اضطرابات مضيق هرمز بين واشنطن وطهران.. كيف تهدد الاقتصاد العالمي وتنعكس على مصر؟
عادت منطقة الخليج العربي إلى واجهة الأحداث الاقتصادية والسياسية العالمية بعد تصاعدت التوترات المتعلقة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فبعد مؤشرات على تفاهمات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ساهمت في استمرار حركة الملاحة، شهدت المنطقة خلال الأيام الأخيرة اضطرابات جديدة أثارت مخاوف الأسواق العالمية من احتمالات تعطّل تدفق النفط والغاز عبر المضيق، وقد انعكس ذلك سريعًا على أسعار الطاقة وأسواق المال، وأعاد إلى الأذهان سيناريوهات الأزمات النفطية التي لطالما أثرت على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، أوضح دكتور طاهر عبدالكريم الخبير الاقتصادي، إن هذه التطورات تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة لمصر والعالم، لأن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر مائي إقليمي، بل يعد شريانًا حيويًا للطاقة والتجارة الدولية، وأي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على الأسواق العالمية.
أولًا: أهمية مضيق هرمز للاقتصاد العالمي ولماذا يثير أي توتر فيه قلق الأسواق؟
يقع مضيق هرمز بين سلطنة عمان وإيران، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا فقط، لكنه يعد أهم ممر لنقل الطاقة في العالم، ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، عبر المضيق خلال عام 2024 ما يقرب من 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات البترولية، وهو ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط.
كما يمر عبر المضيق أكثر من ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خصوصًا الصادرات القادمة من قطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 80% من صادرات النفط العابرة للمضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
لذلك فإن أي تهديد للملاحة في المضيق يثير قلقًا فوريًا لدى المستثمرين والمتعاملين في أسواق الطاقة، لأن البدائل المتاحة لنقل هذه الكميات الضخمة من النفط والغاز محدودة نسبيًا. وحتى مع وجود خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات، فإنها لا تستطيع استيعاب كامل الكميات التي تمر عبر المضيق.
ثانيًا: حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد العالمي حال استمرار إغلاق مضيق هرمز:
إذا استمرت الأزمة أو تصاعدت إلى إغلاق فعلي للمضيق لفترة طويلة، فإن الاقتصاد العالمي قد يواجه واحدة من أكبر الصدمات الاقتصادية منذ الحرب الروسية الأوكرانية.
تشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن توقف جزء كبير من الإمدادات النفطية القادمة من الخليج قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 120 و150 دولارًا للبرميل، بينما تذهب بعض السيناريوهات المتشائمة إلى إمكان تجاوز 180 دولارًا للبرميل إذا طال أمد الأزمة.
ولفت"عبدالكريم" إلي أن ارتفاع أسعار النفط بهذا الشكل يعني زيادة مباشرة في تكاليف النقل والإنتاج والتصنيع حول العالم. كما سترتفع أسعار التأمين البحري على السفن المارة في المنطقة، وقد تضطر بعض الشركات إلى استخدام طرق شحن أطول وأكثر تكلفة، وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط تؤدي إلى سحب مئات المليارات من الدولارات من القوة الشرائية العالمية سنويًا، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج. وبالتالي فإن استمرار الإغلاق قد يكلف الاقتصاد العالمي مئات المليارات من الدولارات خلال أشهر قليلة فقط.
ثالثًا: قد يؤدي ذلك إلى موجة تضخمية جديدة في الاقتصادات الكبرى:
الإجابة المختصرة هي نعم.
فعلى الرغم من نجاح العديد من البنوك المركزية الكبرى خلال العامين الماضيين في خفض معدلات التضخم تدريجيًا بعد أزمة كورونا والحرب الأوكرانية، فإن أي قفزة كبيرة في أسعار الطاقة قد تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة من جديد.
النفط لا يستخدم فقط كوقود للسيارات والطائرات والسفن، بل يدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج آلاف السلع والخدمات، وبالتالي فإن ارتفاع أسعاره يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والتصنيع والزراعة.
في الولايات المتحدة وأوروبا، قد تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع لمواجهة التضخم، وهو ما يضغط على الاستثمار والنمو الاقتصادي.
أما في الدول النامية والناشئة، فإن التأثير يكون أشد قسوة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغوط على العملات المحلية والموازنات العامة.
رابعًا: التأثير المحتمل على الاقتصاد المصري:
لا تعد مصر دولة مصدرة للنفط بالمعنى الذي يجعلها تستفيد بالكامل من ارتفاع الأسعار العالمية، بل إن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل تحديًا اقتصاديًا كبيرًا.
أول التأثيرات يتمثل في زيادة فاتورة استيراد الوقود والمنتجات البترولية، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على النقد الأجنبي، كما ترتفع تكاليف النقل والإنتاج محليًا، مما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
ومن ناحية أخرى، تعتمد مصر على استقرار حركة التجارة العالمية وطرق الملاحة الدولية، سواء عبر قناة السويس أو من خلال الواردات والصادرات، وأي اضطراب في حركة التجارة العالمية يؤثر بشكل غير مباشر على النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تراجع إيرادات قناة السويس خلال عام 2024 بسبب اضطرابات البحر الأحمر، حيث انخفضت الإيرادات من نحو 10.3 مليار دولار في 2023 إلى قرابة 4 مليارات دولار فقط في 2024 وفق بيانات رسمية، ما جعل الاقتصاد المصري أكثر حساسية تجاه أي توترات جديدة في المنطقة.
خامسًا: القطاعات الأكثر تضررًا عالميًا من استمرار الأزمة:
هناك قطاعات عدة ستكون في مقدمة المتضررين إذا استمرت الأزمة:
قطاع الطيران: بسبب الارتفاع الكبير في أسعار وقود الطائرات، الذي يمثل أحد أكبر بنود التكلفة التشغيلية.
قطاع الشحن البحري: نتيجة زيادة تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية وتغيير مسارات بعض السفن.
قطاع الصناعة: خصوصًا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الحديد والأسمنت والألومنيوم والكيماويات.
قطاع البتروكيماويات: الذي يعتمد بصورة مباشرة على النفط والغاز كمادة خام.
قطاع النقل والخدمات اللوجستية: نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود والشحن.
الأسواق المالية: حيث يؤدي تصاعد المخاطر الجيوسياسية إلى هروب المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والدولار.
سادسًا: هل يمكن أن يتسبب التصعيد في تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي؟:
يرى العديد من الخبراء أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في ارتفاع أسعار النفط، بل في حالة عدم اليقين التي تخلقها الأزمات الجيوسياسية.
فالشركات تؤجل قرارات الاستثمار عندما تزداد المخاطر، والمستهلكون يقللون الإنفاق مع ارتفاع الأسعار، والبنوك تصبح أكثر تحفظًا في الإقراض. وكل هذه العوامل تؤدي في النهاية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وقد حذر عدد من المؤسسات الدولية من أن استمرار التوترات في الخليج قد يخفض معدل النمو العالمي المتوقع خلال السنوات المقبلة، خصوصًا إذا ترافق مع موجة تضخمية جديدة وارتفاع أسعار الفائدة.
وأحتتم الخبير الاقتصادي كلامه قائلاً: "يمثل مضيق هرمز أحد أهم الأعصاب الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط وجزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ولذلك فإن أي توتر بين الولايات المتحدة وإيران أو أي اضطراب في الملاحة داخل المضيق لا يظل حدثًا إقليميًا محدودًا، بل يتحول سريعًا إلى قضية اقتصادية عالمية تؤثر على أسعار الطاقة والتجارة والتضخم والنمو، وبالنسبة لمصر، فإن استمرار الأزمة قد يفرض ضغوطًا إضافية على فاتورة الطاقة والأسعار المحلية والنقد الأجنبي، ما يجعل استقرار الملاحة في مضيق هرمز مصلحة اقتصادية عالمية وإقليمية في آن واحد.