رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

المفكر السياس د. أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية:

«الربيع العربى».. سبب تدهور أوضاع المنطقة

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 03 نوفمبر 2022 08:27
«الربيع العربى».. سبب تدهور أوضاع المنطقةالدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية
حوار - صابر رمضان: تصوير: أحمد بسيونى

التنظيمات الإسلامية ركبت موجة الثورة فى البلاد العربية

 

 

الدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أحد أكبر المتخصصين فى العلاقات الدولية والشئون العربية، فهو يتمتع برؤية عميقة تستند إلى الموضوعية إزاء العديد من القضايا الشائكة على المستوى الإقليمى والدولى.

 

حصل «يوسف» على ماجستير من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة 1974م وموضوع الرسالة «السياسة الخارجية السوفيتية تجاه إسرائيل» «1948-1956»، ثم نال درجة الدكتوراه من الكلية نفسها عام 1978م فى موضوع «الدور المصرى فى اليمن 1962-1967م»، وكان ذلك بإشراف من الدكتور بطرس غالى بين عامى «1974-1978».

رأس «يوسف» اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، كما شغل منصب معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهى إحدى منظمات جامعة الدول العربية«1993-2013» ونائب مدير مركز الدراسات والبحوث السياسية بجامعة القاهرة «1987-1993» وعمل أستاذًا ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء «1983-1987» وكان باحثًا زائرًا بمعهد ماساسوستش للتكنولوجيا «1979-1980».

 

«30 يونية» ثورة شعبية أنقذت الدولة المصرية

 

«الوفد» التقت الدكتور أحمد يوسف عميد معهد الدراسات العربية سابقًا ليلقى الضوء على العديد من القضايا الراهنة فى الوطن العربى والعالم، وهذا نص الحوار.

 

< بداية.. كيف ترى العالم العربى فى المرحلة الراهنة وهل أدت ثورات الربيع العربى إلى الحال الذى وصل إليه العرب؟

- لا يختلف اثنان على أنَّ الوضع العربى الآن يمر بواحدةٍ من أسوأ مراحله، للأمانة الأوضاع العربية قبل الربيع العربى كانت بالغة السوء، وهناك أسباب عديدة لهذا السوء تسبق الربيع العربى، فيمكن القول إنَّ تداعيات ما سمى بـ«الربيع العربى» لعبت دورًا فى تفاقم الأوضاع العربية السيئة، فنحن نلاحظ من متابعة تطور الأوضاع العربية أنه فى كل عقد من العقود تقريبًا توجد أزمة، فإذا بدأنا مع بداية النظام العربى سنجد أنَّ عقد الأربعينيات شهد هزيمة 1948م، وعقد الستينيات شهد هزيمة 1967، وعقد السبعينيات شهد الانقسام المصرى العربى حول التسوية السياسية مع إسرائيل، أما عقد الثمانينيات فشهد الحرب العراقية الإيرانية وتحدياتها، وعقد التسعينيات بدأ بكارثة غزو الكويت، وفى مطلع العقد الأول من القرن الحادى والعشرين كارثة الغزو الأمريكى للعراق، والحقيقة أنَّ هذا الغزو بالذات كانت آثاره فادحة على النظام العربى، لأنَّ السياسة الأمريكية بعد احتلال العراق عملت على تفكيك الدولة والمجتمع فى العراق، وأذكت البعد الطائفى الذى يعانى منه النظام العربى حتى الآن، وأوجدت فراغًا استغلته التنظيمات الإرهابية لتحدث نقلة نوعية فى الظاهرة الإرهابية، لأول مرة تعلن دولة للإرهاب فى المنطقة وتدوم ثلاث سنوات، فكل هذه تطورات سلبية سابقة على الربيع العربى، وبالطبع الانتفاضات الشعبية مع بداية العقد الثانى من القرن العشرين فاقمت الوضع، نحن كنا فى البداية فى شدة الأمل من أن تؤدى هذه الانتفاضات إلى تحسين أوضاع النظام العربى، لأنه كما نعلم جميعًا هذه الانتفاضات تفجرت أولاً فى الدول التى طال فيها أمد الحكام فى الحكم، تونس ربع قرن، ليبيا أربعة عقود، مصر ثلاثة عقود، اليمن أربعة عقود، وفى سوريا نستطيع القول إنه عندما حدثت الانتفاضات فى العقد الثانى كان أربعة عقود، إذا اعتبرنا أن نظام الرئيس بشار الأسد امتداد لنظام والده الرئيس حافظ الأسد، فكان لدينا الأمل أنه بما أنَّ الانتفاضات تركزت فى الدول التى افتقدت إلى الديمقراطية أن تفضى نتائج الربيع العربى إلى التحسين فى أوضاع النظام العربى، لكن - للأسف - ما حدث كان العكس تمامًا.

الدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية

مصر لا تطلب سوى حقها فى مياه النيل.. ومطلوب ضغط دولى على إثيوبيا

 

< ... ولماذا؟

- لأن القوة التى فجرت الانتفاضات لم تكن منظمة، كانت شديدة التفتت، أو آل بها المآل إلى التفتت الشديد، بينما كان لدينا تنظيمات جاهزة لكى تركب الموجة وهى التنظيمات الاسلامية، وبالتالى حدث ما رأيناه من صعود للتيار الإسلامى فى أجزاء عديدة من الوطن العربى، فصعدوا فى تونس، تولوا الحكم بمفردهم سنة كاملة فى مصر، المعارضة لنظام الرئيس بشار الأسد كانت بالأساس معارضة تتستر بالاسلام، وجلها تنظيمات إرهابية، حتى فى اليمن كانت المعارضة أيضًا تعتبر معارضة دينية، عبر إسلام شيعى يستند إلى الحركة الحوثية التى تتبع فرعًا من المذهب الزيدى هو أقرب ما يكون إلى مذهب ولاية الفقيه فى إيران، فما حدث بعد انتفاضات الربيع العربى، إنه على العكس مما كنا نتوقعه من تحسن فى أوضاع النظام العربى، حدث تدهور شديد، وحدث عدم استقرار، حدثت حروب أهلية، مازال بعضها موجودًا حتى الآن، فى اليمن وسوريا وليبيا، وبالتالى ما أعتقده أن ما يسمى بالربيع العربى مسئول عن تفاقم أوضاع سيئة كانت موجودة بالفعل قبله.

 

المشهد العراقى محزن.. وآن الأوان لعودة سوريا إلى الجامعة العربية

 

< وسط حروب الجيلين الرابع والخامس.. ما أهم التحديات الرئيسية التى تواجه مصر ومنطقة الشرق الأوسط حاليًا؟

- مصر واجهت تحديات بالغة الخطورة، إذا بدأنا بثورة يناير أو انتفاضة يناير، وأول تحدٍ كان تحدى الإرهاب بعد الإطاحة الشعبية المدعومة من القوات المسلحة بحكم الإخوان المسلمين، وهذا كان أول تحدٍ، وهو أخطر تحدِ لسبب أن الإرهاب مجرد طلقات نار أو حرائق توجه لأفراد، ولكن الإرهاب فى الحقيقة كان موجهًا لكيان الدولة المصرية ذاتها، فإذا تصورنا - لا قدر الله - أنَّ الدولة المصرية كانت قد عجزت عن مواجهة الهجمة الإرهابية فإن السيناريو أو المسرح مجهزًا لتفتيت الدولة المصرية، وهذا كان أخطر تحدٍ والحمد لله أنَّ الدولة المصرية العريقة والقيادة الحازمة الواعية وقدرات القوات المسلحة وقوات الأمن المصرية وأهم من ذلك الدعم الشعبى للمعركة ضد الإرهاب، انتصرت على هذا التحدى، أما التحدى الثانى، وهو تحدى العزلة الدولية، لأنَّ الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين أوجدت انطباعًا خاطئًا لدى البعض أنَّ ما حدث هو انقلاب عسكرى، وفى الحقيقة هذا شىء لا يصدقه عقل، لأنَّ ما تم فى 30 يونيه 2013 والأيام التى أعقبت ذلك اليوم التاريخى هو ثورة شعبية بكل المقاييس، كل ما فى الأمر أن القوات المسلحة المصرية ككل تاريخها انحازت إلى الشعب، ولهذا حدث اللبس غير المفهوم أنَّ هذا انقلاب وليس ثورة، وبالتالى حدث ما رأيناه من تعليق لعضوية مصر فى الاتحاد الإفريقى ومواقف اتخذتها بعض الدول الكبرى وليس كلها من مصر، ولذلك كان هذا التحدى هو التحدى الثانى، والحمد لله أنه مع استقرار الأوضاع فى مصر ومع اتضاح طبيعة ما حدث فإنَّ حلقة هذه العزلة الدولية بدأت تتفكك شيئًا فشيئًا حتى وصلنا الآن إلى المرحلة التى تعتبر فيها مصر فى قلب السياسة الدولية، لا نزعم أن مصر تحرك السياسة الدولية ولكنها أصبحت قوة يُعترف بها بأنها ذات تأثير، وهناك أمثلة فى الصراع العربى الإسرائيلى، الرئيس الأمريكى بعد أن كان يدلى بتصريحات متحفظة تجاه مصر وما إلى هذا يوجه الشكر للرئيس «السيسى» على الدور الذى يلعبه فى الحفاظ على الهدوء والسلام فى الشرق الأوسط، كما أن الدور المصرى الراهن فى إفريقيا غنى عن التعريف، وأذكّر بالاتفاق الذى حدث بين مصر والاتحاد الأوروبى مؤخرًا فيما يتعلق بأنَّ مصر ستستقبل شحنات الغاز من إسرئيل وتسيلها وتعيد تصديرها إلى أوروبا فى وقتٍ يشهد أزمة طاقة هائلة، ورئيسة المفوضية الأوروبية نفسها قالت: إنَّ مصر أصبحت قوة يعتمد عليها ويوثق بها، ثم أذكر بموقف الرئيس «السيسى» فى قمة جدة للأمن والتنمية وخطابه الشامل الذى عرض فيه لموقف مصر من أهم قضايا السياسة الخارجية، وأخيرًا الموقف المتوازن لمصر من الحرب الحالية التى تدور بين روسيا وأوكرانيا ظاهريًا، لكن بين روسيا والتحالف الغربى، فمصر والحمد لله أصبحت فى قلب السياسة الدولية، أما التحدى الثالث فهو تحدى التنمية الاقتصادية، والحقيقة - وإن كنت لست متخصصًا فى الاقتصاد - أعتقد أننا نشهد الطفرة التى تشهدها عملية التنمية الاقتصادية فى مصر، هناك بالطبع جدال حول الأولويات لكن لا نستطيع أن ننكر ما يتحقق من معدلات نمو وإنجازات، كنت أتمنى أن أكون متخصصًا فى الاقتصاد لكى أقول بشأنه رأيًا علميًا لكن لا أعتقد أن أحدًا يمكن أن ينكر ما تحقق على هذا الصعيد، طبعًا نحن نعانى الآن من أزمة اقتصادية طاحنة، لسنا السبب فيها أو بالأدق وحدنا السبب فيها، فكلنا يعلم ما أدت إليه الحرب الحالية على الأرض الأوكرانية من زيادة فى أسعار الطاقة والغذاء، من ارتباك اقتصادى عالمى، وإذا كنا نعانى من أزمة اقتصادية حقيقية، فلنا أن نلقى نظرة على أوروبا والدول الأوروبية، وهى كلها من الدول شديدة التقدم، وتعانى الآن من موجة تضخم هائلة ومن عُسر فى الحياة اليومية، فلسنا وحدنا.

 

الصراع بين روسيا وأوكرانيا «حرب عالمية ثالثة»

الدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية

< ما الظواهر الجديدة التى من الممكن أن تخلفها الحرب الروسية الأوكرانية وهل ستشهد تحالفات جيواستراتيجية عالمية جديدة؟

- طبعًا.. الحرب الروسية - الأوكرانية ما عاد من الممكن أن تسمى هذا الاسم، لأنها فى تقديرى حرب عالمية كاملة، هى حرب بدأتها روسيا لكى تدافع عما تعقد أنه أمنها، نعلم جميعًا أنه بعد تفكك الاتحاد السوفيتى والتدهور الحاد الذى أصاب روسيا فى العقد الذى تلا تفكك الاتحاد السوفيتى، نعلم جميعًا كيف استغل حلف الأطلنطى الفرصة لكى يتوسع شرقًا فى اتجاه الحدود الروسية حتى أنه ضم كل أعضاء حلف وارسو السابقين، الذى كان الحلف المناظر لحلف الأطلنطى إبان الحرب الباردة حتى أنه ضم أعضاء من جمهوريات سابقة للاتحاد السوفيتى، جمهوريات البلطيق «إستونيا ولاتفيا وليتوانيا» ولم يبق إلا أوكرانيا التى تعد تاريخيًا - على الأقل فى بعض المراحل- جزءًا من روسيا، وبالتأكيد كانت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتى، فلماذا لم تنتفض روسيا عندما انضمت جمهوريات سوفيتية سابقة إلى حلف الأطلنطى فى عام 2004 عندما كانت روسيا لا تزال فى حالة من الضعف، لم يكن قد مضى على تولى بوتين الرئاسة إلا أربع سنوات، وكانت روسيا لا تزال فى حال لا يمكنها من هذا التحدى، ثم إن «لتوانيا ولاتفيا وإستونيا» أصلا ليست جمهوريات سوفيتية، هى ضُمت للاتحاد السوفيتى بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالى، عندما وجدت روسيا أن الأمور تصل إلى حد أن يصل حلف الأطلنطى إلى حدودها المباشرة أخذ الرئيس بوتين يطالب بنوعٍ من أنواع الاتفاق مع حلف الأطلنطى، واعترض بشدة على انضمام أوكرانيا إلى الحلف، وبذل أقصى المحاولات الممكنة ليصل إلى تسوية، وسأذكر بشىء، عندما وقع الانقلاب فى أوكرانيا عام 2014 وأعلنت جمهوريتا «لوغانسك ودونيتسك» انفصالهما لم تعترف بهما روسيا، وإنما بالعكس وصلت عن طريق التفاوض لاتفاقيات «مينسك» التى أبرمت عام 2015 وكانت تنصَّ على إعطاء نوعٍ من الحكم الذاتى لهاتين الجمهورتين، لكن هذه الاتفاقيات لم تنفذ، واتبعت أوكرانيا سياسة بالغة التشدد تجاه هذين الإقليمين، وبالتالى عندما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من تحرش بالأمن الروسى، قال الرئيس بوتين إنه لم يعد أمامنا إلا أن نحاول تعديل الموقف بالقوة المسلحة، فالحرب بدأت كنوعٍ من الدفاع عن الأمن الروسى ويتضمن فكرة أنه لا يجب أن يكون هناك قطب واحد فى العالم هو التحالف الغربى الذى تتزعمه الولايات المتحدة، يقرر للعالم كله ما يجب أن يكون، وإنما نحن سنغير بقوة السلاح ما نراه خاطئًا، ومن هنا بدأت الحرب الأوكرانية-الروسية، وبالطبع رد فعل حلف الأطلنطى بزعامة الولايات المتحدة كان طبيعيًا ومنطقيا، وهو تأييد أوكرانيا بكل ما يمكن من دعم عسكرى بلغ الآن عشرات المليارات من الدولارات، بالتالى تحولت الحرب من حرب روسية أوكرانية - إلى حرب عالمية، هى بين روسيا والتحالف الغربى، ونضيف إلى هذا طبعًا أنَّ الصين وإن كان موقفها متوازنًا من هذه الأزمة، بمعنى أنها لا تقر العمل العسكرى ضد أوكرانيا، إلا أنها تعتبر من الناحية المضمونية حليفًا لروسيا، خاصة أنَّ السياسة الأمريكية بطريقة لا تتسم بالرشادة تستفز الصين بتصريحات غير مفهومة حول تايوان.

< ولماذا تبدو هذه التصريحات غير مفهومة؟

- لأنها تعمق التحالف الروسى - الصينى، وهو ما نراه الآن، فالحرب الأوكرانية الروسية، أو الحرب العالمية الثالثة على أرض أوكرانيا، طبعًا لها نتائجها المباشرة على طرفيها، استنزاف روسيا وأوكرانيا، ولها نتائجها غير المباشرة على أطراف أخرى كثيرة، نحن مثلاً كدولة فى مصر نعانى باعتبارنا دولة مستوردة للقمح، ومستوردة للبترول، وبالتالى هناك آثار مباشرة وغير مباشرة، لكن هناك آثار بنيوية على النظام العالمى ككل، فالنظام العالمى الآن فى مرحلة تحول إذا انتصرت روسيا ستتأكد الصفة التعددية فيه، وإذا طالت الحرب ومنيت روسيا بخسائر معينة، فلا أعتقد أنَّ النظام العالمى سيعود نظامًا أحاديًا ولكن ربما يتراجع موقف روسيا فيه.

 

«قمة المناخ» فى شرم الشيخ تؤكد مكانة مصر على الساحة الدولية

 

< أمريكا أعلنت استعدادها لتقديم الدعم لمصر وأثيوبيا والسودان لحل أزمة سد النهضة، فهل تعتقد أنها جادة فى ذلك؟ أم هى لعبة مصالح فى الدرجة الأولى، وما رؤيتك لسياسة «وبايدن» فيما يخص الشرق الأوسط؟

- أتمنى أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية جادة فى هذه المساعى، وهذا له أساس منطقى، لأنَّ علاقتها بأثيوبيا علاقة جيدة، وعلاقتها بمصر أيضًا رغم ما يحدث من مضايقات أحيانًا، لكن من المسلم به أن أمريكا تعتمد على الدور المصرى فى المنطقة، ليس بمعنى أن مصر تحقق لها أهدافها، ولكن بمعنى أنَّ مصر ركيزة للاستقرار فى المنطقة، فلو فكرنا بطريقةٍ رشيدةٍ يفترض أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى التوصل إلى تسوية، ونذكّر أنه فى عهد الرئيس ترامب تم التوصل إلى اتفاقية كانت الولايات المتحدة الأمريكية هى راعيتها الأساسية قبلت بها مصر، وبالتالى الأمل قائم، لكننى لا أتصور أنه لو أنَّ هناك جهودًا جادة للولايات المتحدة الأمريكية فى تسوية قضية سد النهضة فإنَّ هذه الجهود يمكن أن تنجح، لأن المسلك الأثيوبى حتى الآن يتسم بالتعنت الشديد، ومطلوب ما هو أكثر من الجهود الأمريكية، لكى ننجح فى التوصل إلى تسوية، بعبارة أكثر صراحة مطلوب قدر أكبر من الضغوط الدولية العربية والإقليمية والدولية على أثيوبيا لكى تتحرك مواقفها، خصوصًا أنَّ مصر لا تطالب بالمستحيل، مصر تطالب فقط باتفاقٍ ملزمٍ حول موضوع السد، الذى تعترف بحق أثيوبيا فى إنشائه، فنحن نطالب بضمان حقنا فى المياه.

 

< ملف إيران استحوذ على النصيب الأكبر من قمة جدة مؤخرًا خاصة أنَّ كل البيانات أكدت على منع إيران من امتلاك السلاح النووى كيف قرأت ذلك؟

- الملف النووى وصل إلى مرحلة كاد أن تنجز فيها خطوة عودة الولايات

المتحدة الأمريكية للاتفاق النووى، والحقيقة أنه فيما أفهمه أنَّ التعثر الحالى فى الملف النووى ربما يكون وقفًا على مطالبة إيران بعدم التحقيق فيما قالت وكالة الطاقة الذرية أنها مواقع وجد فيها يورانيوم مخصب اكتشفتها هذه الوكالة ولم تبلغ إيران بها، وهذه عقبة حقيقية واضح أنها أوقفت المراحل الأخيرة من الاتفاق النووى وليس عندى قدرة على التنبؤ حول إمكانية تجاوز هذه العقبة أم لا، لأنه فى الحقيقة لا أستطيع أن أدعى أننى على علم بالطريقة التى تفكر بها القيادة الإيرانية فى هذه النقطة بالذات، فهل هى تشعر بقوة موقفها بالنظر إلى أنها مؤيدة من دول كبرى كالصين وروسيا على سبيل المثال، وبالتالى فهى لا تأبه الآن بإنجاز الاتفاق، هل لأنها تفكر فى أن تصل إلى أقصى المسار لبرنامجها النووى، وبالتالى هى قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى نقطة النهاية، وبعد ذلك ليشرب جميع خصومها من البحر، لا أستطيع أن أجزم بهذا، لكننا الآن متوقفون عند عقبة حقيقية فى التوصل للاتفاق النووى، وبالطبع كانت هناك عقبات دائمًا، وكانت هناك نقاط توقف ولكننى لا أستطيع أن أجزم بما سيحدث خصوصًا أن ما يحدث الآن يتم فى ظل وضع دولى شديد الاضطراب، وهذه الحرب العالمية التى تدور على الأرض الأوكرانية.

 

< وهل ترى أنَّ عودة العلاقات المصرية الإيرانية لابد أن تتصدر أولوية السياسة الخارجية المصرية؟

- أريد هنا أن أفرق بين شيئين، الأول أننى من الذين يعتقدون أنَّ عودة العلاقات المصرية الإيرانية على أسس تحقق مصالح الطرفين وأمنهما قضية مهمة للغاية، ولكن ما أريد أن أقوله إنَّ عقبات عودة العلاقات المصرية الإيرانية كانت تنقسم إلى نوعين، النوع الأول خاص بالعلاقة المباشرة بين إيران ومصر، وهذه نبعت من قضايا أعتقد أنها صارت أقرب إلى الماضى، مثل اعتراض إيران على سلوك مصر فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى، الابتهاج الشديد الذى أصاب إيران بعد اغتيال الرئيس السادات وهو شئ ليس من أصول العلاقات الدولية وتسمية شارع باسم من اغتال السادات..إلخ، فهذا كان نوعًا من العقبات، النوع الثانى كان التهديد الإيرانى لأمن أصدقاء مصر وحلفائها فى الخليج العربى، لأنَّ السياسة المصرية الرسمية أنَّ الأمن الخليجى جزء من الأمن المصرى، هذه العقبة الآن تقريبًا زالت، لأنَّ علاقات عمان وقطر بإيران علاقات طبيعية للغاية، بل تكاد أن تكون ودية، وعلاقات الكويت بإيران علاقات عادية والإمارات انفتحت مؤخرًا على إيران، وكان تصريح مستشار رئيس الدولة للشئون الخارجية قاطعًا قبل قمة جدة للأمن والتنمية، عندما قال بصراحة إنَّ الإمارات لن تكون شريكًا فى أى حلفٍ معادٍ لإيران، أما السعودية فهناك حوار عقلانى يسير ببطء بينها وبين إيران، لكن مبدأ الحوار قُبل، واللغة السابقة منذ سنوات فيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية- السعودية اختلفت الآن، فهذه العقبة التى تنبع من علاقات إيران بدول الخليج أصبحت أقل بكثيرٍعن ذى قبل، وبالتالى أعتقد أنه بشئٍ من المجهود يمكن إعادة العلاقات على أسس متوازنة تحقق مصالح الطرفين.

 

< كيف يبدو لك المشهد السياسى الآن فى العراق؟

- المشهد السياسى الآن فى العراق محزن، والعراق دولة عريقة لعبت أدوارًا تاريخية ومعاصرة فى النظام العربى، ورغم ذلك هى تعانى مما تعانيه منذ الغزو الأمريكى فى 2003م، لأنَّ هذا الغزو ألغى مؤسسات الدولة وأقام مؤسسات بديلة، لكنها لم تمثل حتى الآن حالة من حالات النضج المؤسسى، كما فتت المجتمع على أسس طائفية، وأوجد احتقانًا لم يكن موجودًا من قبل بين السنة والشيعة، وبالتالى اعتمد النظام البرلمانى الذى أشك فى جدواه فى الظروف العربية كلها، فالنظام البرلمانى من الممكن أن يكون صالحًا للدول الأوروبية، لكن بالنسبة لبلادنا فى ظل هذه الانقسامات -كما ترى- كلما أجريت انتخابات لا يوجد حزب أغلبية، وإنما تتفتت الأصوات بين عديد من الأحزاب، فى لبنان، العراق، وبالتالى هذا النظام النيابى أرى أنه لا يلائم ظروفنا، العراق يحاول أن يتعافى من جراحه، لكن للأسف هناك انقسام القوى السياسية، والأخطر أنَّ هذه القوى السياسية وبالذات القوى الشيعية معظمها له أذرع عسكرية، وعندما توجد الذراع العسكرية للقوى السياسية تكون المعضلة، لأنك لا تستطيع أن تطبق الديمقراطية، فإذا جاءت الديمقراطية على حساب قوة سياسية مدعومة بفصيلٍ عسكرى قوى تحدث المشكلة مثل ما يحدث الآن فى لبنان، إذا تطورت الأمور فى غير صالح حزب الله، هو قادر على أن يوقف هذا التطور بشكلٍ أو بآخر، وبالتالى العراق الآن يعانى من انقسام مجتمعى وسياسى مدعوم بحالةٍ من حالات العسكرة غير الرسمية.

 

< قريبًا تعقد قمة عربية بالجزائر، والبعض يرى أنه من الضرورى دعوة سوريا للقمة رأبًا للصدع العربى الحادث فما رأيك؟

- أنا من هذا البعض الذى يرى أنَّ إخراج النظام السورى من الجامعة العربية، أو حرمانه من صفة تمثيل سوريا فى الجامعة العربية أصلًا لم يكن قرارًا موفقًا، وكلنا يعلم كيف اتخذ هذا القرار، وهو قرارغير دستورى، وبالتالى القرار باطل ، وخروج النظام السورى من الجامعة العربية لم نجن من ورائه أى فائدة، اللهم إلا عجزنا عن أن نقرب النظام السورى إلى الحل، والمفارقة أنَّ النظام السورى بكل ما فيه موجود فى الأمم المتحدة يمارس كامل حقوقه، وبالتالى أرى أنه آن الأوان لعودة النظام السورى لتمثيل سوريا فى الجامعة العربية، لكن للأسف واضح أنه مازالت هناك معوقات لدرجة أن وزير الخارجية السورى اتصل مؤخرًا بنظيره الجزائرى لكى يقول له ما معناه إنَّ سوريا لا تصر على أن تكون عودتها إلى الجامعة العربية قرارًا من قرارات قمة الجزائر كتصرفٍ محمودٍ من النظام السورى أنه لا يريد تحطيم القمة العربية القادمة التى انتظرناها طويلًا، لأنَّ مؤسسة القمة العربية وفق بروتوكول دورية القمة يفترض أن تعقد سنويًا، فآخر قمة عقدت كانت عام 2019م فلم تعقد «2020 ولا 2021وفات موعدها فى 2022م» فكان المفترض أن تعقد فى مارس، وهذا معناه أنَّ هناك عقبات إلى أن التزمت الجزائر بعقدها فى نوفمبر، وهو ما سيحدث إن شاء الله، بغض النظر عن فعالية وفحوى ومضمون ما سيتخذ من قرارات، لكننى لست متفائلا بأنَّ القمة ستستطيع إيجاد مخارج لكل المعضلات التى تعترض مسار النظام العربى الآن.

 

< ما تقييمك لزيارة الرئيس»السيسى» للدوحة مؤخرًا وهل ترى أنَّ الزيارة هيأت المناخ لعودة العلاقات بين القاهرة والدوحة فى محاولة للتعايش وفقًا للمصالح المشركة؟

- هذه الزيارة كرست لعودة العلاقات، لأننا نعلم القطيعة التى كانت قائمة ليس بين مصر وحدها ولكن بين مصر والسعودية والإمارات والبحرين من جانب وبين قطر من جانب آخر، وكانت هذه القطيعة مبنية على أسسٍ لا نريد أن نكررها الآن، فالحمد لله، أنه تم تجاوز هذه المرحلة اعتبارًا من قمة العلا فى مطلع العام الماضى وعاد الوفاق بين الدول الأربع وبين النظام القطرى، ثم زار الأمير تميم مصر، وها هو الرئيس «السيسي» يزور قطر، وهذا كله معناه أنَّ العلاقات عادت إلى طبيعتها، وهو أمر محمود سواء لطرفى العلاقة أو النظام العربى ككل، لأنه معروف أهمية دور مصر فى النظام العربى، وأيضًا قطر لاشك رغم أنها دولة صغيرة تلعب دورًا فى بعض الملفات فى منتهى الأهمية، وبالتالى إذا تمكنت مصر وقطر من إدارة علاقاتهما على أسسٍ راسخةٍ، فإنَّ هذا سوف يكون فى مصلحة الطرفين والنظام العربى كله.

 

< هل من الممكن أن تكون قمة المناخ بشرم الشيخ فرصة لتوحيد صوت القارة الإفريقية وما المكاسب المتوقعة من استضافة مصر لهذه القمة؟

- لا علم لى بمدى التوافق بين مواقف الدول الإفريقية فيما يتعلق بقضايا المناخ، لأننى لست متعمقًا فى الشأن الإفريقى، لكن أعتقد أنَّ الدول الإفريقية كلها صاحبة مصلحة واحدة فى قضية تغير المناخ، لأنها ضمن بلدان العالم الثالث وليست وحدها، المسئولة عن تدهور المناخ، فالمسئول هو القوى الكبرى والدول الصناعية الكبرى، وبالتالى أتمنى أن تخرج قمة المناخ القادمة فى شرم الشيخ بمكاسب للدول الإفريقية، والحقيقة أنَّ متابعة الأداء الدولى للدول الإفريقية يشير إلى أنَّ هناك ما يجمع هذه الدول أو غالبية هذه الدول فى مواقفها من القضايا الدولية المختلفة، وبالنسبة لمصر ومكاسبها من هذه القمة، فعقد مؤتمر عالمى بهذه الأهمية فى قضية تشغل بال العالم، لأنها متعلقة بمصيره، فقضية المناخ إذا لم نحكم إدارتها بشكلٍ سليمٍ قد تصل بالعالم إلى نهايته، فأن تختار مصر كمقرٍ لهذا المؤتمر فهذا اعتراف كبير بدور مصر، فمصر أصبحت فى قلب السياسة الدولية، وبالتالى أثق أنَّ مؤتمر المناخ سيمثل إضافة كبيرة لمكانة مصر فى الساحة الدولية.

 

< أخيرًا ما أهم الملفات التى تراها ضرورية لطرحها على الأجندة السياسية فى الحوار الوطنى الذى دعت إليه القيادة السياسية؟

- أتمنى أن يكون هناك اختراق حقيقى فى ثلاث قضايا، القضية الأولى هى ما يتعلق بقضية الحبس الاحتياطى تحديدًا، أن نصل فيها إلى تفاهم، فنحن نرى الآن أنَّ هناك عمليات إفراج تتم تنفيذًا لتوصيات لجنة العفو الرئاسى التى شكلها الرئيس، وأتمنى أن نصل إلى تفاهم قانونى حول مسألة الحبس الاحتياطى، وأن نصل إلى تفاهم وطنى حول هذه القضية، فهذا سيمثل إضافة ودفعة كبيرة للعمل السياسى فى مصر، أما القضية الثانية أتمنى أن نصل إلى تفاهم حول الأولويات الاقتصادية، فهناك جدل حولها، القضية الثالثة وقد تكون هذه مفاجأة للبعض هى قضية الزيادة السكانية، لأنه مهما قلنا من قضايا مهمة سياسيًا واقتصاديًا، ومهما حققنا من نهضةٍ وتقدمٍ فى كل المجالات فإنه بدون أن نتحكم فى الزيادة السكانية، فإن معظم مجهوداتنا سيكون مردودها منقوصًا.