رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المفكر الإسلامى د. محمد عمارة يكتب: سعد زغلول باشا.. ابن الأزهر الشريف (1 ـ 2)

أخبار وتقارير

الأربعاء, 24 أبريل 2019 20:07
المفكر الإسلامى د. محمد عمارة يكتب: سعد زغلول باشا.. ابن الأزهر الشريف (1 ـ 2)د. محمد عمارة

> كان الوحيد بين زعماء مصر الحديثة الذين تعلقت بهم الجماهير وكأنه أسطورة

> سلطان العلم الشرعى على سعد باشا كان أقوى من اللعبة السياسية

> الحرية هى الباب الذى ولج منه الشيخ «سعد» إلى عالم الإصلاح والإبداع

> كان يخاطب شيخه الإمام محمد عبده بعبارة مولاى الأفضل ووالدى الأكمل

 

كثيرون هم الزعماء والقادة الذين أنجبتهم مصر، والذين فتح الشعب لهم أبواب العقول والقلوب، غير أن سعد زغلول قد تميز وامتاز من بين هؤلاء الزعماء والقادة بأنه لم يكن زعيمًا لنخبة أو صفوة، ولا قائدًا لحزب أو طبقة، ولا فقيهًا لمذهب ومنظرًا «لأيديولوجية».. وإنما كان القائد المحبوب ـ وليس فقط المقبول ـ من الأمة والكافة والعامة والجمهور، على اختلاف مذاهب وطبقات وديانات الكافة والجمهور.. لقد فتحت له الأمة عقولها، وأسكنته فى قلوبها، واحتضنته فى ضمائرها.. ورأت فيه «غزال البر» فتطلعت إلى «عين الشمس»؛ كى تظلله فى الغدوات والروحات!

وكما علقت عليه الأمة آمالها، فلقد منحته الحب والاحترام معًا، بل وكانت تخالف عليه من كل سوء، وتغار عليه من المنافسين، فضلًا عن الخصوم.

لقد تنازعت انتسابه إليها وانتسابها إليه كل الطبقات والتوجهات والديانات.. المسلمون والنصارى، المثقفون والعامة.. المعممون والمطربشون.. الطبقات «العليا» والفلاحون والعمال «الصنايعية»، حتى لقد افتخر هو بانتمائه إلى الرعاع» فقال وهو يخطب فى العمال: «إننى أفرح كثيرًا، وأسر كثيرًا، كلما شعرت أن الحركة (الثورة.. والنهضة) ليست فيما يسمونه بالطبقة العالية فقط، بل هى منبثة ـ أيضًا وعلى الأخص ـ فى الطبقة التى سماها حسادنا «طبقة الرعاع»! وأفتخر بأنى من الرعاع مثلكم!» فانخرط العمال فى هتاف متكرر: «ليحيي سعد زعيم الرعاع»!.

ولعل سعدًا كان الزعيم الوحيد بين زعماء مصر الحديثة، الذى تعلقت به الجماهير التى لا علاقة لها بالسياسة أو الحزبية، فتحالفت العواطف مع الوعى على جعل الفطرة الشعبية تتعلق به وكأنه أسطورة من الأساطير فى حياة هذه الجماهير.

لقد ولد ـ بالريف ـ بعد وفاة سعد زغلول بأربع سنوات، ولقد وعت ذاكرتى مكانة سعد زغلول كبطل أسطورى تحكى حوله الكرامات وخوارق العادات، فى مناخ تطغى عليه الأمية، ولا يوجد فيه تنظيم لحزب الوفد، بل لا توجد فيه سوى فطرة الناس البسطاء، فحتى أصوات الحيوانات تهتف «بحياة سعد»!! وحتى أوراق المزروعات تنبت وتتفتح ومكتوب عليها «يحيا سعد»!!.. وذلك فضلًا عن الأغانى الشعبية التى تعبر ـ بالحب لسعد زغلول ـ عن مكانته المتفردة فى قلوب الكافة من الناس.

ولعل هذه الحقيقة، من حقائق تميز وامتياز زعامة سعد زغلول، أن تجد من الدارسين الدراسات التى تكشف عن أسبابها وأسرارها.

فهو لم يكن الفلاح الوحيد الذى يقود الأمة.. ولم يكن الأزهرى الوحيد الذى تتعلق به آمال الكافة.. ولم يكن السياسى الوحيد الذى يتصدى للاحتلال والاستعمار.. وإنما كان المتفرد بين هذه الزعمات بالمكانة التى خصته بها الأمة من بين مواكب الزعماء والقادة الذين أنجبتهم مصر الولود.

أما هذه الصفحات المحدودة، فإن مقاصدها المحددة هى الكشف عن الأثر الإسلامى للتعليم الأزهرى على هذا الزعيم.. الشيخ سعد زغلول باشا، ابن الأزهر الشريف.

لقد ولد سعد زغلول (1273 ـ 1346 هـ/1857 ـ 1927م) فى قرية «إبيانة»، مركز «فوة»، محافظة «الغربية» ـ «كفر الشيخ» حاليًا ـ إبان حكم الخديو سعد (1237 ـ 1279 هـ/1822 ـ 1863 م) لمصر، وكانت مصر ـ يومئذ ـ ولاية لها استقلالها الذاتى فى إطار الامبراطورية العثمانية.

وكان والده ـ إبراهيم زغلول ـ عمدة القرية، فوهبه للعلم الدينى، والدراسة بالأزهر الشريف..

< فدخل سعد كتاب القرية، وهو فى السابعة من عمره، وقضى به خمس سنوات، حفظ فيها القرآن الكريم.

< وفى سنة (1287 هـ/1870م) عين أخوه الأكبر «الشناوى أفندى» رئيسًا لمجلس مركز «دسوق» المجاور لمركز «فوة»، فاصطحب الشناوى أفندى معه أخاه سعدًا، وألحقه «بالجامع الدسوقى» ـ التابع للأزهر الشريف ـ فبدأ فيه تجويد القرآن الكريم.

وأذكر أننا ونحن طلاب بمعهد دسوق الدينى الابتدائى، بين سنة (1364 هـ /1945م) وسنة (1368هـ/1949م)، أننا كما نمر على منزل ظهرت عليه آثار القدم، قالوا لنا: إنه المنزل الذى كان يسكن فيه سعد زغلول، عندما بدأ رحلته الدراسية فى الأزهر الشريف،. بمدينة «دسوق».

< وفى سنة (1290هـ/1873م) انتقل سعد زغلول من الدراسة «بالجامع الدسوقى» إلى الدراسة بالجامع الأزهر، بالقاهرة، وبدأ تلقى دروس الفقه ـ على مذهب الإمام الشافعى ـ فى «زاوية العدوى» بالقرب من الجامع الأزهر، ثم انتقل إلى الدراسة فى ذات الجامع الأزهر.

وكان الطالب ـ فى ذات التاريخ ـ هو الذى يختار شيخه والحلقة التى يتلقى فيها دروسه.. ويختار ـ أيضًا ـ العلوم والكتب التي يريد مواصلة دراستها والتخصص فيها.

< وفى ذلك التاريخ كان جمال الدين الأفغانى (1254 ـ 1314هـ/1838ـ1897م) قد استقر به المقام فى مصر، وانتظمت دروس علمه وتجديده وثوريته فى منزله ـ قريبًا من الجامع الأزهرى، الذى يكبر سعد زغلول بعشر سنوات، قد أصبح أنجب تلاميذ جمال الدين الأفغانى، حتى كان ـ قبل تخرجه من الأزهر ـ يعقد حلقة درس ـ بالجامع الأزهر ـ يعيد فيها على الطلاب ما سمعه من أستاذه الأفغانى، من علوم وفنون كانت غريبة عن المناهج الأزهرية فى ذلك الحين.. فتتلمذ عليه ـ فى هذه الحلقة ـ الطالب سعد زغلول.. وقادته هذه التلمذة إلى دروس موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام جمال الدين الأفغانى.

وكما كان محمد عبده أنجب تلاميذ الأفغانى، وأقربهم إلى قلبه، أصبح سعد زغلول أنجب تلاميذ محمد عبده، بل لقد صار محمد عبده بالنسبة له أبًا وشيخًا ورائدًا ومربيًا.

< وعلى يدى جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده أصبح «الشيخ سعد زغلول» طالب الأزهر واحدًا من دعاة الإصلاح، وواحدًا من الذين تعلموا فن الكتابة وصناعة الإنشاء وتحرير المقالات.. وبتشجيع من الأفغانى نشرت له صحيفة (التجارة) التى كانت إحدى الصحف التى أصدرها الأفغانى «بالإسكندرية»، ورأس تحريرها «أديب إسحاق» (1272 ـ 1302هـ/1856ـ1885م)، «وسليم نقاش» (1301هـ/1884م) نشرت للشيخ سعد مقالًا عن «الحرية»، علق عليه أستاذه الأفغانى فقال: «إنه مما يدل على أن الحرية ناشئة فى مصر أن يجيد الكتابة عنها هذا الناشئ» ـ سعد زغلول ـ فكانت الحرية هى الباب الذى ولج منه الشيخ سعد إلى عالم الإصلاح والإبداع!

< ولأن هذا الحزب الإصلاحى، كان يعول ـ فى الدعوة الإصلاحية ـ على تجديد مناهج المؤسسة العلمية الأم ـ الأزهر الشريف ـ كطريق لإصلاح وتجديد دنيا المسلمين.. كتب الطالب الشيخ سعد زغلول «منشورًا» يدعو فيه إلى إصلاح الأزهر الشريف، ونسخ منه سبع نسخ، وعلقها ـ ليلًا ـ على أعمدة الجامع الأزهر ليقرأها الطلاب فى الصباح!

< ومع التحرير فى الصحف.. والانخراط فى الدعوة إلى الإصلاح: التعليمى.. والفكرى.. والوطنى.. توجه الطالب الشيخ سعد زغلول إلى حقل التأليف، فكانت باكورة تأليفه كتابًا فى (فقه الشافعية)، ولقد طبع

هذا الكتاب، ونفدت طبعته الأولى.. «وكان الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى (1298 ـ 1364هـ/1881ـ1945م) يحتفظ فى مكتبته بنسخة منه، وذات يوم كان لطفى السيد باشا (1288ـ1382هـ/1870ـ1963م) يزور الشيخ المراغى بداره فى «حلوان» وجرى الحديث بينهما فى العلم  والفلسفة والزعماء.. فقال لطفى السيد:

ـ إن بين الزعماء السياسيين نوابغ لو تفرغوا بعض الوقت للتأليف والإنتاج لأفادوا فائدة عظيمة.

وهنا ابتسم الشيخ المراغى، وقال له:

ـ هل تعلم أن المرحوم سعد زغلول باشا ألف كتابًا فى الفقه؟

فشغف لطفى السيد للاطلاع على هذا الكتاب، فقام الشيخ المراغى، إلى مكتبته، وأحضر الكتاب، فتناوله لطفى السيد فى نهم، وقلب صفحاته، وهو يقول:

ـ عجيبة!

وأزاح لطفى السيد غلاف الكتاب وقرأ اسمه، وقد كتب ناشر الكتاب تحت عنوانه ما يلى: «ألفه الفقير إلى الله تعالى الشيخ سعد زغلول، الشافعى المذهب، من طلاب الأزهر الشريف».

< وبينما كان الشيخ سعد زغلول فى عام التخرج من الأزهر الشريف، وقبل أداء امتحان العالمية، تولى شيخه محمد عبده رئاسة تحرير صحيفة «الوقائع المصرية»، فترك الشيخ سعد الأزهر، وأصبح محررًا فى «الوقائع» منذ (5 أكتوبر سنة 1880م)، وفيها تجلت مواهبه فى الكتابة والتحرير.. ولقد استمر فيها شيخًا معممًا إلى (3 مايو سنة 1882م)، حين عين ـ أيام وزارة محمود سامى البارودى باشا (1255ـ1322هـ/1839ـ1904م) ـ معاونًا بنظارة الداخلية، فأصبح الشيخ سعد «سعد أفندى» منذ ذلك التاريخ.. وإن ظل فى نظر ولغة جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده «الشيخ سعد» دائمًا وأبدًا.

< وفى (6 سبتمبر سنة 1882م) ـ إبان المقاومة الوطنية للغزو الإنجليزى لمصر ـ انتقل سعد زغلول إلى وظيفة «باشمعاون»، وتولى نظارة قلم القضايا بمديرية الجيزة. وظل الموقع الأول، والوظيفة الأساسية «للشيخ سعد زغلول» هى وظيفة المريد والتلميذ لوالده وشيخه ومربيه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، انخرط معه فى الثورة العرابية، والمقاومة للغزو الإنجليزى، ونادى «بالجهاد الدينى» ضد الإنجليز.. ولعب دورًا فى نقل الرسائل بين محمد عبده وقيادة الثورة ـ بالقاهرة ـ وبين زعيم الثورة وقائد الجهادية أحمد عرابى باشا (1257 ـ 1329هـ/1841ـ1911م) فى جبهة القتال..

< وبعد هزيمة الثورة العرابية فى (14 سبتمبر سنة 1882م).. نال سعد زغلول ما نال الثوار.. ففصل من وظيفته فى (2 أكتوبر سنة 1882م).. وصدر بحقه قرار الحرمان المدنى، فاتجه إلى العمل الحر، واشتغل بالمحاماة، وافتتح «مكتبًا للدعاوى».. ثم قبض عليه فى (20 يونية سنة 1883م) بتهمة عضوية جمعية سرية معادية ومقاومة للاحتلال الانجليزى ـ اسمها «جمعية الانتقام» ـ وقضى فى السجن ثلاثة أشهر، حتى برأته المحكمة؛ لعدم ثبوت أدلة الاتهام.. ولقد أحرجت هذه البراءة سلطات الاحتلال، فعدلت عن قرارها نفيه إلى السودان ـ كما نفت أستاذه وشيخه محمد عبده من البلاد.

< وعندما فك الانجليز سراح جمال الدين الأفغانى، فى منفاه بالهند ـ عقب هزيمة الثورة العرابية ـ فغادر الهند إلى أوروبا.. وكتب أثناء عبوره «قناة السويس» ـ من ميناء «بورسعيد».. أو «بورت سعيد» - رسالة إلى محمد عبده ـ فى منفاه ببيروت ـ بتاريخ (23 سبتمبر سنة 1883م/22 ذى القعدة سنة 1300هـ) طالبًا منه اللحاق به فى باريس.. وفى هذه الرسالة أثنى الأفغانى على سعد زغلول، فقال: « وأثنى علي الشابين الأديبين: السيد إبراهيم اللقانى، والشيخ سعد الزغلول..».

<<< 

وطوال سنوات وجود محمد عبده بالمنفى، كانت الصلات والمراسلات قائمة ودائمة بينه وبين الشيخ سعد زغلول، وتشهده هذه المراسلات على مكانة سعد من الأستاذ الإمام، وهى مكانة الابن والتلميذ والمريد والساعد الأيمن والمؤتمن على الأسرار، الذى يعهد إليه محمد عبده بالخاص والعام من المهام والشئون.

وإذا شئنا نماذج من السائل الجوابية التى كتبها سعد إلى أستاذه ـ وهو ببيروت ـ والتى تكشف عن مستوى هذه العلاقة.. فهذه ثلاث رسائل، يبدأ الشيخ سعد واحدة منها، مخاطبًا شيخه محمد عبده بعبارة: «مولاى الأفضل، ووالدى الأكمل»، ويصف نفسه فيهما بأنه: «خريج حكم الأستاذ الإمام، والناشئ فى نعمه وصنيع آدابه، والمحفوف بعنايته، والمشمول بعين رعايته».

< ولقد كانت الرسالة الأولى جوابًا على أول رسالة كتبها محمد عبده من منفاه فى بيروت.. ونصها: «من مصر 24 ربيع الآخر سنة (1300هـ) إلى بيروت. مولاى الأفضل، ووالدى الأكمل، أحسن الله معاده.

بعد تقبيل الأيدى الكريمة: قد ورد الكتاب الكريم على طول تشوقنا إليه، فتلوناه ووعيناه فى الفؤاد وحمدنا الله تعالى على أن شرفتم تلك الديار سالمين، مبالغًا فى إكرامكم والاحتفال بكم من كرام أعيانها المسلمين، وأماجد نبهائها المؤمنين، جزاهم الله عن كل مصرى يعرف مقداركم خير الجزاء.

ولهم منا معشر أتباعكم ومريديكم بما تقبلوك به من كريم الاحتفال، وعظيم الإجلال، ألسنة مرطبة بالثناء عليهم، وضمائر مطوية على مزيد احترامهم وفائق تعظيمهم.

صحتى البدنية معتدلة، أما فكرى فقد تولاه الضعف من يوم أن صدع الفؤاد بالبعاد، وتمثلت فيه بعد تلك الحقائق التى كنت تجلو مطالعها معانٍ، نعرفها أوهامًا يضيق بها الصدر ولا ينطلق بردها اللسان، مخافة فوات مرغوب أو لحاق مكروه مما تعلموا.

توجهت إلى البيك صاحب تاريخ العرب، وسألته إعارته فأجاب بأن «محمود سامى» أخذه منه وسافر ولم يرده إليه، ثم هو يسلم عليكم أطيب السلام، ويقول: إنه مستعد لخدمة جنابكم فى أى شىء تريدون حسيًا كان أو معنويًا وسأتحرى هذا الكتاب فى كتب سامى عند بيعها فإذا وجدته فيها اشتريته وأرسلته فى الحال إلى حضرتكم، أو أحضرته معى إن وافق ذلك استجماعى لوسائل السفر.

الحال العمومية على ما تركتها، غير أن الناس أخذوا فى نسيان ما فات من الحوادث وأهوالها، وقلت قالتهم فيها، وخفت شماتة الشامتين منهم، وأصبح المادحون للانجليز من القادحين فيها، وبالعكس، والكثير يتوقع انقلابًا أصليًا، والله أعلم بما يكون.

رفعت تحيتكم لجميع من ذكرتم فى الكتاب تصريحًا وتلويحًا، فتقبلوها بمزيد المسرة والانشراح، يسلم على جنابكم الصادق فى صداقته ومودته حسين أفندى، وهو فى غاية من الصحة والعافية، وقد عاد من الريف

فرارًا من شروره، آسفًا على ما وقع لجنابكم أكثر من أسفه على نفسه، الشيخ محمد خليل والشيخ عامر إسماعيل والشيخ حمادة الخولى والسيد عثمان شعيب والشيخ حسن الطويل ووالدى عبدالله وأخواى شناوى وفتح الله وكثير غيرهم يقبلون يديكم، ويسلمون عليكم، ويقدمون مزيد تشكرهم لحضرات أولئك الكرام الأماجد الذين أحسنوا وفادتكم وأكرموا مثواكم، زادهم الله كرمًا وكمالًا.

مولاى: ذكرت لحضرتك أن الضعف ألم بفكرى، فبالله إلا ما قويته بتواصل المراسلة، غير تارك فيها ما عودتنا على سماعه من النصائح والحكم التى نهتدى بها إلى سواء السبيل، ونتمكن بها من السير فى العالم المصرى الذى اختبرت حقائقه وعرفت خلائقه، وما يناسبها من ضروب المعاملة، وفقنا الله لمتابعتك، ولا أطال على بلادك مدة غيبتك، إنك إمامها وإن اقتدت بغيرك، ومحبها الصادق وإن لم تعرف بقدرك. والسلام».

ولدكم سعد زغلول

<<< 

أما الرسالة الثانية ـ وهى جوابية على رسالة من الأستاذ الإمام إلى الشيخ سعد ـ فتاريخها 8 جمادى الأولى سنة 1300، ونصها:

«مولاى الأفضل، ووالدى الأكمل، أحسن الله مآبه.

أكتب إلى السيد الأستاذ بعد تقبيل يده الشريفة عن شكر مزيد لمكارمه التى لم يمنع من تواترها على صنائعه تباعد الديار، ولا تنائى البلدان، معترفًا بالعجز عن وفاء واجب الحمد، مع الاعتقاد بأن هذا لا يثنيه عن المكرمات  يوليها، والمبرات يسديها، فما يفعل الخير التماس الثناء، ولا يصدر البر ابتغاء الجزاء، انما يحسن محبة فى الاحسان، ويبر شفقة بالانسان.

تفضل أدام الله فضله على خريج حكمه، الناشئ فى نعمه، بكتاب هو المحكم آياته، المعجز دلالته، الشافى لما فى الصدور، الكاشف لحقائق الأمور، الهادى إلى سبيل الرشد والى صراط مستقيم، فسر لمرآه سرور العليل بالشفاء وافاه، وتلاه متدبرًا دقيق معناه، مكررًا رقيق مبناه، فازداد ايمانًا بفضل مولاه، ويقينًا بحكمة من أوحاه، وشكر الله على صحة من أهداه، دامت نامية وارفة الظلال.

وتكرم أبقى الله كرمه ببيان بعض اسماء الكملة الكرام الذين دارسوه فصولًا من المروءة، وأبوابًا من النجدة، وما لهم من كمال الفضل، وما فيهم من تمام العقل، فرسمنا أسماءهم على صفحات القلوب، وحفظنا أمثلة فضائلهم فى الصدور، وتشوقنا لأن تتشرف ابصارنا برؤياهم، كما تحلت بصائرنا بمعرفة أعلامهم ومزاياهم، وما يحتاج فى اقناع النفوس بضعف  تلك الحجة، وان  كانت تمكنت فى الأذهان، إلى قوة البيان، فمعرفتهم بمقام فضله، ومقدار حكمته ونبله كافية بذاتها فى الدلالة على نزاهة نفوسهم، وطهارة قلوبهم وغزارة فضلهم، وسمو عقولهم، ورجاحة هممهم، وسجاحة شيمهم، وفى توجيه ما ثبت من الفساد فى أخلاق غيرهم، إلى أسباب أخرى نود أن يبينها الاستاذ الجليل فى كتاب مخصوص اذا وجد من الوقت مساعدًا انما نحتاج إلى قوة البيان فى هذا الموضوع لنتبين كيف يكون تدرس المروءة بين الأفاضل، وتداول النجدة بين الكرام الأماثل فما رأيناك، من قبل لدينا الا فاضلًا كريمًا يدرس الفضال بين من لا يعرفون للفضل مقدارًا، ولا يفقهون للكرامة اعتبارًا.

ولقد زادنى ميلًا فى السفر وبغضًا فى الحضر ما جاء فى وصف أولئك الأماجد ذوى النفوس الزكية والمحامد العلية وما تلاه من بيان حقيقة غوازى الأمم، ساقطى الهمم، سافلى القيم، جاهلى مقادير النعم، غير أنى عدلت عن داعية هذا الميل امتثالًا للأمر، وفى النفس حسرات لا يقاومها صبر، وبها إلى السفر اشواق لا يتناولها حصر.

وأحسن خلد الله إحسانه على صنيع آدابه، اليتيم فى أترابه، بحكم من مثل التى تعودها غذاء للعقل، ونورًا للفكر، فتلقاها بقلب شاكر وتقبلها بفؤاد حامد، وحفظها فى الوجدان، راجيًا من الله التوفيق إلى الأخذ بمعانيها والهداية إلى اتباع ما فيها، آملًا من مكارم موليها، دوام تواليها.

أسفت، بل خجلت مما بلغ المقام الشريف عن الشيخ عبدالكريم الفاضل ثابتًا صدقه بشهادة من سئلوا من الصادقين، ولولا التحقق من سعة بال الاستاذ الكريم ومن وثوقه بى فيما أرويه لكان الأسف مضاعفا.

انى ـ كما تعلمون ـ كثير الاجتماع بهذا الشيخ، وما سمعت منه ما يقصد به من مقامكم الكريم، ولم يتكلم أمامى يوم أن بلغه خبر الاعتراف باليمين المعروف الا بما معناه الاسف والإشفاق  من عاقبة هذا الاعتراف، فلعل ما بلغ المسامع الشريفة من هذا القبيل، والسامعون لشدة حرقتهم وبلوغ الأسف من فؤاده مبلغه، انصرف خاطرهم عن رعاية مقام القول فتوجه ذهنهم إلى مفهوم الكلام الحقيقى وطبقوا المقام على ما فهموه، ولهم العذر، فهم لم يتعودوا سماع كلام مثل هذا فى جانب حضرتكم ولو مرادًا به غير حقيقة معناه، ولم يألفوا تأويل العبارات وصرفها عن ظواهرها، ولم يعرفوا عادة ذلك الشيخ فى كيفية تأدية مراده، والعبارة ـ فى حد ذاتها ـ يصعب تأويلها إلى غير المتبادر للإفهام منها كل الصعوبة على من لم يكن أزهريًا متعودًا من الشيخ سماع أفظع منها مفهومًا وأشنع تركيبًا.

وكيف يتأتى له ارادة الظاهر مع علمه بكون ذلك لا يصدر إلا عن لؤم بيعة وخراب ذمة وسفاهة عقل؟ أنسى ما أوليته من كرائم النعم وجلائل الأمم التى لا يزال متمتعًا بها  متفيئًا ظلالها، وأنك المؤرق آسفًا، المحترق حزنًا، المشفق عليه يوم وجدت  اسمه مكتوبًا فى تقارير اللئام، حتى شغلك همه عن همك، وسعيت ـ وأنت مسجون ـ فى تنجيته من التهمة بواسطة المحامين؟!

ما نسى كل هذا وما قدم العهد عليه  حتى ينقض ولاءك، ويبتكر هجاءك، ويمس مقامك، فى بيت آواه، ومنزل طالما رتع فى بحبوحة نعماه.

فهذه العبارة ـ إن صح النقل ـ لا يمكن ان يكون المراد بها شىء وراء إعلان الأسف والاشفاق، أما كونه لم يرسل خطابًا فمولاى يرى انه من الأدلة الصادقة على كون ذلك الشيخ الفاضل صادقًا فى ولائه، حريصًا على دوام تذكر أوليائه، إذ لم يدعه إلى ذلك إلا تمام رغبته فى المحافظة على النعمة التى غرستم أصولها، وأنميتم فروعها، ليكون على الدوام متذكرًا لحقيقة مبدئها متصورًا صورة منشئها.

أما كتاب الشيخ محمد خليل، فقد علمت ما فى إرسال صورته من حسن التعليل وكمال التلطف فى التأديب، على ما جرت به عادتكم الشريفة، وقد طالعت هذه الصورة فرأت أنه من أقوى الأدلة على شدة ميل صاحب الأصل إلى الصدق، ورغبته عن التمويه، حيث اوضح حاله صادرًا فى الايضاح عن الحق برهانًا على شدة اخلاصه بإثبات العبارة التى نفيتها بين يدى حضرتكم فى الدائرة.

فإن اثباتها لا يصدر إلا عن تمام إخلاص لا يشوبه تمويه، ومن هنا يتبين لحضرتكم سلامة نيته، وحسن طويته.

أما عنوان الجواب فما أداه إلى نسجه على ذلك الأسلوب الا اعتماده على معرفتك بكونه من الصادقين المعظمين لجنابكم الكريم، وعلى كل حال فنحن لا نستغنى عن كريم عفوك، وجميل صفحك، فإن لم تعف عنا وتصفح كنا من الخاسرين.

إن ظنكم فيما رأيتموه فى جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق لحضرتكم السرور بما نال ولدكم، فهو المتربى فى نعمتكم المغترف من بحار حكمتكم، المحفوف بعنايتكم المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من مراتب الكمال بحسن توجهاتكم وكريم تعطفاتكم، أدام الله لكل خير مبدأ.

رفعت تحيتكم إلى حضرات من ذكرتم اسماءهم وأشرتم إليهم فتقبلوها بالاحترام، وهم جميعًا يقبلون يديكم ويسلمون عليكم، وأخص بالذكر منهم منبع الصفا، ومصدر الوفا، الذاكر لفضائلكم فى كل حين، والدى حسين أفندى، وحضرة ولدكم الصادق فى متابعتكم الشيخ عامر اسماعيل الذى امتن غاية الامتنان بما اختصصتموه به فى كتابكم الشريف، وحضرة الشيخ سليمان العبد، والسيد أمين أفندى، ونحن جميعًا نرفع أحسن التحيات وأزكاها لحضرات الكرام الذين تشرفنا بمعرفة أسمائهم من الذين دارسوكم فصول الكرامات ونقدم لهم واجبات الاحترام، أدامهم الله مثالًا للفضل وعنوانًا للكمال، ونسلم على حضرات أخينا الفاضل إبراهيم أفندى اللقانى، وإبراهيم أفندى جاد، ونجلكم الكريم، وجميع من بمعيتكم حفظهم الله.

أحوالنا العمومية أنتم اعلم بها منا فلا حاجة إلى بيانها، نرجو تفصيل أحوالكم وما تشتغلون به من قراءة وتأليف اذا حسن لديكم ذلك.

كُتب سامى لم تُشهر إلى الآن فى المزاد ومازال مراقبًا لإشهاره.

حضرة البك صاحب الكتاب توجه قبل ورود كتابكم إلى البلد ولم يحضر إلى الآن، وعند العلم بحضوره أتوجه اليه وارفع لحضرته مزيد تشكراتكم، دامت معاليكم أفندم «8ج» سنة «1300» صنيعكم ـ عد زغلول.

أرجو عدم انقطاع المراسلات وأتمنى ألا أحرم كل اسبوع من كتاب تطمينًا للخاطر وترويحًا للفؤاد، ولمولاى فى اجابة هذا الرجاء النظر العالى».

«سعد»

 

أخبار ذات صلة..

 

المفكر الإسلامى د. محمد عمارة يكتب: سعد باشا زغلول.. ابن الأزهر الشريف «الحلقة الثانية»

أهم الاخبار