ما هى طبيعة العلاقة بين العالم الغربى والكيان الصهيونى؟
عندما نشاهد الدعم المطلق من أمريكا ومعظم الدول الغربية لدولة الكيان الصهيونى، يجب أن نتسأل؟ ما طبيعة العلاقة بين العالم الغربى والكيان الصهيونى؟
فى البداية سنسرد تاريخ نشأة هذه العلاقة:
كانت قمة الصراع المسيحى اليهودى فى أوروبا فى عام ١٢٩٠، إذ أصدر ملك إنجلترا «إدوارد الأول»، مرسوماً يفرض بموجبه على يهود إنجلترا، الدخول فى الدين المسيحى أو الرحيل النهائى عن أراضى المملكة. وتبعه فى ذلك ملك فرنسا «فيليب الأول» فى عام ١٣٠٦. وهذا يعكس كره الأوروبيين المسيحيين لليهود، ما أدى باليهود إلى اعتناق المسيحية ظاهرياً والبقاء على يهوديتهم باطنياً. واستمر هذا الوضع إلى أن تمكن اليهود من تأسيس حركة دينية، ظاهرها مسيحى وباطنها يهودى، تطالب بإصلاح الكنيسة والحد من سيطرتها على مفاصل المجتمع، وعرفت هذه الحركة بحركة «البروتستانت» وتعنى المحتجين «باللاتينية». ولم يجد البروتستانت مجالاً حيوياً لهم فى أوروبا بسبب قلة عددهم ورفض الكاثوليك لهم، فوجدوا مهرباً لهم إلى الأرض المكتشفة حديثاً وسميت أمريكا، والتى اكتشفت عام ١٤٩٢، فبدأوا بالهجرة إليها. ويشكل البروتستانت الآن الغالبية من مسيحيى أمريكا. ولذلك يطلق على الأمريكى التقليدى كلمة «واسب»، اختصاراً لـ«وايت أنجلو ساكسون بروتستانت»، أبيض البشرة إنجليزى من أصل جرمانى وبروتستانتى الديانة، (بالإنجليزية: «WASP»، اختصاراً لـWhite Anglo Saxon Protestant).
أما المحتوى الفكرى لـ«البروتستانت» والذى يسمى بالدين الجديد، فهو مزيج من اليهودية المحورة والمسيحية المحورة، ويعتبرون اليهودية والمسيحية دين واحد، نزل على مرحلتين العهد القديم والعهد الجديد، ويكمل كل منهما الآخر ويطبعون الكتابين فى كتاب واحد، تحت مسمى «العهد القديم والعهد الجديد». ويظهر البروتستانت التصالح اليهودى المسيحى، فقد أعفى اليهود من دم المسيح، والآن فى الكنائس يدعون لإسرائيل، ويجمعون التبرعات لدولة الكيان، ويفرضون على الحكومة الأمريكية مساندة إسرائيل، لتبقى تمهيداً لعودة المسيح. فقد تم تحوير هذا الدين الجديد «البروتستانت» من أحبار اليهود، بأن المسيح سيعود، وهناك شروط لعودته، وهى وجود دولة لليهود فى فلسطين ووجود الهيكل فيها، وبدون تحقيق هذه الشروط لن يعود المسيح. وهذا التيار فى أمريكا يسمى باليمين المتطرف وكذلك بالصهيونية المسيحية. ويشكل أكثر من ١٥٠ مليون أمريكى منخرطون فى هذا التيار، والمعبر السياسى عنهم هو «الحزب الجمهورى» كمكون سياسى أول، إذ وصل من أقطاب هذا التيار إلى سدة الحكم: «رونالد ريجان» و«جورج بوش» و«جورج بوش الابن» و«دونالد ترامب». أما المكون الثانى وهو «الحزب الديمقراطى»، والذى انشق عام ١٨٢٨ عن الحزب الجمهورى الديمقراطى، الذى أنشأ بعد الاستقلال فى عام ١٧٧٦، وبهذا انفصل الماسونيون عن المسيحيين الصهاينة. ويعتبر الحزب الديمقراطى أحد إفرازات الحركة الماسونية والتى تشكلت فى أوروبا عام ١٦١٦، وهذه الحركة تعتبر نفسها قائدة للعالم، وتدعو إلى إعادة ترسيم العالم على قياسها، وتتخذ شعاراً لها المنقلة والزاوية وكلمة ماسونية، التى تعنى «البناؤون»، أى إعادة بناء العالم وقيادته وتطويعه لمصالحهم. هذه الحركة علمانية لا تؤمن بدين وذات عقيدة استعمارية. قاد المسيحيون الصهاينة «البروتستانت» مع الحركة الماسونية، مخاض الاستقلال الأمريكى عن بريطانيا عام ١٧٧٦، وتم تأسيس دستور علمانى، ينتهج مبدأ التوسع الاستعمارى، فبدأ بخمس عشرة ولاية وانتهى بخمسين.
الحزب الديمقراطى الأمريكى هو حزب ماسونى بكل معانى الكلمة، وهو الأكثر تشدداً فى نشر العولمة، وتنميط العالم حسب النموذج الأمريكى، وقيادة العالم وإعادة تشكيله وبنائه، حسب الفلسفة الماسونية، وتفضيل الفرد كمحور للمجتمع، وإلغاء القوميات واللغات والثقافات والديانات وخصوصيات الشعوب، ويرى فى وجود الكيان الصهيونى امتداداً استعمارياً له، وقاعدة عسكرية متقدمة لمشروعه الاستعمارى فى الشرق.
يجب أن يدرك العالم الإسلامى والعربى أن «الحزب الجمهورى» يرى وجود إسرائيل ودعمها وتفوقهما وبقائها، شرطاً دينياً لعودة المسيح، وأن «الحزب الديمقراطى» يرى وجود إسرائيل ودعمها وبقاءها وتفوقها، شرطاً استعمارياً للتمدد والهيمنة الأمريكية، وفرض العولمة على شعوب العالم، والسيطرة على منابع النفط، وثروات المنطقة وطرق التجارة الدولية. فضلاً أن هذين الحزبين بالرغم من الخلاف الظاهر بينهما، كل منهما عدو للامة العربية، وداعم رئيسى للمشروع الصهيونى، وهو وجود دولة إسرائيل فى الوطن العربى، لأنه قائم على تبادل المنافع فى حماية المصالح الغربية، والاعتماد عليها للقيام بحروب الوكالة فى بعض الأحيان، ضد من يهددون مصالح الغرب فى الوطن العربى والشرق الأوسط وأولهم العرب.
وفى النهاية، ما أسباب هذا القدر من القوة التى تمتلكها دولة إسرائيل، على العالم الغربى وخصوصاً أمريكا؟. وإجابة هذا السؤال فى تقرير نشره الإعلامى الأمريكى «ريان داوسون»، فى إحدى منصات التواصل الاجتماعى فى ٣٠ يناير ٢٠٢٤، نقلاً عن مدونته «RyLiberty»، ذكر الأسباب الآتية:
أولًا: الرشوة... تقوم لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، برشوة أعضاء الكونجرس لتنفيذ أوامر إسرائيل، ومطلبهم الأول ودائما إرسال المزيد من الأموال والسلاح، وإذا خرج أحد أعضاء الكونجرس عن الخط، فسوف يتم تمويل خصمه فى الانتخابات المقبلة. ٩٥ % من المرشحين المعتمدين من قبل «إيباك» مؤكد فوزهم.
ثانياً: الابتزاز... تعمل شبكة من اليهود الأثرياء، بمثابة العمود الفقرى المالى لبناء عمليات ابتزاز ضخمة، وكلهم من اليهود الصهاينة وعلى صلة وثيقة بمسئولى الدولة الإسرائيلية، وبمجرد أن يتم اختراق شخص ما، وهو لا يوافق على الرشوة، فيتم التعامل معه من خلال الابتزاز.
ثالثاً: وسائل الإعلام... اليهود الصهاينة هم الطبقة المالكة لوسائل الإعلام، وهم يقومون بتشويه الأصوات المعارضة، أو تدمير سمعتهم، أو إدخالهم السجون. فهم لا يقومون فقط بتصفية الإخبار التى يسمعها الجميع، بل يقومون علناً بتشويه ومراقبة أى شخص لا يتفق معهم. لم يكن من الممكن أن تكون هناك حرب فى العراق أو سوريا، أو اليمن، أو إيران أو التطهير العرقى والإبادة الجماعية فى فلسطين، دون السيطرة الكاملة على السرد فى وسائل الإعلام الأمريكية.
وأخيراً، أود أن أقتبس مقولة الرئيس الأمريكى السابق «جو بايدن»: «لو لم تكن هناك إسرائيل فى الوجود، لعملنا على إقامتها».
محافظ المنوفية الأسبق