رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

د. شوقى علام مفتى الجمهورية لـ«الوفد»:

تجديد الخطاب الدينى هدفه توصيل الدين فى شكله الحضارى ولا يعنى التبديد أو التضييق

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 13 أكتوبر 2022 11:39
تجديد الخطاب الدينى هدفه توصيل الدين فى شكله الحضارى ولا يعنى التبديد أو التضييقشوقى علام مفتى الجمهورية
حوار: صابر رمضان

التنمية المستدامة مصطلح مستحدث لحسن إدارة الموارد الإنسانية وتطويرها

 

دار الإفتاء المصرية دار عريقة أنشئت منذ قرون عدة وتعاقب عليها مفتون عظام أثروا الحياة العلمية والإفتائية بتراث ضخم، يظهر منه منهج الإفتاء الرصين الذى أفاد منه العلماء، ليس فى مصر وحدها بل فى العالم كله، وقد سعت الدار لإيجاد كيان دولى يجمع المفتين والهيئات والمؤسسات الإفتائية من مختلف دول العالم فأنشأت عام 2015م الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، من أجل التشاور فى القضايا التى تهم الأمة مع مراعاة خصوصية كل بلد وتبادل الخبرات والتعاون فيما بينهم من أجل صالح الأمة.

تراثنا الفكرى مجموعة من القيم الإنسانية والحضارية انبثقت من القرآن والسنة

 

أيضًا حرصت دار الإفتاء المصرية على نشر المنهج الوسطى الإسلامى الذى يعد حصنًا منيعًا أمام الفكر المتطرف الذى بات يهدد الجميع.

ومنذ إنشائها حملت الأمانة العامة على عاتقها لواء الاعتدال والتجديد والاستنارة لتشارك الإنسانية كلها هم مواجهة التطرف والسعى الحثيث لقيادة قاطرة الإفتاء فى العالم الإسلامى فى مواجهة الفتاوى الضالة والمنحرفة لدى الجاليات والأقليات المسلمة بالخارج، ومن هذا المنطلق فإن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تأتى استجابة لمعطيات الواقع ومشكلات المسلمين وأوضاع دولهم وجالياتهم، فالأزمات والمشكلات التى يمر بها المسلمون فى مختلف أرجاء المعمورة تتطلب استجابات نوعية تواكب حجم المشكلات والتحديات الراهنة، فكانت أمانة الافتاء فى العالم أول مؤسسة إسلامية فى العالم تعنى بتجميع وتكتيل المؤسسات والهيئات الإفتائية فى العالم لتعيد للفتوى دورها الإيجابى فى حياة المجتمعات والشعوب ولتزيل عنها ما لحق بها بسبب تصدر غير المتخصصين وأنصاف العلماء وأصحاب التوجهات المتطرفة للفتوى والرأى الدينى.

 

وخلال سنوات مضت كان لدار الإفتاء الحضور الأقوى والأكثر انتشارًا من خلال مؤتمراتها السنوية التى تعقد مؤتمرًا تلو الآخر، والتى تعقد مؤتمرها السابع تحت عنوان: «الفتوى وأهداف التنمية المستدامة» بمشاركة ما يزيد على وفود من «90» دولة من دول العالم، استلهامًا من معانى آيات القرآن الكريم التى تتحدث عن تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان وإرشاده إلى أفضل السبل لتحقيق حياة كريمة على هذه الأرض وكذلك ما ترشد إليه السنة النبوية المطهرة من الحض على عمارة الأرض وعدم الإفساد فيها.

«الوفد» تنفرد بنشر هذا الحوار مع فضيلة الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية قبيل عقد مؤتمر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم بثلاثة أيام، وهذا نص الحوار:

< نود بداية الحديث عن مؤتمركم القادم (الفتوى.. وأهداف التنمية المستدامة) وهل ثمة رابط بينه وبين مؤتمر (التغيرات المناخية) الذى تعقده مصر فى نوفمبر المقبل؟!

<< الفتوى هى تجلِّى الحضور الشرعى فى الواقع الإنسانى، لتهذيبه ودفعه لتحقيق العمران، الذى هو أحد مقاصد الشريعة العليا، لقوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)؛ أى طلب منكم أن تعمروها، من هنا جاءت فكرة مؤتمر دار الإفتاء المصرية العالمى السابع للإفتاء الذى يعقد فى 17-18 أكتوبر الجارى ليتشابك مع قضية الفتوى وأهداف التنمية المستدامة ويبين العلاقة بينهما.

شوقى علام مفتى الجمهورية

الدولة المصرية ترعى أكبر مشروع معاصر لتخليص الأمة من أغلال التطرف والإرهاب

 

والعلاقة بين الفتوى وأهداف التنمية المستدامة متصلة من حيث وحدة الهدف الذى يتغيَّاه الداعون إلى التنمية المستدامة، وأهل مجال الإفتاء التى تمثل دافعًا ومحفزًا نحو حركة العمران لا تلك التى تمثل قيدًا عليها. فالتنمية المستدامة فى أدقِّ معانيها هى مصطلح مستحدث للدلالة على حسن إدارة الموارد الإنسانية وتطويرها، اجتماعية كانت أو اقتصادية؛ لتنمية البيئة وحمايتها.

 

وبطبيعة الحال هذا التجمع الأكبر للمفتين والمعنيين بالفتوى من كافة أرجاء العالم هو بمثابة قمة إفتائية ودينية تقدم لعقد مصر قمة المناخ فى شرم الشيخ.

 

< ٨ سنوات من الإنجازات الملموسة لدار الإفتاء المصرية، ما أهم ملامح هذه الإنجازات وما الذى تحقق على أرض الواقع؟

<< الحمد لله على مدار الأعوام الثمانية الماضية، شهدت دار الإفتاء المصرية تطورًا كبيرًا على كافة المستويات، وحققت نجاحات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مواكبة للواقع، وفى مجال التحوُّل الرقمى الذى بدأته مبكرًا وفعلته بشكل كبير مع ظهور جائحة كورونا العالمية لتقديم خدماتها الإفتائية إلى كافة البقاع.

فعلى سبيل المثال نجحت دار الإفتاء فى تحويل قاعدة العمل بدار الإفتاء من الأفراد إلى العمل المؤسسي؛ فأصبحت مؤسسة رائدة ذات مرجعية فقهية إسلامية رائدة فى صناعة الفتوى والعلوم الشرعية، يلجأ إليها الأفراد والمؤسسات محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.

 

مركز «سلام» لإعداد الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية لمعالجة التشدد والعنف

 

وأصدرت دار الإفتاء فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى ما يقارب ١٠ ملايين فتوى فى مختلف الفروع والقضايا التى تهمُّ المسلمين فى الداخل والخارج، حيث تستقبل الدار ما يقرب من 5 آلاف فتوى يوميًّا من خلال إداراتها المختلفة.

شوقى علام مفتى الجمهورية

وأطلقت دار الإفتاء، موسوعة تضم نحو 1000 فتوى، تُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، معظمها وردت من دول غربية، وتجيب عن كل ما يدور فى أذهان المسلمين فى الغرب، حول مختلف المسائل، بخاصة الشبهات التى تعتمد عليها «داعش» وغيرها من الجماعات المتطرفة.

 

10 ملايين فتوى وموسوعة مترجمة لتفنيد شبهات الجماعات المتطرفة

 

ومن الناحية الهيكلية والإدارية توسعت الدار فى إنشاء مجموعة مختلفة من الإدارات والأقسام الجديدة لضمان الوصول إلى كافة شرائح الأمة داخليًّا وخارجيًّا، فأنشأت مجموعةً من الإدارات لضمان رسالتها لأكبر شريحة ممكنة من المسلمين، منها إدارة (الفتاوى الشفوية – الفتاوى الهاتفية – الفتاوى المكتوبة – الفتاوى الإلكترونية بعشر لغات – إدارة الحساب الشرعى – إدارة التعليم عن بُعد لتدريب المبتعثين على الفتوى – الترجمة – الموقع الإلكترونى – مجلة دار الإفتاء- إدارة فض المنازعات).

 

كما استحدثت الدار إدارات جديدة بناءً على المستجدات، ووَفقًا لخطة تطوير أعمال الدار، وهي: الإدارة العامة للإرشاد الزواجى، والإدارة العامة لاستطلاع الأهلَّة والمواقيت، وإدارة المحاكم.

 

< بدأت دار الإفتاء التوسع فى إنشاء فروع جديدة للدار فى المحافظات فما استراتيجية هذه الخطة وما الهدف منها؟!

<< التوسُّع فى إنشاء فروع جديدة للدار فى عدد من المحافظات جاء من أجل تحقيق الأمن الفكرى عن طريق تقديم الفتوى الرشيدة، وقد توجَّهت الدار لإنشاء فروع جديدة لها فى محافظات مصر؛ تنفيذًا لخطتها الاستراتيجية التى بدأتها، وتهدف فى المقام الأول إلى تعزيز قنوات الاتصال مع الجمهور، والتيسير عليهم للحصول على الفتوى الصحيحة من أمناء الفتوى المتخصصين بدار الإفتاء، وغيرها من الخدمات الشرعية. وقد تم التنسيق لفتح فروعٍ فى خمس محافظات على مستوى الجمهورية. وفى هذا الشأن وقَّعنا مع محافظ الغربية، بروتوكول تعاون لتأسيس فرع لدار الإفتاء المصرية بمحافظة الغربية.

 

كذلك افتتحنا أفرعًا جديدًا فى محافظة بنى سويف، بمقر كلية علوم الملاحة وتكنولوجيا الفضاء فى جامعة بنى سويف، حيث يبدأ العمل فيه يوميًّا من العاشرة صباحًا حتى الثالثة عصرًا فيما عدا الجمعة والسبت.

 

فروع جديدة بالمحافظات لتحقيق الأمن الفكرى بتقديم الفتوى الرشيدة

 

ووقَّعنا مع اللواء خالد شعيب محافظ مطروح، بروتوكول تعاون لإنشاء فرع جديد لدار الإفتاء المصرية بمطروح، هذا إلى جانب التنسيق لافتتاح فرعين آخرين بمحافظتَى شمال سيناء وسوهاج، ونحن ماضون قدمًا فى هذا السبيل والله الموفق.

 

< اهتمت دار الإفتاء بقضايا الأسرة المصرية فماذا عن استراتيجية الدار فى هذا الإطار لتحقيق الاستقرار الاسرى؟

<< دار الإفتاء اتخذت عدةَ تدابير وفاعليات من أجل تحصين بناء الأسرة ومعالجة مشكلاتها؛ حيث أطلقت فى الأعوام الأخيرة عدة برامج متخصصة فى هذا الشأن، كبرنامج «تأهيل المقبلين على الزواج» الذى يهدف إلى توعية المقبلين على الزواج، وكذلك أنشئت إدارة متخصصة للإرشاد الزواجى حيث تحال عليها المشكلات من إدارات الفتوى المختلفة، وكذلك إدارة فض المنازعات الأسرية.

 

ويتمُّ فى جلسات الإرشاد الأسرى بحثُ مسائل الطلاق، بحضور ممثل شرعى من دار الإفتاء، إلى جانب متخصصين فى علم النفس والاجتماع، فضلًا عن رصد أهم المشكلات والمستجدات المتعلقة بالأسرة، خاصة الطلاق لدراستها والعمل على حلِّها بإيجاد معالجة شرعية من خلال اعتماد اختيارات فقهية تعدُّ مخارجَ شرعية لكثير من حالات الطلاق؛ مراعاةً لأحوال الناس، وتحقيقًا لمصلحة بقاء العلاقة الزوجية.

 

تأهيل المقبلين على الزواج.. وإدارة جديدة لفض المنازعات الأسرية

 

وقضية الطلاق تُعد من أكثر القضايا التى تؤرق المجتمع، لما لها من آثار وخيمة مدمرة على الأسرة المصرية وعلى المجتمع كله؛ الأمر الذى يستلزم منا جميعًا وقفةً جادةً لرفع درجة الوعى عند المواطنين بمخاطر الإقدام على الطلاق عند استحالة العشرة، وما يترتب عليه من آثارٍ اجتماعية خطيرة لا تخفى على أحد، فهى قضية وعى فى المقام الأول. حيث يأتى إلى دار الإفتاء شهريًّا ما يقرب من 4000 - 5000 فتوى طلاق، أغلبها عبارة عن إيمان وحلف بالطلاق، يقع منها واحد فى الألف وربما لا يقع منها شىء؛ لأنَّ علماء دار الإفتاء لديهم من الخبرة ما يستطيعون به معرفة هل كان هذا طلاقًا واقعًا أم يمينَ طلاق؟ من خلال خبرتهم المتراكمة التى تلقَّوها عن مشايخهم ولا توجد فى الكتب.

وبالمناسبة لابد أن أتوجه بالشكر للمستشار عمر مروان -وزير العدل- للمبادرة التى أطلقها بضرورة تأهيل المأذونين على التحقيق فى الطلاق قبل إثباته فى الوثيقة الرسمية لمواجهة ظاهرة ارتفاع نسب الطلاق الموثق، واتباع الطرق الشرعية الكفيلة بضمان توثيق الطلاق، وقد شملت تدريب أكثر من 900 مأذون بديوان وزارة العدل على مدار خمسة أيام.

150 دورة تدريبية للمبعوثين لتلبية احتياجات الجالية المسلمة حول العالم

 

كما ألفت النظر إلى أن دار الإفتاء بادرت بإطلاق صفحة إلكترونية منبثقة عن بوابتها الإلكترونية الرئيسة تحت عنوان: «تنمية الأسرة»، فى إطار مواكبة دار الإفتاء للتحوُّل الرقْمى، وحرصًا على تيسير طرق التواصل والتفاعل مع الأسرة المصرية، وتقديم كل ما يهمها فى شؤون الاستشارات الدينية.

 

< ماذا عن برامج تدريب المفتين من مختلف دول العالم الذى تقدمه دار الإفتاء وهل يشمل ذلك الوافدين؟

<< عملت الدار على إعداد أكثر من ١٥٠ من الدورات التدريبية للمبعوثين لتدريبهم على مهارات الإفتاء والعلوم الإفتائية والأدوات اللازمة من أجل نشر صحيح الدين بمنهجية علمية وسطية منضبطة؛ تلبيةً للاحتياجات المتزايدة للجاليات المسلمة حول العالم، حيث تم تدريب دفعتين من أئمة بريطانيا وتدريب أئمة من دول إفريقية وكذلك تدريب أئمة من روسيا الاتحادية.

 

وتستقبل دار الإفتاء المصرية بعثات من طلاب الكليات الشرعية من عدة دول إسلامية، من الراغبين فى التدريب على الإفتاء وتحصيل مهاراته حتى يتمكنوا من القيام بِمُهمَّة الإفتاء فى بلادهم بعد عودتهم إليها. ولذا اعتمدت دار الإفتاء منهجًا فى صورة دورة للإفتاء مدتها ثلاث سنوات، يتلقى الطالب فيها مجموعة من المواد المؤهلة لمهمة الإفتاء، ويقوم بتدريس هذه المواد نخبة من أساتذة جامعة الأزهر، كما يحضر الطالب مجالس الإفتاء تحت إشراف أمناء الفتوى. ويتلقى أيضا تدريبًا عمليًّا على مهارات الإفتاء تحت إشراف إدارة التدريب بالدار، ويُمنح مجتاز هذه الدورة شهادةً فى نهاية مدة دراسته تفيد تلقيه التدريب على الإفتاء بدار الإفتاء المصرية.

 

كما أسَّست الدارُ برنامج التأهيل الإفتائى للمتصدرين للفتوى عبر الفضاء الإلكترونى، الذى يمنح المتدربين على الفتوى المعرفة العلمية والتطبيق العملى والعلوم اللازمة للربط بين المعرفة الشرعية والواقع.

 

< ماذا عن مركز سلام، ومؤتمره الأول؟

<< تم تأسيس مركز سلام لدراسات التطرف، وعُقد أول مؤتمر دولى له فى السابع من يونيو ٢٠٢٢، وهو مركز بحثى لإعداد الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، يعالج مشكلات التشدد والتطرف ويقدم توصيات وبرامج عمل لكيفية مواجهتها.

 

وهذا المركز يمثل إحدى أهم أذرع الدار التى تستطيع من خلالها التعامل مع الأفكار المتشددة تفكيكًا وتحليلًا؛ لتتمكن فيما بعدُ

من القدرة على إعادة صياغة عقول الشباب، حمايةً لهم من هذا الفكر التدميرى.

 

وقد عقد مركز سلام مؤتمره العالمى الأول فى الفترة من 7-9 يونيو 2022 تحت عنوان: «التطرف الديني: المنطلقات الفكرية.. واستراتيجيات المواجهة»، بحضور أكبر تجمُّع للمتخصصين فى مجال مكافحة التطرف؛ إذ حضره ممثِّلون عن مجلس الأمن والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية، وجامعة الدول العربية، وعدد من الوزراء، والقيادات التنفيذية، والمفتين، ورجال الفكر والإعلام، بالإضافة إلى رؤساء المراكز البحثية المعنية من مختلف دول العالم، حيث أُثريت جلسات المؤتمر ووِرَش عمله ومشروعاته بأبحاثهم، وما دار حولها من مداخلات مفيدة ومناقشات مهمة، وذلك تحت رعاية معالى رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى.

 

وخرج المؤتمر بعدد من المبادرات والتوصيات المهمة، كما حرص خلال جميع فعالياته على تحقيق مجموعة من الأهداف، أهمهما مناقشة أطروحات التطرف المبرِّرة لجرائمه والرد عليها، وكذلك تفكيك مقولات ومفاهيم التطرف والرد عليها، وأيضًا ترسيخ قيم السلام والتعايش والتفاهم بين الشعوب والحضارات، وتبادل خبرات التجارب الدولية فى مكافحة التطرف، فضلًا عن فتح آفاق أوسع للتعاون البحثى والأكاديمى فى هذا المجال.

 

< سعت دار الإفتاء لإنشاء مظلة جامعة لكل مراكز الأبحاث المعنية بمكافحة التطرف فى مصر، فما الهدف من هذه الخطوة وما الآليات التى تستخدمها الدار فى سبيل تحقيق ذلك؟!

 

<< أنشأت دار الإفتاء فى الخامس عشر من ديسمبر 2015م الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء فى العالم بالقاهرة، بحضور أكثر من ٨٠ دولة من مختلف دول العالم، حيث يتم من خلال هذه الأمانة بناء استراتيجيات مشتركة بين دور الإفتاء الأعضاء لمواجهة التطرف فى الفتوى وصياغة المعالجات لمظاهر التشدد فى الإفتاء، والتبادل المستمر للخبـرات بين دور الإفتاء الأعضاء والتفاعل الدائم بينها، ووضع معايير وضوابط لمهنة الإفتاء وكيفية إصدار الفتاوى تمهيدًا لإصدار دستور للإفتاء يلتـزم به المتصدرون للفتوى، وبلغ عدد أعضاء الأمانة حتى الآن ستين دولة.

 

< الدولة المصرية تبذل جهودا حثيثة لمحاربة التطرف مثل كثير من الدول إلا أن الكثيرين يشهدون بأن التجربة المصرية ثرية فماذا عن رؤيتكم فى هذا المضمار؟

<< الرؤية المصرية نابعة من شخصية مصر الرافضة للتطرف والإرهاب والتى تعتبر التطرف بشتى صوره هو بمثابة المظلة الفكرية التى يتم الاستناد إليها من قبل التنظيمات الإرهابية الهدّامة فى نشر رسائلها واستقطاب المؤيدين، ومن ثم لا تتوقف رؤية مصر فقط على أساس مكافحة التهديد المباشر للمواطنين داخل المجتمع، بل مكافحة مَن يتبنون الفكر المتطرّف ويخططون له ويقدمون له الدعم.

 

< شغلت قضية تجديد الخطاب الدينى الرأى العام فهل هناك علاقة جذرية بينها وبين مواجهة التطرف والتصدى له؟ وما رد فضيلتكم على من يرون أن المؤسسة الدينية مازالت متعثرة فى قضية تجديد الخطاب الديني؟

<< تجديد الخطاب الدينى ليس معناه التبديد أو التضييق، وإنما توصيل الدين فى شكله الحضارى الذى قصده الله عز وجل، وأن ننفض عن الدين الغبار الذى علق به فترة من الزمن.

 

والعمل المؤسسى الذى يفهم معنى الدولة ومعنى الوطن ومعنى العمل الجماعى، يحقق كثيرًا من الإنجازات ولابد أن نسجل التحية للرئيس القائد عبدالفتاح السيسى الذى كانت لصيحاته المدوية المطالبة بالتجديد والاجتهاد أكبر الأثر وأعظمه فى انطلاق مسيرة الاجتهاد الجماعى وتجديد الخطاب الدينى وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وأصبحت الدولة المصرية راعية لأكبر مشروع معاصر لتجديد الخطاب الدينى، وتخليص الأمة المصرية والإسلامية من أغلال التطرف والإرهاب التى كبَّلتها بها سنين طويلة جماعات العنف والتشدد بالمفاهيم المغلوطة حول أوهام أجادوا اختراعها وصياغتها حتى تغزو العقول وتسيطر على الأفهام، مثل جاهلية المجتمع والحاكمية والعزلة وزعزعة الثقة بين المواطن وبين الدولة... إلى غير ذلك من المفاهيم التى عملنا على تصحيحها وبيان وجه الحق فيها بما يوافق الكتاب والسنة ومقاصد الشرع الشريف.

 

< الفضاء الإلكترونى ملىء بالأفكار المغلوطة والمتطرفة ضد الإسلام، كيف تصدت الدار لذلك؟

<< دار الإفتاء سارعت باستخدام كل الوسائل العصرية ودخلت الفضاء الإليكترونى، بهدف التعامل مع الواقع فى توصيل الثمرة المطلوبة.

 

دار الإفتاء من أولى المؤسسات الدينية فى مصر التى حرصت على التواجد الفعال على السوشيال ميديا.

لدينا صفحة على موقع التواصل الاجتماعى (فيسبوك) يشارك بها أكثر من 5 ملايين مشترك وهذا يُعد أول مرة يحدث فى العالم، حيث يتفاعل أسبوعيا بتلك الصفحة ما يقرب من 6 ملايين مشترك من الشباب»، موضحا أن الصفحة لا تقدم مواعظ فقط.

وكانت أول مؤسسة تنشئ حسابًا على تطبيق «التيك توك»، وبعدها الكثير من المؤسسات فى مصر.

 

< مدارس كثيرة من مدارس التفكير ذات السمت غير الإسلامى تتهم التراث بأنه سبب الضعف والتخلف وأنه كثقافة لم يعد صالحًا للتفاعل مع علوم العصر ونظرياته العلمية والفلسفية والأدبية، فما رأيك فى هذا الطرح؟

<< إن قضية التراث الإسلامى والمحافظة عليه من القضايا المهمة التى عُنى بها علماء الأمة الإسلامية وقادة الرأى وأئمة الفكر، وقد اجتمعت كلمة العلماء والأئمة وعقلاء الأمة على أن تراثنا الفكرى والحضارى ثروة عظيمة ينبغى أن نحافظ عليها وأن نستفيد منها وأن نعمل على إحياء تلك القيم الحضارية التى ورثناها عن أسلافنا العظماء فى شتى المجالات الفكرية والعلمية والعملية.

 

وقضية التراث عانت من ظلم فريقين أحسب أنهما لم يرتقيا إلى فهم المضامين الفكرية والحضارية والقيم النبيلة التى لم نهتدِ إليها إلَّا من خلال فَهمنا واستيعابنا لقيم تراثنا الفكرى والحضارى.

الفرقة الأولى فى فهم التراث هى فرقة الجامدين على ظاهر التراث، الذين تعاملوا مع التراث باعتباره نصوصًا حرفية جامدةـ ولم تسعفهم قواهم النفسية والروحية على تقبل فكرة التجديد، والتجديد فى ذاته هو قيمة تراثية فى المقام الأول، وأول من حثنا على التجديد هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الذى ينبغى أن نتَّفق عليه جميعًا أنَّ التراث ليس فقط مجموعة من النصوص الحرفية الجامدة، أو المخطوطات العلمية التى إذا عملنا على خِدمتها وتحقيقها وإخراجها ظنَّنا أنَّنا فعلنا كلَّ ما ينبغى فعله بالنسبة للتراث، بل إنَّ التراث فى المقام الأول هو مجموعة القيم الإنسانية والحضارية التى انبثقت أنوارها من الكتاب الكريم والسنَّة المطهرة، فوصل دِيننا الحنيف إلى شتَّى بقاع المعمورة بشكل لافت للنظر، حيث حمل الناس بدافع الحبِّ والانبهار والإعجاب بتلك القيم على الدخول فى دين الله أفواجًا، وما كان هذا ليحدث لو لم يُطبِّق الأسلاف سنَّة التجديد التى حثَّنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 < أخيرا فى رأى فضيلتكم ما أهم العقبات التى تواجه الخطاب الإسلامى المعتدل وكيف يمكن التصدى لها ليكون هذا الخطاب المعتدل الأكثر حضورًا وتأثيرًا؟

<< المتابع المراقب للحالة الدينية المعاصرة يعلم جيدًا كم تسبَّبت فوضى الفتاوى والتجرؤ على الفتيا فى إحداث الاضطرابات والفتن، ولا يوجد مجال تجرأ عليه غير أهل الاختصاص فيه وادَّعاه من لم يحسنه ويتقنه أكثر من المجال الدينى بشكل عام والإفتاء بشكل خاص.

 

وهذه الجرأة لا يمكن أبدًا أن تصدر عن تديُّن سليم ولا عقل مستقيم؛ ذلك أن التدين الصحيح له دلائل ومقوِّمات من أهمها وفى مقدمتها عدم مخالفة الأمر الصريح من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء النهى القرآنى الواضح عن عدم الإفتاء بغير علم فى أى تخصص ومجال فى قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)؛ أى لا تقولن فى شىء بما لا تعلم، وهذا النهى موجَّه فى المقام الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالنا بآحاد أمَّته وأتباعه؟ أليس مَن هو دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بهذا النهى من أفضل خلق الله وخاتم رسل الله؟!