رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

بعد قرار تقنين «السناتر» والمجموعات المدرسية:

التعليم ترفع «الراية البيضاء» أمام أباطرة الدروس الخصوصية

تحقيقات وحـوارات

الاثنين, 24 أكتوبر 2022 08:54
التعليم ترفع «الراية البيضاء» أمام أباطرة الدروس الخصوصية
تحقيق - شربات عبدالحى:

 

 

47 مليار جنيه تنفقها الأسر المصرية على الدروس.. والوزارة تسعى للحصول على نسبتها

خبراء: القرار «رصاصة الرحمة» على المدارس الحكومية.. وتطبيقه بشروط

أولياء الأمور: إقرار للأمر الواقع ورقابة الوزارة على المراكز فى مصلحة أبنائنا

 

 

ترخيص مراكز الدروس الخصوصية «السناتر» قنبلة مدوية سقطت مؤخرا على رؤوس أولياء الأمور، فخلال بيانه عن خطة الوزارة أمام الجلسة العامة لمجلس النواب، أكد الدكتور رضا حجازى وزير التربية والتعليم  أنه سيتم تقنين مجموعات التقوية بالمدارس التى سيطلق عليها اسم «مجموعات الدعم» وترخيص مراكز الدروس الخصوصية.

هذا القرار اختلف أولياء الأمور والخبراء حوله، فمنهم من اعتبره كالصاعقة التى ضربت العملية التعليمية فى مقتل، فبعد أن فشلت الوزارة طوال الأعوام الماضية فى مواجهة مشكلة الدروس الخصوصية بدأت فى تقنينها، بينما اعتبره البعض الآخر فى صالح العملية التعليمية وسيكون له دور فى منع التدنى الأخلاقى المنتشر فى بعض هذه المراكز، إلا أن المؤكد أن هذا القرار جاء بمثابة رصاصة الرحمة للتعليم الحكومي.

فى البداية أكد مصطفى كامل الخبير التربوي، إن هذا القرار يعتبر اعترافا صريحا بفشل عودة الدور الحقيقى للمدرسة، والتى تم إعلان فشلها من قبل باتخاذ بعض القرارات غير المدروسة مثل الاهتمام بالأنشطة، والتى لن يتم تطبيقها بالشكل المناسب لأنها تتعارض مع خطة المواد الدراسية على مدار الترم المكدس بثلاثة امتحانات شهرية، وامتحاني  نصف الترم  وآخر الترم، وبذلك لن يكون هناك تطبيق كامل ومنظم لممارسة الأنشطة، كما لن يوجد وقت كافٍ لتنفيذ الخريطة الزمنية للمواد الدراسية.

وأضاف أن هذا القرار جاء ليقضى على ما تبقى من دور للمدرسة، وهو ترخيص مراكز الدروس الخصوصية لتصبح شريكًا مباشرًا وصريحًا للدولة فى التعليم الذى نص الدستور على التزام الدولة بتوفيره للمواطنين.

 وتساءل «كامل» حول هذا القرار، قائلًا: «هل هذه المراكز ستقوم بالتربية بالإضافة إلى التعليم»؟، هل هناك دور رقابى من الدولة على هذا الدور التربوى والذى يشكل شخصية الشباب فى هذه المرحلة؟ ومن سيقوم بالدور الإشرافى المحليات أم وزارة التربية والتعليم؟.

وأضاف متسائلا: هل الدولة ستستفيد بنسبة من دخل هذه المراكز؟ هل ستتضمن المركز مواصفات آمنة وأمينة تحافظ على سلامة أبنائنا؟ وما هى معايير نجاح المركز لتجديد الترخيص؟ وأجاب قائلا: «للأسف الشديد هذا القرار يعنى تخلى الدولة عن أهم دور لها وهو الحفاظ على مواردها البشرية المتمثلة فى الشباب.

وأشار الخبير التربوي إلى أنه يعتقد أن الدولة تمهد الطريق لبعض الشركات الخاصة التى سوف تتوسع فى إنشاء مراكز الدروس الخصوصية، وبذلك تقضى على فكرة مجانية التعليم ومسؤوليتها التى أقرها الدستور فى توفير فرصة تعليم مناسبة للمواطن، خاصة وأن البعض يعتقد أن المنهج الدراسى يقتصر فقط على الكتاب المدرسى وهذا خطأ كبير، فالمنهج الدراسى يشمل الأنشطة الصيفية والأنشطة اللاصيفية أيضا، متسائلًا:«هل مراكز الدروس الخصوصية ستهتم بممارسة هذه الأنشطة المصاحبة للكتاب المدرسى؟»، بالطبع لا، وذلك لأن هذه المراكز تهتم فقط بمحتوى الكتاب المدرسى على حساب ممارسة هذه الأنشطة والنتيجة طالب معاق، وناقص، ولا يستطيع تطبيق ما يتعلمه، وهذا ضد فكرة وأهداف التعليم.

 

والتقط أطراف الحديث الدكتور عاصم حجازي، عضو هيئة التدريس بكلية التربية جامعة القاهرة، مشيرا إلى أن الدروس الخصوصية خطر يهدد المنظومة التربوية بأكملها سواء على نطاق المدرسة أو الأسرة والمجتمع، فهى أكبر عائق فى طريق التطوير، حيث يعارض معلمى الدروس الخصوصية كل الاتجاهات الرامية لتطوير التعليم وتحويله إلى تعليم رقمى متعدد المصادر، وذلك لأنه يتعارض مع الطريقة التى برعوا فى استخدامها مع طلابهم فى السناتر وهى الحفظ والتلقين، بالإضافة إلى تعمدهم الإخلال بمسؤولية الشرح داخل المدارس ليضطر الطلاب للجوء إلى الدروس الخصوصية، بالإضافة إلى أن بعض المعلمين أصبحوا يلجأون إلى اتباع أساليب فجة وغير مقبولة أخلاقيا وألفاظ خادشة للحياء والذوق العام، بهدف استثارة الطلاب واستقطابهم للمجموعات الخاصة بهم، وعلى الرغم من الخطورة التى تمثلها الدروس الخصوصية على النظام التعليمى وأخلاقيات وقيم المجتمع نجد الوزارة تقننها وتقر بها.

 وأكد «حجازى»، أن التخلص منها فى وقت قصير يكاد يكون مستحيلا، لأن ولى الأمر والطالب أكثر حرصا على الدروس الخصوصية من المعلم نفسه، ولذلك فلو كان القرار صدر لتقنينها لفترة زمنية محددة كمرحلة انتقالية فهو أمر جيد، وذلك لضمان سيرها فى المسار الآمن الذى لا يتعارض مع قيم وأخلاقيات المجتمع، ولا يتعارض مع خطط التطوير، وتقليل مخاطرها إلى أقصى حد ممكن، والسيطرة على كل ما يقدم فيها من محتوى وأفكار وتقديمه بالطريقة المناسبة، وعدم المبالغة فى المقابل المادي، ولكن هذا لا يستدعى أن تقوم بالإشراف عليه شركات خاصة، وإنما يمكن أن تقوم المدارس بإدارتها بشكل جيد وبمقابل مناسب.

رصاصة الرحمة

وأكد الدكتور عادل محمد، المحاضر بكلية الطب جامعة حورس، وولى أمر، إن هذا القرار يثبت أن وزير التعليم يرفع الراية البيضاء أمام مدرسى الدروس الخصوصية، وذلك لأن وزراء التربية والتعليم السابقين كانوا يستهلون عهدهم بالتأكيد على محاربة هذه المراكز، وتهديد المدرسين الذين يعملون فيها بالملاحقة، كما كان المحافظون يطلقون تصريحات نارية مع بداية كل عام دراسى ويعلنون عن قيامهم بغلق وتشميع مراكز الدروس الخصوصية لأنها مخالفة للقانون، ولكن وزير التعليم الجديد د. رضا حجازى فاجأ الجميع، وأعلن أن سناتر الدروس الخصوصية سيتم ترخيصها، كما سيتم منح المعلم الذى يقوم بالعمل فيها رخصة من قبل الوزارة، كى يكون الطالب فى بيئة تعليمية آمنة، وتحت أعين الوزارة حسب قوله.

وأشار«محمد» إلى أن وزير التعليم أطلق بذلك رصاصة الرحمة على المدارس الحكومية المتهالكة والمكتظة بالطلاب، والتى لا يستطيع المدرسون القيام بدورهم فيها، كما أن الطلاب لا يذهبون إليها ويعتبرونها فقط مكان لتسجيل استمارات الامتحانات.

وتابع قائلا: «أرى أن الأسباب التى دفعت الوزير لاتخاذ هذا القرار هى أن وزارة التعليم لا تستطيع مواجهة ثلاثة مشكلات رئيسية، وهى الكثافة الزائدة للفصول، ونقص عدد المدرسين، وعدم وجود مخصصات مالية تتيح تقديم تعليم جيد، وهناك أيضًا الهاجس الذى يشغل معظم أولياء الأمور والطلاب بالمقام الأول هو النجاح فى الامتحانات، والحصول على درجات مرتفعة، كما أن كل محاولات الجهات الأمنية لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية باءت بالفشل الذريع، ولا ننسى إن تقنين أوضاع نحو مائة ألف مركز للدروس الخصوصية فى مصر، يدفع فيها المصريون حوالى 47 مليار جنيه سنوياً وفقاً للإحصائيات، سوف يضمن للحكومة الحصول على حصيلة جيدة من الضرائب تساعدها على مواجهة الأزمة

الاقتصادية الحادة التى تواجهها، لذا لم يجد الوزير مفرًا من الاستسلام للأمر الواقع، ورفع الراية البيضاء أما هذه المراكز.

أولياء الأمور بين الرفض والموافقة

قالت داليا الحزاوي، مؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، أن هناك حالة من الجدل بين أولياء الأمور، بعد تصريحات الوزير بشأن ترخيص مراكز الدروس الخصوصية وتقنين أوضاعها، لافته إلى أن هذا القرار يجعل هناك تعليم موازٍ معترف به بديل للمدرسة، فكان من الأجدر الاهتمام بطرح أفكار سريعة لعودة دور المدرسة الأساسى وحل المشاكل التى تعيق ذلك سواء عجز المعلمين أو كثافة الفصول.

واستكملت قائلة: «هناك تخوفات لدى أولياء الأمور بأن تقنين مراكز الدروس الخصوصية سيزيد من ثمن الحصة على أولادهم، وهم بالكاد يستطيعون توفيرها، مضيفة أن فكرة إسناد مجموعات التقوية فى المدارس لشركة خاصة لإدارتها أثار المزيد من المخاوف لما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار مجموعات التقوية، لذا نرجو من الوزارة طمأنة أولياء الأمور بأن الأسعار ستكون مناسبة، فولى الأمر لديه أكثر من طالب ولا يستطيع تحمل المزيد من الأعباء».

ومن جانبه أكد تامر إبراهيم ولى أمر، أن الترخيص عبارة عن سجل ضريبى لجمع الضرائب لزيادة موارد الدوله، فهو مجرد وسيلة لجمع رسوم تراخيص ورسوم مزاولة المهنة للمدرسين والضرائب والتى سيتحملها فى النهاية أولياء الأمور، لافتًا إلى أن الحكومه تسمح بالتعليم الخاص وبأنواع مختلفة من التعليم تدعمه وتشجعه، ولكن عند مراكز الدروس الخصوصية تغلقها، وذلك لأن مراكز الدروس الخصوصية  خارج المنظومة الضريبية والمالية.

وأكد تميم عزام، أن هذا القرار مطبق على المعلمين الذين يعملون فى المدارس، من خلال حصول المدرسة على نسبة من أموال مجموعات التقوية، أما القرار الجديد فصدر للمعلمين الذين استقالوا من المدارس ويعملون فى السناتر فقط، ولا تستطيع الدولة الحصول على أى أموال منهم.  

واتفقت معه فى الرأى عزيزة أحمد قائلة: «الدولة فى السنوات الأخيرة أعلنت فشلها، حيث جربت التهديد والوعيد ولكنه لم يفلح، بالإضافة إلى فشل التابلت، لذا قررت تقنين المراكز لتحصل منها على رسوم، لافتة إلى أن التعليم الرسمى فى مصر دخل الإنعاش منذ زمن طويل، وتوقف قلبه عدة مرات وينتظر كتابة شهادة وفاته وانسحاب الدولة تماما».

 قرار صائب

وفى رأى مخالف، أكد شعبان محمد، ولى أمر، أن هذا القرار يعتبر أفضل خطوة لأنها تحمى الناس من جشع المدرسين، وكان يجب تطبيقه منذ فترة طويلة، بالإضافة لمنع استغلال أولياء الأمور، ووضع تسعيرة للدروس، بالإضافة إلى فرض رقابة على المراكز، وطالما أن المواطنين يفضلون هذه المراكز فلا مانع من عمل مراكز حكومية خاضعة للإشراف، مشيرا إلى أن الترخيص قد يحد من انتشار السناتر.

من منظور آخر أكد المستشار الاقتصادى، خالد اسماعيل، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والاحصاء والتشريع، أن قرار الوزارة يهم كل أطراف المنظومة التعليمية، وله العديد من الآثار سواء على الجانب التعليمى أو الاجتماعى أوالاقتصادي، فهذا القرار بمثابة نهاية لمسلسل ملاحقة مراكز الدروس الخصوصية والتى تم تعقبها خلال السنوات الماضية وبدون أى نتائج إيجابية، وبدلا من إيجاد الوزارة حلولًا للمشكلة لجأت لترجيح «كفة» تلك المراكز بتقنيها مع الوزارة والجهات المعنية.

وتابع «إسماعيل» أن هذا القرار يتماشى مع الواقع الذى نعيشه، لذا يجب عند تقنين أوضاع تلك المراكز الأخذ فى الاعتبار ألا تكون بديلا عن المدرسة، كما يجب عند وضع قواعد ومعايير التقنين ألا تكون مجرد تعليمات على ورق، بل لابد من مراقبة تنفيذها، بداية من جعل مواعيد تلك السناتر بعد مواعيد المدارس، حتى لا يحدث تضارب بينهما، ووضع الطالب فى مربع الاختيار بين المدرسة والسنتر.

وأكد الخبير الاقتصادى أنه يجب مراقبة هذه المراكز من قبل الوزارة، ومتابعتها من حيث كفاءة المعلمين، ووضع ضوابط لأسعار الحصص حسب كل مادة وصف تعليمى تلافيا لأى مغالاة فى الأسعار، خاصة وأن تلك السناتر مؤسسات ربحية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى عدم التنازل عن دور المدرسة التربوى، مع مراعاة تناسب أعداد الطلاب مع مساحة المركز لتلافى أى تكدس، مع تطبيق شروط السلامة والأمان. أما من الناحية الاقتصادية فأكد أن الدولة ستستفيد من الضرائب والرسوم التى ستفرضها على هذه المراكز.

وأخيرًا سيظل هذا القرار مثار تساؤل وتقييم ما بين واقع مفروض ومخاوف من ضعف الرقابة على تلك المراكز مع تقنين أوضاعها والاعتراف بها.