رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

2 مليون مواطن فى انتظاره

مجمع الأطراف الصناعية.. «قبلة حياة» لذوى الإعاقة الحركية

تحقيقات وحـوارات

السبت, 12 نوفمبر 2022 09:55
مجمع الأطراف الصناعية.. «قبلة حياة» لذوى الإعاقة الحركية
تحقيق: رحمة محمود

فى يناير الماضى، عقد الرئيس السيسى اجتماعاً لمتابعة الموقف التنفيذى لإنشاء مجمع صناعى للأجهزة التعويضية وذلك لدراسة المجمع بكل مكوناته سواء التدريب أو الإنشاء أو تجهيز المعدات التى ستستخدم أو حتى الكوادر البشرية التى ستعمل فى هذا المشروع الضخم، وبعد شهور من هذا الاجتماع وبعد دراسة دقيقة للمشروع الضخم الذى سيوفر الأطراف الصناعية والأجهزة المجمعة بمواصفات عالمية، أعطى الرئيس فى سبتمبر الماضى إشارة البدء لإنشاء المجمع بالتعاون مع الشركات الأجنبية العريقة فى هذا المجال، وذلك لدعم المواطنين من ذوى الاحتياجات الخاصة ومساعدتهم على الحياة اليومية بشكل طبيعى، ولتهيئة مرافق الدولة للتعامل معهم طبقاً للأكواد العالمية فى هذا المجال.

ويعد هذا المشروع بمثابة طوق نجاة لما يقارب من 1.5مليون إلى 2 مليون مواطن من ذوى الإعاقة الحركية، مسجل منهم لدى وزارة التضامن الاجتماعى فعليًا 620 ألف مواطن وهم بحاجة إلى أجهزة تعويضية ليستطيعوا ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

ولقيت فكرة إنشاء مجمع إنتاج الأطراف الصناعية ترحيباً كبيراً من قبل ذوى الإعاقة الحركية، خاصةً أن عدداً كبيراً منهم عانى لسنوات طويلة من الأجهزة التعويضية المستوردة التى يتم بيعها فى الشركات الخاصة والمصانع بأسعار باهظة، لا يقدر على شرائها إلا الأغنياء، أما البسطاء فلا سبيل لديهم إلا الأجهزة التعويضية محدودة الإمكانيات، والتى تكون اضرارها فى الغالب أكثر من فوائدها، وعادةً لا يتم صرفها بسهولة للمعاق إلا بعد أن يقدم شهادة «فقر» للوزارة تفيد بأنه لا يملك أى عقارات سكنية أو ممتلكات.

«الوفد» فتحت ملف الأجهزة التعويضية لتتعرف بشكل أكبر على أبرز التحديات التى يواجها ذوو الإعاقة، ولماذا ظلت الأجهزة المستوردة لسنوات طويلة متفوقة على الصناعة المحلية رغم أن سعره أغلى من المحلي؟

أحمد نبيل، 52 عاماً، واحد من الآلاف من ذوى الإعاقة الذين دفعه جسده الوهن إلى الاستعانة بكرسى متحرك حتى يستطيع أن يتحرك بسهولة ويتنقل من مكانه لآخر كأى كانسان طبيعى، وذلك بعد أن تسببت إصابته بشلل الأطفال فى عجزه فى سن مبكرة، فأكد أنه جرب الكرسى محلى الصنع لكنه لم يشعر بالارتياح خاصة أنه ثقيل الوزنه ويصعب تحريكه، أما مثيله المستورد فيتميز بقوته وخفته خاصةً أنه مصنوع من الألومنيوم.

ولأن المنافسة فى سوق الأجهزة التعويضية بين المستورد والمحلى الذى تقدمه الدولة للمرضى من خلال المراكز التابعة لمعهد التأهيل الحركى، والتى عادة يتم صرفها بعد قرار العلاج بالمجان توافق عليه وزارة الصحة، عادة ما تحسم للمستورد باهظ الثمن، فإن «نبيل» رأى أن خطوة مجمع الأطراف الصناعية ستوفر عليه وعلى أمثاله تعب ومعاناة كانت لا تنتهى خاصةً أن الأجهزة التعويضية المستوردة باهظة الثمن ثفوق قدرات الكثير منهم.

ونوه إلى أن بعض ذوى الإعاقة الحركية يضطرون فى بعض الأحيان لشراء أطراف صناعية جودتها أقل، ولا تصلح للاستخدام لفترة زمنية طويلة، فلا تمر شهور قليلة إلا وتنكسر أو يفسد أى جزء منها وتصبح غير قابلة للاستخدام، لذلك يضطر لشراء غيرها، أو من الممكن أن يلجأ للجمعيات الخيرية لشراء كرسى متحرك يساعده على الحركة ويكون خفيف الوزن ويسهل استخدامه.

المشاكل والحل

لعقود طويلة أهملت صناعة الأطراف الصناعية المحلية والقائمين عليها، ما فتح الباب على مصراعيه أمام العديد من الشركات الخاصة والتى عادةً ما تكون غير خاضعة للإشراف الطبى ويديرها اشخاص غير متخصصين، إلى الاعتماد على الأجهزة التعويضية المستوردة والتى يجهل معظم فنيى الأطراف الصناعية طريقة التعامل معها، مما يتسبب فى أضرار جسيمة تؤثر على صحة المرضى، وما يزيد الوضع سوءاً أنه ليس هناك جهة تلزم الشركات بتدريب الفنيين العاملين معها فى مجال الأجهزة التعويضية.

وفى هذا الأطار، أكد الدكتور حمدى أحمد سيد، استاذ مساعد بكلية الخدمة الاجتماعية جامعة اسيوط أن المشاكل الطبية الناجمة عن عدم جودة الأجهزة المصنعة محلياً لا حصر لها وكانت سبب فى معاناة ذوى الإعاقة لعقود طويلة، نظراً لعدم قدرتهم على التعامل مع الأجهزة بشكل سليم، فضلاً عن حالتهم النفسية السيئة نتيجة شعورهم بالعجز وقلة الحيلة وعدم القدرة على الحركة بشكل طبيعى.

وأشار إلى أن صناعة الأطراف الصناعية أهملت لعقود نظراً لعدم احترافية القائمين على تصنيعها بمراكز التأهيل المحلية وعدم تخصصهم، مشيراً إلى أن الجهاز التعويضى المستورد، يتكون من عدة أجزاء منفصلة يتم شراؤها من الخارج، ثم تقوم بعض الشركات أو المراكز الطبيبة بتجميعها وتركيبها داخل مصر.

فى السياق ذاته، قال: محمود ياسين، متخصص فى الأطراف الصناعية بمنطقة قصر العينى: «إن سعى الدولة فى هذا الوقت لإنتاج الأجهزة التعويضية ضرورة لا غنى عنها نظراً لأنها البديل الوحيد لتعويضهم عما تسببت الظروف فى فقدانه سواء كان ذراعاً أو قدماً أو شللاً أفقدهم قدرتهم على الحركة، مشيراً إلى أن أعداد الأشخاص المعرضين للإعاقة تزداد سنوياً سواء بسبب الإصابة بمرض السكر الذى قد يتسبب فى بتر القدم، أو بسبب عمليات البتر الناتجة عن الحوادث اليومية.

وأشار إلى أن هناك آلاف المرضى الذين يشترون أطرافاً صناعية بآلاف الجنيهات، ولكنها لا تكون صالحة للاستخدام ما يجعل حياتهم مهددة، لافتاً إلى أن سوق الأطراف الصناعية غير خاضع للرقابة الطبية، علاوةً على أن معظم العاملين فى السوق غير حاصلين على تراخيص وغير مؤهلين للعمل بها.

وعن أسعار الأطراف الصناعية، قال: تبدأ من 4000 جنيه للطرف تحت الركبة، بينما فوق الركبة يصل ثمنه إلى 8 آلاف جنيه، بينما الذراع المودلر( ذراع إلكترونى يفتح ويغلق) ثمنه 12 ألف جنيه، لافتاً إلى أن هناك أطرافاً إلكترونية تصل قيمتها إلى 75 ألف جنيه، بينما الكرسى المتحرك العادى ثمنه 2500 جنيه أما الإلكترونى منه فيبدأ من 12500 جنيه.

ونوه إلى أن أسعار المستورد تختلف من يوم إلى آخر بسبب ارتفاع سعر الدولار، مشيراً إلى أن المستورد ليس كله يتميز بارتفاع الأسعار، فهناك أجهزة تكون أسعارها معقولة تناسب العديد من الفئات الفقيرة، منها النوع الصينى والذى عادةً يكون مطلوباً فى السوق نظراً لانخفاض سعره.

وأوضح أنه من الطبيعى أن تكون الأجهزة التعويضية المستوردة أغلى من نظيرتها المحلية، وعلى رأسها الكراسى المتحركة لأن جودتها تكون أعلى، فضلاً عن أن الدولة لا تنتج هذه الأجهزة بكميات تكفى السوق المحلى، فمثلاً المصانع تنتج لدينا من 20 لـ30 كرسى متحرك فى الشهر، فى حين أن الصين تنتج منه 100 ألف شهرياً، وبالتالى هذه الفجوة بين المعروض والمطلوب كانت سبباً فى الاعتماد على المستورد خاصةً أنه أرخص مقارناً بالمحلى، بالإضافة إلى أن التاجر يستطيع أن يحقق منه هامش ربح معقول وهذا عكس المحلى الذى تكون إمكانياته أقل وثمنه أعلى.

ولفت ياسين إلى أن أفضل المنتجات المعروضة فى السوق هى التركية والألمانية والأمريكية والروسية، ولكن أسعارها عالية مقارناً بالمنتج الصينى الذى يؤدى نفس الغرض، مشيراً إلى أنه المنتجات المستورد لا يمكن أن تؤذى المرضى أو تكون سبباً فى حدوث أضرار لهم، ولكن المشكلة الأساسية تكمن فى سوء الاستخدام وعدم تأهيل بعض الفنيين العاملين فى الشركات على

التعامل مع هذه الأجهزة والمرضى، وبالتالى بعضهم يتسبب فى أخطاء فنية مثل خطأ القياس أى يتم أخذ مقاسات الأطراف الصناعية للمرضى بشكل خاطئ ما يضر المريض.

واستكمل حديثه قائلاً إنه فى سنوات سابقة كانت هيئات التأمين الصحى تتعاقد مع الشركات العاملة فى مجال الأطراف الصناعية لصرف مستلزمات المرضى من الأجهزة التعويضية على نفقة الدولة، لكن قيمة الكلفة التى تتحملها الدولة كانت تصل إلى 1000 جنيهاً، وبالتالى يصرف الجهاز المخصص للمريض فى حدود القيمة المالية التى حددتها الوزارة وفى حال رغب المريض فى إمكانيات أعلى يدفع فارق السعر على نفقته الخاصة، مشيراً إلى أن هناك آلاف المرضى يفضلون تحمل تكلفة أجهزتهم التعويضية على نفقتهم الشخصية خاصةً أن الإمكانيات المقدمة من التأمين تكون محدودة، ولا يشعر المريض بالارتياح معها وبعد أيام قليلة من استلامها يبحث عن بديل مريح.

وأكد «ياسين» أن الأطراف الصناعية ساعدت الكثيرين على متابعة الحياة بشكلٍ شبه طبيعى دون الحاجة لمساعدة الآخرين، لافتاً إلى أن تقنيات صناعة وتركيب الأطراف الصناعية تطورت بشكل ملحوظ فى السنوات الأخيرة لتناسب مختلف الحالات الطبية، حيث تتشابه الأطراف الصناعية مع بعضها مهما اختلفت التقنيات والمواد المستخدمة فى تصميمها أو تركيبها.

ولفت إلى أن الطرف الصناعى يتكون من مقبس يلائم الطرف المبتور، وحامل للطرف الصناعى، ومحور الطرف الصناعى الذى يعطيه الطول، واليد أو القدم أو نهاية الطرف الصناعى، ثم غلاف تجميلى ليبدو بشكلٍ جيدٍ وهو غالبًا يكون بشكل الجلد ليبدو طبيعيًّا قدر الإمكان.

وأوضح أن مقبس الأطراف الصناعية يصنع غالبًا من موادٍ تساهم فى حماية الطرف المبتور، مثل الاسفنج أو السيليكون، كما يغطى بغلاف شبيه بالجوارب لزيادة الراحة فى الحركة وزيادة الحماية.

مضاعفات

وفى نفس السياق، أكدت الدكتورة سلوى علاء متخصصة فى العلاج الطبيعى بمستشفى بولاق الدكرور أن هناك مضاعفات تنتج عن تركيب طرف صناعى غير صالح للاستخدام أو ردىء الجودة، منها: التسبب فى احتكاك فى الجلد، ما ينتج عنه حساسية فى الجزء المبتور نظراً لأنه حساس للغاية ويتأثر بسهولة، فضلاً عن عدم قدرة المريض على السير بالطرف أو التحرك به.

وأكدت أن هناك أنواعاً عديدة من الأطراف الصناعية فى الأسواق، تختلف عن بعضها البعض فى التكلفة، أى كلما يرتفع سعر المنتج تزداد جودته وتكون كفاءته افضل للاستخدام، فضلاً عن أنه يكون مشابهاً تماماً للطرف الطبيعى ولايفرق عنه شيئاً، كما يمكن المعاق من الحركة بسهولة والتصرف كشخص طبيعى.

وتابعت: «تركيب الأطراف الصناعية يتم تحت إشراف الطبيب المختص بمتابعة حالة المريض، وبالتنسيق مع المهندس أو المصنع المختص، حيث يتم أخذ مقاسات الشخص وقياس طوله ووزنه، لكى يتم تركيب طرف مناسب لجسمه كى لايعيقه عن الحركة فى حال عدم توازن الطرف مع جسده، ما يجعله يقع فى مشكلة أكبر إذا كان الطرف غير مناسب له ومن المحتمل أن تزداد إعاقته.

وأشارت إلى أنه تم إدراج الأطراف الصناعية فى بداية عام 2017 ضمن قرارات العلاج على نفقة الدولة، والأنواع المتوفرة فى التأمين الصحى محلية الصنع وعادة يتم توريدها من خلال مناقصة بأسعار قليلة لاتتجاوز 1000 جنيه للطرف تحت الركبة.

ولحل كافة هذه المشاكل التى تواجه منظومة الأطراف الصناعية، كان مشروع إنشاء المجمع الصناعى بمثابة نقطة البداية التى ستنطلق منه الدولة، لتنفيذ خطتها لإنهاء معاناة ذوى القدرات الخاصة وتوفير كافة مستلزماتهم بأسعار معقولة، فتم الاستعانة بالخبرات الأجنبية المتميزة لنقل التكنولوجيا، وامتلاك القدرة الوطنية للتصنيع والإنتاج باستخدام أفضل الخامات العالمية للحصول على منتج عالى الجودة، فضلاً عن توفير برامج التأهيل للتدريب على استخدام تلك الأطراف وفقاً لأحدث المعايير الدولية، وإدماج التخصصات الأكاديمية المتعلقة بالأجهزة التعويضية والعلاج الطبيعى فى مناهج الكليات العلمية الحديثة التى أنشأتها الدولة ضمن سلسلة الجامعات الجديدة، بهدف تكوين حاضنة تكنولوجية تسخر لصالح المجمع الصناعى المزمع إنشاؤه لإنتاج الأطراف الصناعية بما يساعد على تحقيق الهدف المنشود بتقديم حزمة موحدة ومتكاملة من الخدمات الطبية عالية المستوى للمواطنين من ذوى الإعاقة الحركية على أساس علمى سليم، سعياً نحو رفع المعاناة عنهم.

يذكر أنه تم التخطيط لعمل حصر إلكترونى لإنشاء قاعدة بيانات لذوى الإعاقة واستقبال طلبات التسجيل للحصول على الطرف الصناعى أو الجهاز التعويضى، بحيث تشمل القاعدة أعداد المستهدفين بدقة وبياناتهم كالنوع والسن والوزن والطول، ومنطقة السكن، والطابق الذى يسكن فيه، والمستوى الاقتصادى وطبيعة العمل أو الدراسة، فضلاً عن قيام مراكز الطب الطبيعى والتأهيل بإجراء الكشف الطبى على المتقدمين للحصول على جهاز تعويضى أو طرف صناعى، لتصنيع الأطراف الصناعية بالكامل من خلال المصانع المطورة بعد إجراء الكشف الطبى وأخذ القياسات الملائمة لكل شخص متقدم.