زاوية حرة
لا مال.. لا دواء.. لا حياة!
بينما يحايل أصحاب المعاشات الأيام بغية أن تمر دون ضرر بالغ يؤثر على ما تبقى لهم من حياة، يستيقظون من فترة إلى أخرى على زيادة أسعار الأدوية، لا سيما أدوية الأمراض المزمنة، ولا يعرف هؤلاء كيف يواجهون تلك الزيادة المفرطة، بينما معاشاتهم لا تكفي للعيش الحاف ولا لتغطية فواتير المنزل، أي عذاب هذا؟، فكيف يتحمل من أفنوا أعمارهم في خدمة البلد الحوجة وضيق اليد؟.
في الأزمنة الغابرة، كان المرض ابتلاءً يخشاه الناس، أما الآن فقد أصبح المرض والفقر معًا حكمًا قاسيًا قد لا ينجو منه صاحبه، فالكثيرون الآن غير قادرين على شراء الأدوية، وإن مر أحدهم بدور مرضي صعب تبيض عيناه من الحزن، لأن تكلفة الشفاء أصبحت باهظة أكثر من أي وقتٍ مضى، لذلك يكون البقاء في الفراش هو الحل، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
هذا بالنسبة لأصحاب المعاشات، أما الحديث عن الفقراء ومن يعملون باليومية يومًا بيوم فيبكي الحجر، فالمواطن البسيط الذي يكدح طوال الشهر ليؤمن لقمة العيش يقف أمام تلك الأعباء سالفة الذكر مشدوهًا، يتحدث مع حوائط المنزل، يا للهول، الحاجة أثقلت كاهل الناس، كأن حقه في العلاج بات مرهونًا بحجم ما يملكه من مال، لا بحجم ما يعانيه.
والمؤلم في الأمر أن المرض لا يختار توقيتًا مناسبًا أو ظروفًا اقتصادية، ولا ينتظر تحسن الأحوال المعيشية، فهو يداهم الإنسان فجأة، فيجد نفسه أمام معادلة مستحيلة، إما أن يشتري الدواء ويقتطع من قوت أسرته، أو يحافظ على ما تبقى في جيبه ويترك المرض ينهش جسده ببطء.
وبين هذا وذاك، تتسع دائرة العجز، وتتآكل كرامة الإنسان وهو يطرق أبواب الأقارب والجمعيات الخيرية بحثًا عن ثمن علاج كان يومًا في متناول اليد، فالأزمات الاقتصادية قد تفسر ارتفاع الأسعار، لكنها لا تخفف من وجع المريض الذي يقف أمام الصيدلية ممسكًا بروشتة عاجزًا عن صرفها كاملة، ولا تواسي الأب الذي يؤجل علاجه حتى يتمكن من الإنفاق على أبنائه، ولا الأم التي تخفي آلامها لأنها تعلم أن ميزانية البيت لم تعد تحتمل دواءً جديدًا.
ونظرًا لوجود شريحة كبيرة من المصريين يعانون من ارتفاع أسعار الأدوية، أصبحنا أمام واقع يدفع البعض إلى تقليل الجرعات، أو الاستغناء عن أدوية أساسية، أو تأجيل الفحوصات الطبية حتى تتفاقم حالتهم، وقد يصل الحال للبعض منهم إلى الموت البطيء، وهنا يكون الثمن أرواحًا تستنزف، وأمراضًا تتفاقم، ومآسي تتكرر في صمت بعيدًا عن الأرقام والإحصاءات الرسمية.
يجب أن تكون هناك حلول خارج الصندوق للبسطاء الذين لا يمتلكون تأمينًا صحيًا، للحصول على الأدوية بأسعار رمزية، لأن عدم القدرة على شراء الأدوية يخلق شعورًا بالخذلان، فحين يشعر المواطن أن المرض أصبح امتيازًا لا يتحمله إلا القادرون، وأن العلاج يتحول تدريجيًا من حق إلى رفاهية، تتعرض الثقة الاجتماعية لاهتزاز خطير، فالدول لا تقاس فقط بإنجاز المشروعات، ولكن بقدرتها على حماية الإنسان في لحظات ضعفه وعجزه، وعندما يحتاج إلى العلاج أكثر من أي شيء آخر يجد من يحنو عليه.
لقد أصبحت آهات المحتاجين جزءًا من المشهد اليومي لقطاعات واسعة من المواطنين، ويزداد هذا المشهد قسوةً حين ندرك أن الفئات الأكثر تضررًا ليست بالضرورة تلك القادرة على الصراخ أو إيصال صوتها، ولكن العمال البسطاء وأصحاب المعاشات والأسر محدودة الدخل، هؤلاء يكتشفون عند أول أزمة صحية أن مدخراتهم لا تكفي لشراء الدواء الذي يحفظ لهم حياتهم.
إن المجتمع الذي يعجز فقراؤه عن العلاج، يعد أمام مشكلة كبيرة، لأنه ليس من الإنصاف أن تتوافر الخدمات لمن يستطيع دفع ثمنها فقط، فالدواء ليس سلعة كمالية، والمرض ليس اختيارًا شخصيًا، فكيف يتصرف ملايين البسطاء عندما يطاردهم المرض ولا يجدون ثمن العلاج؟ وماذا يفعلون إذا أصبح الشفاء أغلى من قدرتهم على الحياة؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف مأساة كاملة يعيشها كثيرون في صمت.