بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حيتان الأسواق.. أقوى من الحكومة

الحرب توقفت.. والغلاء يرفض التراجع

بوابة الوفد الإلكترونية

التجار يتحكمون فى السلع.. والمواطنون يدفعون الثمن

 

فى الأسواق المصرية لا شىء ثابت سوى المفاجآت.. أسعار تقفز خلال ساعات، وأخرى تتراجع فجأة دون مقدمات واضحة، بينما يقف المواطن أمام بائع الخضار أو منفذ بيع الدواجن عاجزًا عن فهم ما يحدث داخل سوق يبدو أنه يتحرك وفق قواعد لا يعرفها سوى كبار التجار والسماسرة والمتحكمين فى حلقات التوزيع، الطماطم التى كانت تستنزف ميزانية الأسر قبل أسابيع أصبحت الأرخص على العربة نفسها، والبيض الذى تحول إلى عبء يومى على كثير من البيوت عاد للانخفاض بشكل مفاجئ، فى حين تواصل سلع أخرى التحليق عند مستويات مرتفعة رغم تراجع أسباب الزيادة.

فبعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتراجع أسعار النفط عالميا، وتراجع أسعار الذهب والدولار، اعتقد البعض أن أسباب الزيادات المبالغ فيها فى أسعار كل شىء انتهت، ولكن رغم انتهاء الأسباب ما زالت الأسعار مرتفعة.

هذا المشهد خلق حالة من الحيرة داخل الشارع، خاصة مع التفاوت الكبير فى الأسعار من منطقة لأخرى، واختلافها أحيانًا بين الأسواق وبعضها، وأصبح السؤال الذى يطرح نفسه: من المسئول عن تحديد الأسعار فى مصر؟ فبعض السلع ترتفع بدعوى زيادة تكاليف النقل أو الأعلاف أو اضطراب الأسواق العالمية، لكن كثيرًا منها لا يعود للانخفاض بنفس السرعة بعد انتهاء الأزمة أو تراجع التكلفة.

وسط هذه الحالة من الارتباك، عبّر عدد من المواطنين عن استيائهم من استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مؤكدين أن الأسواق تشهد تغيرات يومية غير مفهومة، فى ظل غياب رقابة حقيقية تضمن استقرار الأسعار أو تمنع المغالاة.

وقالت أم محمد، ربة منزل، إن أسعار الخضراوات والفاكهة أصبحت تمثل عبئا يوميًا على الأسر، موضحة أن أسعار الطماطم والخيار والبصل تتغير بصورة مفاجئة من يوم لآخر، وأضافت: «بننزل السوق مش عارفين هنشترى بإيه ولا الأسعار هتكون كام، وكل تاجر بيقول رقم مختلف».

وأشار أحمد السيد، موظف، إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، وإنما باستمرارها حتى بعد انتهاء الأسباب التى أدت إليها، موضحًا أن المواطنين يسمعون دائمًا عن انخفاض الدولار أو تراجع أسعار الأعلاف، لكن ذلك لا ينعكس سريعًا على الأسواق، بينما ترتفع الأسعار فور حدوث أى أزمة أو حتى مع انتشار الشائعات.

وأكدت سمر عبدالعزيز، موظفة وأم لثلاثة أطفال، أن الأسعار شهدت ارتفاعات «مرهقة» خلال الأشهر الماضية، لافتة إلى أنها أصبحت تضطر لتقليل الكميات بصورة كبيرة بسبب تراجع القدرة الشرائية، وأضافت أن بعض السلع بدأت تخرج تدريجيًا من قائمة الاحتياجات الأساسية لدى كثير من الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.

وقال الحاج رمضان، تاجر خضراوات بإحدى الأسواق الشعبية، إن تعدد الوسطاء بين المزارع والمستهلك يؤدى إلى رفع الأسعار بصورة كبيرة، موضحًا أن السلعة تمر أحيانًا على أكثر من تاجر قبل وصولها إلى السوق، ما يضيف تكاليف إضافية يتحملها المواطن فى النهاية.

فيما أشار محمود فؤاد، سائق، إلى أن المواطن لم يعد يشعر بوجود رقابة حقيقية على الأسواق، مؤكدًا أن الأسعار تختلف بشكل واضح من منطقة لأخرى رغم أن السلعة واحدة، وأضاف: «مفيش سعر ثابت ولا رقابة حقيقية، وكل واحد بيبيع بالسعر اللى هو عايزه».

وطالب عدد من المواطنين بزيادة الرقابة على الأسواق وإعلان أسعار استرشادية واضحة للسلع الأساسية، مع تشديد العقوبات على المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، مؤكدين أن ضبط الأسواق أصبح ضرورة لحماية المواطنين من موجات الغلاء المتتالية.

أزمة الرقابة

من جانبه، أكد محمود العسقلانى، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، أن الأسواق المصرية تشهد حالة من الارتفاعات غير المبررة فى أسعار السلع الأساسية، خاصة الخضراوات والفاكهة واللحوم، مشيرًا إلى أن الأسعار أصبحت بعيدة عن أى منطق اقتصادى واضح أو آليات حقيقية للعرض والطلب.

وأوضح «العسقلانى» أن أسعار الفاكهة ارتفعت بصورة مبالغ فيها، كما شهدت أسعار اللحوم قفزات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، رغم حالة التباطؤ النسبى التى تسيطر على سوق اللحوم بعد موسم عيد الأضحى، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من تلك الزيادات لا يستند إلى أسباب حقيقية تتعلق بالإنتاج أو نقص المعروض.

وأضاف أن كبار التجار والمحتكرين هم المتحكمون الرئيسيون فى تحديد الأسعار داخل الأسواق، موضحًا أن كل سلعة تقريبًا تقف خلفها مجموعة محددة تتحكم فى حركة البيع والتوزيع والأسعار، لافتًا إلى أن كثيرا من السلع الغذائية تسيطر عليها أربع أو خمس شركات كبرى تقوم بصورة غير مباشرة بتحديد الأسعار وإعطاء إشارات للسوق بشأن أسعار البيع.

وأشار إلى أن هذه الممارسات تتعارض مع قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، الذى يحظر الاتفاقات بين المنتجين لتحديد أو زيادة الأسعار بصورة جماعية.

وفيما يتعلق بدور الوسطاء، شدد العسقلانى على أن الحلقات الوسيطة تمثل أحد أهم أسباب ارتفاع الأسعار، موضحًا أن السلعة الغذائية تمر غالبًا عبر أكثر من وسيط قبل وصولها إلى المستهلك، ما يؤدى إلى تضخم السعر النهائى بصورة كبيرة.

واستشهد بتجربة وزارة التموين خلال أزمة ارتفاع أسعار الطماطم، موضحًا أن الوزارة نجحت وقتها فى خفض الأسعار عبر شراء الطماطم مباشرة من المزارعين وتوزيعها من خلال المجمعات الاستهلاكية، ما أدى إلى إلغاء عدد من الحلقات الوسيطة وانخفاض السعر بصورة ملحوظة.

ووصف «العسقلانى» الرقابة على الأسواق بأنها تعانى من «أزمة حقيقية»، مؤكدًا أن ضعف أعداد مفتشى التموين والعجز داخل الأجهزة الرقابية تسبب فى وجود فراغ واضح داخل الأسواق، كما أشار إلى أن جهاز حماية المستهلك يعانى من ضعف الإمكانيات البشرية مقارنة بحجم السوق المصرى.

واقترح الاستعانة بشباب الخدمة العامة للعمل فى مراقبة الأسواق ودعم الأجهزة الرقابية، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تساعد فى الحد من حالة الانفلات السعرى وتحسين الرقابة على حركة الأسعار.

العرض والطلب يحكمان السوق

على الجانب الآخر، يرى الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى، أن ما يشهده السوق المصرى من ارتفاعات وانخفاضات فى أسعار السلع يرتبط بشكل أساسى بآليات العرض والطلب، مؤكدًا أن السوق أصبح يعمل وفق قواعد الاقتصاد الحر بعد تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادى والانفتاح على الأسواق العالمية وحرية الاستيراد والتصدير.

وأوضح «سالم» أن «قواعد اللعبة الاقتصادية» فى مصر باتت تعتمد بصورة كبيرة على حركة المعروض من السلع وحجم الطلب عليها، إلى جانب تأثر السوق المحلى بالتطورات العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما يفسر حالة التذبذب التى شهدتها أسعار العديد من السلع خلال الأشهر الأخيرة.

وأشار إلى أن التوترات الإقليمية الأخيرة، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من ردود عسكرية واتساع نطاق التوتر بالمنطقة، تسببت فى اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد العالمية، الأمر الذى انعكس بشكل مباشر على الأسواق المصرية من خلال ارتفاع تكاليف النقل والشحن وأسعار الوقود والتأمين على الشاحنات.

وأضاف أن تلك التطورات دفعت أسعار عدد من السلع الغذائية إلى الارتفاع خلال فترة الأزمة، قبل أن تبدأ الأسعار فى التراجع تدريجيًا مع تهدئة الأوضاع وعودة حركة الملاحة وفتح المضائق البحرية بصورة أكبر، ما ساهم فى استعادة سلاسل الإمداد لتوازنها وزيادة المعروض داخل الأسواق.

وضرب الخبير الاقتصادى مثالًا بأسعار البيض، موضحًا أن طبق البيض البلدى وصل خلال ذروة الأزمة إلى نحو 150 جنيهًا، بينما بلغ الأحمر 140 جنيهًا، والأبيض 130 جنيهًا، قبل أن تتراجع الأسعار حاليًا بصورة واضحة مع زيادة المعروض.

كما أشار إلى تراجع أسعار الدواجن بعد موجة ارتفاعات كبيرة صاحبت موسم عيد الأضحى وفترة التوترات الإقليمية، موضحًا أن أسعار الفراخ البيضاء كانت قد تجاوزت 90 جنيهًا للكيلو، والحمراء 100 جنيه، فيما وصلت الفراخ البلدى فى بعض المناطق إلى أكثر من 130 جنيهًا، قبل أن تعود الأسعار للانخفاض نتيجة استقرار الأسواق وزيادة المعروض.

وأضاف أن أسعار الدواجن تدور حاليًا حول 75 جنيهًا للفراخ البيضاء و85 جنيهًا للحمراء، فيما تراجع سعر البانيه من نحو 240 جنيهًا إلى قرابة 180 جنيهًا للكيلو.

وفيما يتعلق بالخضراوات، أوضح سالم أن الطماطم شهدت قفزات حادة قبل عيد الأضحى وخلال فترة التوترات الإقليمية، حيث تراوح سعر الكيلو بين 40 و60 جنيهًا، قبل أن ينخفض حاليًا مع زيادة المعروض.

وأشار أيضًا إلى تراجع أسعار البصل بعد أن وصل إلى ما بين 12 و15 جنيهًا للكيلو خلال الأزمة، قبل أن يعود إلى مستويات تتراوح بين 8 و10 جنيهات، كما شهدت أسعار الأرز والسكر ارتفاعات طفيفة ثم عادت للانخفاض مع استقرار الأسواق.

وشدد «سالم» على أن تلك التغيرات تؤكد أن العامل الأساسى فى تحديد الأسعار هو العرض والطلب، وليس فقط ما يصفه البعض بجشع التجار، موضحًا أن تكلفة أى سلعة ترتبط بعدة عوامل تشمل الإنتاج والعمالة والنقل والوقود والكهرباء والشحن والتخزين.

وأضاف أن أى زيادة فى أسعار الطاقة أو النقل تنعكس بصورة طبيعية على أسعار السلع، لكن مع زيادة المعروض تبدأ الأسعار فى التراجع تلقائيًا، مؤكدًا أن وفرة السلعة تؤدى إلى انخفاض سعرها، بينما يؤدى نقصها إلى ارتفاع الأسعار.

واعتبر الخبير الاقتصادى أن وعى المستهلك يمثل عنصرًا مهمًا فى ضبط الأسواق من خلال المقارنة بين الأسعار واختيار البدائل الأقل تكلفة، مشيرًا إلى أن بعض السلع داخل المنافذ الحكومية تُباع أحيانًا بأسعار أعلى من مثيلاتها فى القطاع الخاص.

وأكد «سالم» أن قانون العرض والطلب «سُنة اقتصادية» تحكم الأسواق الحرة، موضحًا أن ارتفاع أسعار بعض السلع مثل الذهب يعود إلى ندرتها وقلة المعروض منها، بينما تنخفض أسعار سلع أخرى نتيجة وفرتها الكبيرة.

وأشار إلى أن السوق المفتوح يتيح إعادة التوازن تلقائيًا من خلال الاستيراد، فعندما ينخفض المعروض من سلعة معينة ترتفع الأسعار، ما يدفع المستوردين إلى ضخ كميات جديدة داخل السوق، وهو ما يؤدى تدريجيًا إلى استقرار الأسعار مرة أخرى.

واستشهد بارتفاع أسعار الترمس قبل عيد الأضحى من نحو 40 جنيهًا إلى 80 جنيهًا نتيجة تعطل الشحنات القادمة بسبب اضطراب سلاسل الإمداد، قبل أن تعود الأسعار للتراجع مع وصول كميات جديدة للأسواق.

وأوضح أن أسعار السلع لا ترتبط فقط بالعرض والطلب، وإنما تتأثر أيضًا بالأسعار العالمية وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، مشيرًا إلى أن ارتفاع الدولار خلال فترة التوترات ساهم فى زيادة أسعار العديد من السلع، بينما ساهم تراجعه لاحقًا فى انخفاض بعض الأسعار، وعلى رأسها الذهب.

واختتم «سالم» حديثه بالتأكيد على أن السوق المصرى سيظل خاضعًا لقواعد العرض والطلب طالما استمر فى العمل وفق آليات السوق الحرة والانفتاح التجارى، موضحًا أن حجم المعروض وسعر الصرف والأسعار العالمية وطبيعة السلعة المحلية أو المستوردة تظل جميعها عوامل رئيسية فى تحديد الأسعار داخل الأسواق.