالية إلى مجموعات مختلفة.
لكن هذا المخطط لشن "حرب صليبية " ضد الاتحاد السوفيتي، كما يشرح المؤلف في مُختتم كتابه، تعرض للانهيار، ومثّلت التناقضات الإمبرياليّة وكفاح الجماهير عوامل وضعية أدركها الاتحاد السوفيتي، واستخدمها في سياسته الخارجيّة، مما خلق تحالفاً ضخماً ضد الفاشيّة أدى وجوده إلى تمهيد الطريق لتحقيق النصر على ألمانيا.
فتاريخ الحرب المناهضة للفاشيّة، كما يقول المؤلف في خلاصة كتابة " ليس أولاً وآخراً إلّا تاريخ تلك الأمم التي حاربت من أجل تحرّرها وحققته. إنه تاريخ تلك الأمم التي أظهرت أكبر قدر من التصميم، وثبات العزيمة والروح، والبسالة والبطولة، في المعركة ضد أولئك الذين يطمعون في السيطرة على العالم ".
وهى دروس، في محملها، نحن أحوج ما نكون لاستيعابها وتمعُّن مضمونها، خاصةً وأن بلادنا، ودول المنطقة جميعها، وقضية أُمتنا المركزية،      (فلسطين) ، تتعرض لمخاطر جمّة، وتواجه تهديدات مستمرة، وتصطدم بتحديات هائلة، تستوجب ضم الصف، واجتماع الإرادة، والاستفادة من خبرات الشعوب في معاركها المصيرية: كيف واجهت العدوان، وأي الطرق استخدمها لهزيمته!
 

أهم الاخبار