رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لوجه الله

عرفات.. ما أحلي الوقوف عليك!

أحمد ابوزيد

الأربعاء, 24 أكتوبر 2012 00:13
بقلم: أحمد أبوزيد

غداً يقف ملايين الحجيج علي عرفات الله، في مشهد مهيب عجيب، يلبسون ثوباً واحداً يسوده البياض، ويلهجون بالتلبية والدعاء إلي الله، وقد جاءوه شعثاً غبراً من كل فج عميق قاصدين بيته الحرام الذي تهفو إليه القلوب المؤمنة.

ولم أر فيما قرأت من أدبيات الحج وصفاً لعرفات أجمل مما قاله الشيخ علي الطنطاوي شيخ أدباء الشام، وجاحظ القرن العشرين، هذا العالم الجليل الذي عاش حياة حافلة مديدة، زادت علي تسعين عاماً، ومارس مهناً متعددة، منها: التجارة، والتعليم، وإمامة المسجد، والصحافة، والقضاء، ثم انتهي إلي التدريس الجامعي والدعوة الإسلامية.
فعندما نقف عند «ذكريات الطنطاوي» نجده يتحدث عن مكة، العاصمة الروحية للمسلمين، فيقول: مكة أمِّ القري، وقبلة المسلمين، ومبعث النور، وأحب البلاد إليّ بعد بلدي؟! لا، بل قبل بلدي، فهي بلدي الأول، وبلد كل مسلم، ما يسرني أن يسلم بلدي بأذاها، بل إني أدفع عنها الأذي ببلدي وداري وأهلي، لأنها إن سلمت فكل شيء سالم، وإن أصابها شيء لم يسلم لنا بعدها شيء، لأنها تكاد تكون لنا كل شيء.
ثم يقول: أرأيتم المغناطيس كيف يجذب قطع الحديد من حوله، كذلك تجذب مكة الناس، ولست أدري لماذا يذهب أهلها، فيسيحون في البلدان، والبلدان كلها تكون كل سنة هنا؟!. تدور حول هذا البيت من الغرب إلي الشرق، كما تدور الأفلاك علي قطبها، فكأن كل حاج كوكب، وهذا المطاف هو الفضاء الأرحب الذي تسبح فيه النجوم والكواكب.
ويتحدث الشيخ الطنطاوي في ذكرياته عن عرفات بأسلوب أدبي راق، مبيناً ما يتجلي فيه من روحانيات

ومساواة بين الناس، فيقول: عرفات، إنها لن تري عينُ البشر مَشهدًا آخَرَ مثله، هيهاتَ ما في الدنيا ثانٍ لهذا المشهد العَظيم، ولقد يجتمع في المعارض والألعاب الأوليمبية، واحتفالات التتويج في بلاد الغرب حُشود من الناس، ولكن شتانَ ما بين الفريقينِ، أولئك جاءوا للمتعة والفرجة والتجارة، وحملوا معهم دُنْياهم، وقصدوا بَلدًا زاخرًا بأسباب اللذة والتَّسلية، وهؤلاء خَلَّوْا دنياهم وراء ظُهُورهم، ونزعوها عن أجسادهم ومِنْ قلوبهم، وقصدوا بلدًا قَفْرًا مُجْدِبًا، صحراءَ ما فيها ظلٌّ، ولا ماء، لا يريدون إلا وَجْه الله.
وعرفات مَشهدٌ لو كان يَجوز أن يشهده غير مسلم لاقْتَرَحْتُ أن تجعله هيئة الأمم المتحدة عيدها الأكبر، إذْ هنا أُعْلِنَتْ حقوق الإنسان، لا كما أُعْلِنَتْ في الثورة الفرنسية، ولا كميثاق الأطلنطي الذي كتب علي الماء، أعلنت قبل ذلك بأكثر من ألف سنة، وطُبّقَتْ حقيقةً يوم قام سيدنا محمد - صلي الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فأعْلَن الحرية، والمساواة، وحُرْمة الدماء، والمساكن، ووصّي بالنساء، وقَرّر لهن من ذلك اليوم الاستقلال الشخصي والمالي، مع أنَّ أكثر قوانين الأرض المدنية، لا تقر للمتزوجة في أموالها هذا الحق، وكان هذا المشهد في كل سَنة دليلاً قائمًا يَمْلأ عُيون البشر وأسماعهم علي أن ما قرَّرَه محمدٌ، صلي الله عليه وسلم، قد طُبّقَ أكمل التطبيق.
مشهد عرفات يهدم الفروق كلها، فروق الطبقات، وفروق الألوان، وفروق الأجناس، الناس كلهم إخوة، لا ميزة لأحد علي أحد إلا بالعمل الصالح، وإذا كان اللباس الرسمي في الحفلات والمواقف الرسمية ما تعرفون، فاللباس الرسمي هنا قطعتان من قماش فقط، لا خياطة، ولا أناقة، ولا زخرف، ولا يفترق في هذا المقام أكبرُ مَلِك عن أصغر شَحَّاذ.. إنه مشهد عجيب، إنه أُعْجُوبة الأعاجيب.
ففي عرفات وقف سيد العالم، صلي الله عليه وسلم، في حجة الوداع يعلن حقوق الإنسان، وقرر مبادئ السلام، ونشر الأخوة والعدالة والمساواة بين الناس قبل أن تنشرها فرنسا بألف عام.
وهنالك وقف يعلن إتمام الرسالة الكبري التي بعثه الله بها إلي الناس كافة، ويتلو قوله عز وجل: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا»، ويبعث صحابته ليحملوا هذه الرسالة إلي آخر الأرض، ثم يحملوها إلي آخر الزمان. فحملوها فأنشأوا بها هذه الحضارة التي استظل بظلها الشرق، ويستظل بظلها الغرب.
عشرات وعشرات من آلاف الخيام في عرفات، تحتها أقوام من كل بُقْعة في الأرض، لا يجمعهم لون، ولا لسان، ولا بلد، ولكنهم لا يقفون ساعة حتي يحسّ كلٌّ واحد أنه أخٌ للآخر، أعزُّ عليه من أخيه لأمه وأبيه، إخوان وحَّدتْهُمُ العقيدة، ووحدتهم القبلة، وربما عادي الأخ أخاه حقيقة إن لم يكن دينه من دينه، ومذهبه من مذهبه؛ لأن أُخُوَّةَ الدين والمذهب أقوي من أخوة النسب. إنهم يَضِجُّون بكل لغة، يهتفون جميعًا، لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك.
إن الحج هو الدَّوْرَةُ التدريبية الكبري، التي تقوي الأجسام والأَرْوَاح، وتُربِّي الأجساد والقلوب، وتعد للحق جيشًا جُنده مُتمرِّسُون بالشدائد، حَمّالُون للمَصاعِب، سامُون بأرواحهم إلي حيث لا تستطيع أن تبلغ مداه روحٌ.. إن الحج عَيْشٌ في تاريخ المَجْد في سيرة الرسول، في سماء الإيمان، إنه النهر الذي يغسل أَوْضَار الناس، إنه الرئة التي تُصفِّي الدم، وتَردُّه أحمر نظيفًا مملوءًا بالصحة والحياة.. إنه المؤتمر الإسلامي الأكبر.
[email protected]