بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

وداعاً نتنياهو

 

وداعاً نتنياهو: هل بدأت واشنطن فعلياً في رسم ملامح "اليوم التالي" لإسرائيل؟

في أروقة السياسة الدولية، لا تُقال الكلمات الكبرى في خطابات العلن، بل تُهمس في أروقة الدبلوماسية الخلفية، وبينما تشتعل النيران في جبهات إقليمية متعددة، يبدو أن هناك زلزالاً صامتاً يضرب ركائز التحالف التقليدي بين واشنطن وتل أبيب، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القيادة الحالية في إسرائيل وقدرتها على البقاء في ظل تنامي الفجوة مع الإدارة الأمريكية.

إن أهمية هذا التحول تكمن في كونه يتجاوز مجرد اختلاف في وجهات النظر بين حليفين، ليصل إلى مرحلة "القطيعة الوظيفية" حيث لم تعد الحكومة الحالية في إسرائيل قادرة على تلبية متطلبات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، مما يدفع واشنطن للبحث عن مسارات بديلة لضمان مصالحها في المنطقة عبر قنوات تواصل غير رسمية مع المعارضة.

سياق الحدث ومصدره

يستند هذا التحليل إلى تقرير نشره موقع "ماكو" (Mako) الإخباري الإسرائيلي بتاريخ 13 يونيو 2026، تحت عنوان "وداعاً نتنياهو: إدارة ترمب تفتح قنوات تواصل غير رسمية مع شخصيات بارزة في المعارضة الإسرائيلية".

  • رابط المصدر:

 https://www.mako.co.il/news-israel-elections/2026/Article-cbb5f2bcf44de91027.htm

  • ملخص الخبر: تكشف القناة 12 الإسرائيلية عن مساعٍ أمريكية لفتح قنوات اتصال مع المعارضة الإسرائيلية نتيجة إحباط متزايد من تصرفات وزراء في حكومة نتنياهو، مع قناعة أمريكية بإمكانية تغيير الحكم.

تآكل التحالفات: حين تصبح "الراديكالية" عبئاً استراتيجياً

تنتقل الدبلوماسية الأمريكية من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة "تجهيز البدائل" بعد أن أثبتت الحكومة الحالية عدم قدرتها على ضبط إيقاع سياستها الداخلية بما يتماشى مع الضغوط الدولية، وهو ما يؤثر مباشرة على استقرار التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

لقد تراكمت أسباب هذا التوجه الأمريكي نتيجة عوامل جوهرية لا يمكن تجاوزها:

  • تنامي الشعور الأمريكي بالإحباط من الوزراء في الحكومة الحالية، والذين يصفهم التوجه الدبلوماسي الأمريكي بالمتطرفين، مما يعيق أهداف التهدئة الإقليمية.
  • تضرر العلاقات الخارجية لإسرائيل مع واشنطن وبروكسل، وهو ما عبر عنه زعيم المعارضة يائير لبيد بوضوح، محملاً الحكومة المسؤولية الكاملة.
  • التعنت في تنفيذ الاتفاقيات الدولية، خاصة فيما يتعلق بإنهاء الحرب في لبنان، وهو ما يراه الجانب الأمريكي تقويضاً لجهود الاستقرار.

هذا التدهور في العلاقات ليس مجرد سحابة صيف، بل هو انعكاس لأزمة ثقة عميقة بين الإدارة الأمريكية والقيادة الإسرائيلية الحالية، مما يفسر لجوء واشنطن إلى فتح قنوات تواصل مع شخصيات معارضة بارزة في إسرائيل لضمان بقاء خطوط الاتصال مفتوحة بعيداً عن صخب الوزراء الذين يثيرون غضب واشنطن.

المعارضة الإسرائيلية تضع اليد على الجرح

في سياق التحليل السياسي، نجد أن المعارضة تسعى لاستثمار هذا "الشرخ" لتقديم نفسها كبديل عقلاني ومسؤول أمام المجتمع الدولي، مدركةً أن ورقة العلاقات الخارجية أصبحت نقطة ضعف قاتلة للحكومة الحالية.

يركز الخطاب التحليلي للمعارضة بقيادة يائير لبيد على النقاط التالية:

  • التحذير من أن بقاء الحكومة الحالية يعني انهيار علاقات إسرائيل الخارجية بشكل كامل.
  • التلويح بتداعيات الغضب الأمريكي، خاصة بعد تصريحات مسؤولين أمريكيين (مثل فانس) تجاه وزراء إسرائيليين.
  • الانتقاد المباشر لعدم المسؤولية في إدارة ملفات حيوية مثل لبنان، والتي أصبحت تشكل ضغطاً كبيراً على الإدارة الأمريكية.

إن المعارضة هنا، ومن خلال ربط مصيرها بالاستقرار الاستراتيجي مع واشنطن، تحاول خلق "شرعية دولية" لحراكها الداخلي، وتؤكد على أن التغيير السياسي ليس مجرد رغبة داخلية، بل ضرورة إقليمية ودولية ملحة.

أدوات الضغط الأمريكي: السياسة في وجه الأيديولوجيا

عندما تدرك القوى الكبرى أن أفعال حلفائها تضر بمصالحها العليا، فإنها تلجأ إلى تكتيكات الضغط الناعم والصلب معاً، وفي حالتنا هذه، فإن واشنطن بدأت في ممارسة "عزل تدريجي" للقيادة المتشددة.

تتجلى هذه الأدوات في:

  • تجاوز المستويات الرسمية للحكومة والحديث مباشرة مع قوى سياسية بديلة، مما يضعف صورة الحكومة الحالية داخلياً وخارجياً.
  • استخدام الخطاب العلني لانتقاد تصرفات وزراء بعينهم، مما يبعث برسائل واضحة للناخب الإسرائيلي حول طبيعة الحكومة التي تقوده.
  • الربط بين استمرار الدعم الدبلوماسي والسياسي وبين تغيير السلوك السياسي للحكومة الإسرائيلية في ملفات الحرب والسلم.

هذه التحركات الأمريكية تعكس إدراكاً عميقاً بأن "الواقع الإسرائيلي" أصبح متغيراً يمكن اللعب فيه، وأن الجمود الاستراتيجي الحالي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية في ظل التغيرات الإقليمية الكبرى.

الخلاصة

تجد إسرائيل نفسها أمام منعطف تاريخي، حيث أدى التعنت في السياسات الداخلية إلى عزلة خارجية تتزايد يوماً بعد يوم، مع بروز توجه أمريكي صريح نحو إيجاد بدائل سياسية عبر المعارضة.

  • الإحباط الأمريكي من "تطرف" الحكومة الحالية تحول من انتقاد دبلوماسي إلى اتصالات ميدانية مع المعارضة.
  • تدرك المعارضة الإسرائيلية أن ملف العلاقات الخارجية هو الورقة الأقوى للإطاحة بالحكومة الحالية.
  • أصبح بقاء القيادة الحالية عائقاً استراتيجياً أمام الأهداف الأمريكية في تهدئة المنطقة.
  • السياسة الإسرائيلية تتجه نحو صراع وجودي بين الأيديولوجيا المتشددة والمتطلبات البراغماتية للتحالف مع واشنطن.
  • التغيير السياسي أصبح احتمالاً وارداً بقوة في الحسابات الأمريكية لضمان استقرار المصالح في الشرق الأوسط.

المصادر والمراجع

  • موقع "ماكو" (Mako)، [تقرير: وداعاً نتنياهو.. إدارة ترمب تفتح قنوات تواصل غير رسمية مع شخصيات بارزة في المعارضة الإسرائيلية]، قناة 12 الإسرائيلية، 13 يونيو 2026.
  • محمد حسنين هيكل، [كتاب المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل]، دار الشروق، 1996. (مرجع تحليلي لأسلوب المقاربة السياسية).