رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لوجه الله

السلطان وعزة العلماء

أحمد ابوزيد

الثلاثاء, 30 أكتوبر 2012 22:17
بقلم: أحمد أبوزيد

العالم الرباني رجل لا يرهبه سلطان، يعتز بربه وبعلمه، لا يسعي الي أبواب السلاطين وعروشهم، ولا يطمع فيما في أيديهم من ترف الدنيا ونعيمها الزائل، فهو زاهد فيما يملكه السلاطين، مستغن عما في أيديهم، مترفع بنفسه ودينه عن الدنايا.. ومن تتوفر فيه هذه الصفات يسعي إليه السلاطين، يطلبون قربه، ويلتمسون موعظته.

ولقد كان الخليفة العباسي هارون الرشيد، خبيراً بمعادن العلماء، يبحث عن هذا الصنف من العلماء، فيسعي اليه، يلتمس منه ما ينفعه في دينه ودنياه وسلطانه، وحكايته مع الفضيل بن عياض خير دليل علي ذلك، فهي قصة بليغة فيها من المواعظ والآداب والقواعد ما ينتفع بها أي سلطان أو رئيس دولة أو وزير في أي زمان أو مكان.
القصة يرويها الفضل بن الربيع، أحد أتباع هارون الرشيد وخاصته، فيقول: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأتاني فخرجت مسرعاً، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله. فقلت ها هنا «سفيان بن عيينة». فقال امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت الباب فقال: من ذا?.. فقلت: أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك.
فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.. فحدثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟، قال نعم فقال: أبا عباس اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغني عني صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله. فقلت له ها هنا «عبدالرزاق بن همام». قال امض بنا إليه، فأتيناه فقرعت الباب. فقال: من هذا?
قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. قال خذ لما جئناك له.. فحادثه ساعة ثم قال: له عليك دين قال نعم قال: أبا عباس اقض دينه.
فلما خرجنا، قال: ما أغني صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله. قلت: ها هنا «الفضيل بن عياض». قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا وهو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها. فقال: اقرع الباب، فقرعت الباب. فقال بن عياض: من هذا فقلت: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟.
فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة?، فقال: أليس قد روي عن النبي، صلي الله عليه وسلم، انه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه. فنزل ففتح الباب ثم إرتقي إلي الغرفة فأطفأ المصباح ثم التجأ إلي زاوية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه. فقال بن عياض: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل. فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال هارون له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
فقال ابن عياض: إن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبدالله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة.. فقال له سالم بن عبدالله: «إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت»، وقال له محمد بن كعب القرظي: «إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخاً وأصغرهم عندك ولدا، فوقر أباك، وأكرم أخاك وتحنن علي ولدك»، وقال له رجاء بن حيوة: «إن اردت النجاة غداً من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت».
وإني أقول لك إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك، رحمك الله، من يشير عليك بمثل هذا?، فبكي هارون بكاء شديداً حتي غشي عليه، فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين.
فقال: يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك، وارفق به أنا. ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله.
فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبدالعزيز، شكا إليه، فكتب إليه عمر:

يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. قال فلما قرأ الكتاب طوي البلاد حتي قدم علي عمر بن عبدالعزيز. فقال له ما أقدمك قال خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلي ولاية أبدا حتي ألقي الله عز وجل.
فبكي هارون بكاء شديداً ثم قال له: زدني رحمك الله. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفي، صلي الله عليه وسلم، جاء إلي النبي، صلي الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله أمرني علي إمارة. فقال له النبي، صلي الله عليه وسلم، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت ألا تكون أميراً فافعل».
فبكي هارون بكاء شديدا وقال له: زدني رحمك الله. فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة. فبكي هارون وقال له: عليك دين؟. قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن ألهم حجتي.
قال: إنما اعني دين العباد. قال إن ربي لم يأمرني بهذا أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره فقال، عز وجل: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين». فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها علي عيالك وتقو بها علي عبادتك. فقال: سبحان الله أنا أدلك علي طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا? سلمك الله ووفقك.. ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا علي الباب.
قال هارون: أبا عباس إذا دللتني علي رجل فدلني علي مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت يا هذا قد تري ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسي أن يقبل المال.. فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح علي باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلي جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينما نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف رحمك الله فانصرفنا.
[email protected]