قطوف
غربة الأحلام "قصة قصيرة"
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

غربة الأحلام
تتطاير أطراف المفرش وخصلات شعرها، رافضةً للثبات. صوت ضجيج المروحة يمتزج بضجيج أفكارها. تنظر شاردةً للنافذة، لعلها تعيش بعض أحلامها.
يهبط بسلام، مهاجرًا وطنه، يبحث عن أمل ليحقق أحلامه. أصوات متداخلة تملأ أذنه، يشعر بانقباض قلبه وتثاقل في جسده. يتحرك في شوارع مجهولة بين أناس مجهولين، كأنه سافر إلى عالم آخر يبحث عن الأحلام، لم يجد سوى أجساد متراكمة هنا وهناك، بعضها ينظر باضطراب، والبعض ينظر بحدة تأكلك. يسكن في غرفة بفندق الأحلام، لكنه مظلم شديد الظلام، وبه ممرات كثيرة وغرف أكثر وأناس كثيرون. بداخل الغرفة نافذة واحدة تطل على بيت قديم يسكنه رجل عجوز وزوجته.
تذهب بخيالها لآخر مرة تناولا فيها معًا فنجان قهوة مع بعض قطع الشوكولاتة. حينها أخذهما الحديث طويلًا ليوم جديد، غير شاعرين بقدومه. لا تتذكر فيما تحدثا تقريبًا، ولكن لن تنسى عندما أخبرها بسفره الأسبوع القادم. تتجمع الدموع، وتغلق عينيها وأذنيها، لعل الآلام تتوقف هنا، وكيف تتوقف الآلام والسؤال قائم غريب؟!
شعرت بسعادة غامرة عند وصول أول أخبار عنه، لم تدم. يبدو أن البحث عن الأحلام طريق طويل صعب. ما زالت هذه الأخبار التي تصلها كل فترة وأخرى معدومة. انعدم الأمل، وازدادت الغربة صعوبة. من حولهما لم تجمعهما سوى الآلام. الساعة الثانية عشرة، عند المحاولة للنوم للمرة الخامسة بعد قراءة فصل من روايتهما المفضلة، وفنجان القهوة البارد، وقطعة الشوكولاتة.
تسمع آخر نداء لقدوم الطائرة. الساعة الثالثة، تنتظر بفارغ الصبر لتعلم: هل تحققت الأحلام؟! هل هو بخير؟!
ليأتي صوته يخبرها بأنه بخير. لم تشعر بالعالم من حولها. أفاقت على نداء هذه الطفلة الجميلة التي تشبهه كثيرا، تسلم عليها.
ترتعش أطرافها، ويتثاقل لسانها. الحديث الطويل الذي أعدته لم يكن سوى بضع كلمات، وانتهاء أحلامٍ ربما لم تبدأ. اختلفت كاختلاف الأحاديث والطرق والمشاعر، لتخبره بأنها بخير.