مراجعات
صكوك الطُّهر!
هناك الكثير من العبارات الأخلاقية التي خلَّدها التاريخ، أبرزها تلك المقولة المنسوبة إلى نبي الله عيسى- عليه السلام- ووَرَدَت في «إنجيل يوحنا»: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولًا بحجر»، بشأن امرأة اتُّهمت بالزنا، وطالب بعض «الكَتَبَة» و«الفريسيين» برجمها.
تلك المقولة العميقة في العبارة ليست تبرئة للخطأ، بل تفضح نزعة كثير من البشر في التلذذ بإدانة الآخرين، وكأنهم مُنَزَّهون عن الضعف والخطيئة، ولذلك بقيت قولًا مأثورًا، للتنديد بالنفاق الأخلاقي، والمحاكمات الجماعية الهزلية، وادعاء المثالية، خصوصًا حين يتحول الناس إلى قضاة وجلادين في قضايا الآخرين، بينما يتناسون هشاشتهم الإنسانية وأخطاءهم الخاصة!
في بعض الأماكن المُظلمة ليلًا، نسمع نباح كلاب الشوارع يتصاعد فجأة بلا سبب واضح، وكأن العدوى انتقلت بينها دفعة واحدة.. كلب ينبح، فتتبعه عشرات الحناجر المرتعشة، لا لأنها رأت خطرًا حقيقيًا، بل لأن الهَلَعَ مُعْدٍ، والضجيج يمنح القطيع شعورًا زائفًا بالقوة.
هذا المشهد نفسه يتكرر كل يوم على مِنَصَّات التواصل الاجتماعي ـ مع فارق التشبيه بالطبع ـ لكن بصيغة أكثر أناقة ووحشية.. شاشة مضيئة، وتعليق غاضب، ثم آلاف الحسابات التي تهرول خلف «اللقطة»، وكأنها اكتشفت فجأة رسالتها المقدسة في تطهير الأرض من المخطئين.
للأسف، لم تعد «السوشيال ميديا» مجرد مساحة منضبطة، بل تحولت تدريجيًّا إلى ساحة إعدام علنية، تُنصب فيها «المشانق الرقمية» أسرع من أي محكمة، وتُصدر الأحكام بلا قاضٍ أو تحقيق، ولا حتى لحظة صمتٍ واحدة للتفكير، ولكن لا أحد يتذكر أن مَن يقف اليوم في صفوف «المزايدين»، قد يجد نفسه غدًا معلقًا على منصة التشهير ذاتها!
يكفي فقط أن تقع مأساة، أو يرتكب شخص ما حماقة، حتى يخرج الملايين من «جحور الإحباط» مرتدين عباءة الفضيلة.. يصرخون في وجه الضحية والجاني معًا، وكأنهم ملائكة هبطت من السماء خصيصًا لتوزيع «صكوك الطُّهر» على غيرهم من البشر.
إذن، ما يحيط بنا الآن من سُعار ونباح جماعي يخلق تبعات خطيرة، خصوصًا أن كثيرًا ممن يجلدون الناس علنًا، لا تحركهم العدالة، بقدر ما تُحركهم شهوة التفوق الأخلاقي، ليتحول الألم الإنساني إلى مسرح استعراضي، والمصائب فرصة ذهبية لحصد الإعجابات والتفاعل، بينما تُسحق عائلات كاملة تحت عجلات هذا «السيرك الإلكتروني»!
لعل ما لاحظناه مؤخرًا من قصص مؤثرة، ينحصر في أب ينهار قلبه خوفًا على أولاده، وأم ترى مستقبل أبنائها يتحطم أمام عينيها، ومراهقين يرتكبون حماقات العمر والاندفاع، ثم يجدون أنفسهم معلَّقين على أعمدة التشهير، وسط تصفيق حماسي، بدم بارد، أو «تعاطف» مفتَعَل!
أخيرًا.. أصبحت مِنَصَّات التواصل الاجتماعي، أشبه بوعاءٍ ضخمٍ لتفريغ الكراهية المؤجلة، والحاصل أن الناس لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن شخص تحمله أوجاعها وعُقَدها وفشلها ومراراتها الطبقية والنفسية، وحين تجد الضحية المناسبة، تبدأ حفلة «الردح الجماعي»!
فصل الخطاب:
حين تغيب الضمائر، تصبح «السوشيال ميديا» سلاحًا فتاكًا، لا يتروى في نشر الحقيقة، بقدر ما يُوزِّع القسوة والكراهية.