بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كأس العالم.. رحلة شقاء بين ثلاث دول

منذ سنوات طويلة كان كأس العالم احتفالًا كرويًا يجمع الشعوب، وكانت المنافسة تُحسم داخل المستطيل الأخضر، أما اليوم فقد أصبحت الخرائط السياسية والحسابات التجارية طرفًا خفيًا في البطولة، وأصبح اللاعب مطالبًا بأن يكون رياضيًا ومسافرًا محترفًا في الوقت نفسه. فما قيمة الحديث عن الاستشفاء البدني والجاهزية الذهنية إذا كان المنتخب ينتقل آلاف الكيلومترات بين ثلاث دول، ويقضي ساعات طويلة في المطارات والطائرات؟ وما معنى أن تضطر دولة مثل إيران إلى الإقامة في بلد، وخوض مبارياتها في بلد آخر، بسبب اعتبارات سياسية لا علاقة لها بكرة القدم؟ هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما نشاهده بطولة لكرة القدم أم اختبارًا لقدرة البشر على تحمل الإرهاق؟
من حق الجماهير أن تحلم بكأس عالم استثنائي، لكن من حق اللاعبين أيضًا أن يجدوا ظروفًا عادلة تساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم. ولهذا أرى أن نظام إقامة بطولة كأس العالم في عدة دول، كما يحدث في نسخة 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، هو نظام يطرح الكثير من علامات الاستفهام.
فالولايات المتحدة وحدها قارة كاملة وليست دولة بالمعنى التقليدي، والتنقل بين بعض مدنها يستغرق ساعات طويلة بالطائرة، فما بالك إذا أضفنا السفر بين ثلاث دول مختلفة؟ هنا لا يصبح الحديث عن كرة القدم فقط، بل عن إرهاق بدني وضغط ذهني واستهلاك مستمر للوقت والطاقة.
من غير المنطقي أن يلعب منتخب مثل الفريق المصرى، مباراته الأولى في الولايات المتحدة، ثم ينتقل إلى كندا للمباراة الثانية، قبل أن يعود مرة أخرى إلى الولايات المتحدة للمباراة الثالثة. ومن غير المعقول أن يقيم منتخب في المكسيك ويظل في حالة تنقل مستمر بين الدول الثلاث، بينما تفرض ظروف سياسية أو لوجستية إضافية قيودًا على بعض المنتخبات، كما هو الحال بالنسبة للمنتخب الإيراني الذي لا يستطيع المبيت داخل الولايات المتحدة.
كرة القدم الحديثة أصبحت علمًا قائمًا على أدق التفاصيل، من التغذية والاستشفاء إلى ساعات النوم والإعداد النفسي. فكيف يطالب الاتحاد الدولي اللاعبين بتقديم أعلى مستوياتهم وهم يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم بين المطارات والطائرات والفنادق؟
كنت أتمنى أن يتم تخصيص مدينة أو منطقة معينة لكل مجموعة خلال الدور الأول، سواء في الولايات المتحدة أو كندا أو المكسيك، بحيث تخوض المنتخبات مبارياتها الثلاث في نطاق جغرافي محدود، ثم يبدأ التنقل بين المدن والدول مع انطلاق الأدوار الإقصائية. عندها يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة من استضافة ثلاث دول وبين الحفاظ على صحة اللاعبين ومستوى المنافسة.
أما أن تتحول المنتخبات إلى قطع شطرنج تنتقل من هنا إلى هناك ثم تعود من جديد، فذلك يثير سؤالًا مشروعًا: هل فكر الفيفا في اللاعبين باعتبارهم بشرًا يحتاجون إلى الراحة والاستقرار، أم أن المطلوب منهم أن يتعاملوا كأنهم آلات لا تعرف الإرهاق؟
قد تحقق البطولة نجاحًا جماهيريًا وتسويقيًا هائلًا، لكن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الملاعب الممتلئة أو العوائد المالية الضخمة، بل بقدرة البطولة على توفير العدالة والراحة لمن يصنعون المتعة داخل المستطيل الأخضر.
فاللاعب هو بطل العرض، وحين يصبح السفر أكثر مشقة من المباراة نفسها، يكون من حقنا أن نسأل: هل انتصرت كرة القدم، أم انتصرت الحسابات التجارية؟
لا أحد يعترض على فكرة توسيع كأس العالم أو منح أكثر من دولة شرف الاستضافة، لكن البطولة يجب أن تبقى في خدمة كرة القدم، لا أن تتحول إلى سباق مع المسافات أو إلى رهينة للحسابات السياسية. فاللاعب ليس آلة، والمدرب ليس موظفًا في شركة طيران، والمنتخبات ليست قطع شطرنج تُنقل من مدينة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى وفق اعتبارات لا علاقة لها بالمنافسة الرياضية.
و على صعيد عناء الجماهير  و هى مشكلة اخرى ، 
فالأمر لم يعد يقتصر على اللاعبين، بل يمتد إلى الجماهير نفسها التي تعاني من إجراءات الحصول على تأشيرات دخول ثلاث دول مختلفة، وتتحمل مشقة السفر وتكاليفه الباهظة، وتنتقل من مطار إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى، وكأن متابعة المنتخب أصبحت رحلة استنزاف وليست متعة كروية. أما الأكثر غرابة فهو أن الحسابات السياسية دخلت على الخط، فأصبح منتخب مثل إيران يعسكر في دولة ويخوض مبارياته في دولة أخرى، وكأن السياسة أصبحت شريكًا في جدول البطولة. وهنا يبرز السؤال: هل فكر الفيفا في البشر الذين يصنعون هذا الحدث ويعيشونه، أم أن الاعتبارات التجارية والتنظيمية أصبحت هي صاحبة الكلمة الأولى؟
كرة القدم وُجدت لتجمع الناس لا لتزيد من أعبائهم، ولتصنع الذكريات الجميلة لا لتضيف إلى الإرهاق إرهاقًا آخر. لذلك فإن الفيفا مطالب بمراجعة فلسفة تنظيم البطولات متعددة الدول، لأن اللاعب بشر، والمشجع بشر، وحتى كرة القدم نفسها تحتاج إلى شيء من الرحمة. فلا يجوز أن تتحول أعظم بطولة على وجه الأرض إلى ماراثون من الرحلات الجوية والحسابات السياسية، وكأن من يركض فوق العشب ليس إنسانًا، بل آلة لا تعرف التعب.
وإذا كانت السياسة قد فرضت على منتخب مثل إيران أن يعسكر في مكان ويلعب في مكان آخر، وإذا كانت المسافات الشاسعة ترهق اللاعبين والأجهزة الفنية، فإن الفيفا مطالب بأن يعيد النظر في فلسفة تنظيم البطولات الكبرى. لأن كأس العالم في النهاية يُصنع بالأقدام التي تركض فوق العشب، لا بالطائرات التي تقطع آلاف الأميال، ولأن أجمل ما في اللعبة أنها لعبة بشر، وليست بطولة للآلات.