بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

محمد فودة يكتب: هكذا يكون وزير تعليم مصر

بوابة الوفد الإلكترونية

 


محمد عبداللطيف يترجم توجيهات الرئيس السيسي إلى خطوات تنفيذية تعيد الاعتبار للغة العربية والتربية الدينية والدراسات


المدارس الدولية أمام معايير وطنية واضحة.. التفوق يبدأ من اللغة الأم والفهم المستنير للقيم


لا استثناءات في قضايا الهوية.. معايير موحدة تؤكد أن اللغة العربية والتربية الدينية جزء أصيل من مسيرة التفوق الدراسي


جرس إنذار لأولياء الأمور.. علموا أبناءكم لغتهم وهويتهم


متابعة شاملة على مستوى الجمهورية ترسخ الجدية في تقييم الطلاب بمادتي اللغة العربية والتربية الدينية


محمد عبد اللطيف وزير لا يعرف التراجع أمام معارك بناء الوعي

 

 

تابعت باهتمام بالغ قرارات وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف بشأن متابعة نسب النجاح في مادتي اللغة العربية والتربية الدينية، والدراسات،  داخل المدارس الدولية والأمريكية، بجميع فروعها والمدارس ذات الصلة، وما صاحبها من نقاشات وجدل في بعض الأوساط التعليمية، وبينما انشغل البعض بالتفاصيل والإجراءات، استوقفتني الرسالة الأهم التي تحملها هذه الخطوة، وهي أن الدولة المصرية عازمة على ترسيخ مبدأ واضح لا يقبل الاستثناء: لا نجاح حقيقيا في التعليم دون نجاح حقيقي في اللغة العربية والتربية الدينية.

وفي تقديري لا يقاس نجاح وزير التعليم بعدد المؤتمرات أو التصريحات، وإنما بقدرته على اتخاذ قرارات جادة تعالج القضايا الجوهرية داخل المنظومة التعليمية، وبمدى امتلاكه الشجاعة الكافية لتطبيق هذه القرارات على الجميع دون تمييز، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التحركات الأخيرة التي يقودها الوزير محمد عبداللطيف، والتي تعكس إصرارا واضحا على تنفيذ رؤية الدولة بشأن بناء الإنسان المصري والحفاظ على هويته الوطنية، ولعل ما يميز هذه الخطوة أنها لا تتعلق بإضافة مواد جديدة أو فرض مقررات غير موجودة، فمادتا اللغة العربية والتربية الدينية تدرسان بالفعل في المدارس، لكن القضية الحقيقية تكمن في التأكيد على ضرورة تحقيق نسب النجاح الفعلية فيهما، والتعامل معهما بالجدية نفسها التي يتم التعامل بها مع بقية المواد الدراسية، فوجود المادة داخل الجدول الدراسي لا يكفي إذا لم يقترن بتقييم حقيقي يعكس مستوى التحصيل والفهم لدى الطالب.

ومن هنا جاءت أهمية تشكيل لجان متابعة على مستوى الجمهورية لمراجعة مدى الالتزام بتطبيق الضوابط الخاصة بمادتي اللغة العربية والتربية الدينية داخل المدارس الدولية والأمريكية، فالأمر لا يتعلق بإجراءات روتينية أو رقابة شكلية، وإنما برسالة واضحة تؤكد أن الهوية الوطنية ليست ملفا قابلا للتفاوض أو الاستثناء، وأن اللغة العربية بوصفها اللغة الأم تستحق المكانة التي تليق بها داخل أي منظومة تعليمية تعمل على أرض مصر، كما أن التربية الدينية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مادة هامشية أو مجرد متطلب دراسي عابر، بل هي أحد المكونات الأساسية في بناء الشخصية وترسيخ منظومة القيم والأخلاق وتعزيز الوعي السليم لدى الأجيال الجديدة، ولذلك فإن التأكيد على النجاح الحقيقي فيها يعكس فهما عميقا لدور التعليم في بناء الإنسان، وليس مجرد إعداد الطلاب لاجتياز الاختبارات.

ورغم ما أثير من جدل داخل بعض الأوساط المرتبطة بالتعليم الدولي، فإنني أرى أن جوهر القرار يتجاوز هذه الاعتراضات، فالدول التي تحترم هويتها لا تسمح بأن يفقد أبناءها صلتهم بلغتهم الأم، ولا تكتفي بإتاحة تعليم لغتها الوطنية أو مقرراتها الثقافية، بل تحرص على التأكد من أن أبناءها يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة والفهم المرتبطين بهويتهم وقيمهم وثقافتهم، والانفتاح على العالم وإتقان اللغات الأجنبية يظل هدفا مهما وضروريا، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلا عن اللغة الأم أو على حسابها.

ومن يتابع توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال السنوات الماضية يدرك أن الاهتمام باللغة العربية والتربية الدينية لم يكن مجرد توجه عادى، بل جزء من رؤية متكاملة تستهدف بناء الإنسان المصري القادر على مواكبة العصر دون التخلي عن جذوره الثقافية والحضارية، وقد أكد الرئيس في أكثر من مناسبة أهمية اللغة العربية باعتبارها المدخل الطبيعي للفهم الصحيح للدين والثقافة، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية تعلم اللغات الأجنبية وإتقانها.

وما يلفت الانتباه في أداء وزير التربية والتعليم أنه لم يتعامل مع هذه التوجيهات باعتبارها شعارات عامة، بل سعى إلى ترجمتها إلى إجراءات تنفيذية واضحة وآليات متابعة ميدانية تضمن التطبيق الفعلي، فالقرارات تصبح بلا قيمة إذا لم تترجم إلى واقع ملموس داخل المدارس، والنجاح الحقيقي لأي مسؤول يبدأ عندما ينتقل من مرحلة الحديث عن الإصلاح إلى مرحلة تنفيذه ومتابعته على الأرض.

كما تأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من الجهود التي تبذلها الوزارة لمعالجة العديد من التحديات التي واجهت التعليم لسنوات طويلة، سواء فيما يتعلق بالكثافات الطلابية أو نسب الحضور أو استعادة الانضباط داخل المدارس. وهي جهود تعكس منهجا قائما على مواجهة المشكلات بصورة مباشرة والعمل على إيجاد حلول عملية لها بدلا من الاكتفاء بإدارتها أو التعايش معها.

وفي اعتقادي أن القضية لم تعد وجود مادة اللغة العربية أو التربية الدينية داخل الجدول الدراسي، بل التأكد من أن الطالب يدرسها بجدية ويجتازها بنجاح حقيقي يعكس مستوى معرفته وفهمه، فالتعليم لا يؤدي رسالته الكاملة إذا أهمل بناء الهوية أو تعامل مع القيم والثقافة باعتبارها أمورا ثانوية مقارنة ببقية عناصر العملية التعليمية.


ما يحدث اليوم لا يقتصر على كونه إجراء تنظيميا أو متابعة لنتائج الطلاب في مادتي اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات، بل يمثل جرس إنذار مهما لأولياء الأمور يدعوهم إلى إيلاء اهتمام أكبر بهوية أبنائهم الثقافية والمعرفية، فتعلم اللغات الأجنبية وإتقانها يظل أمرا ضروريا في عالم متغير، لكن ذلك لا ينبغي أن يأتي على حساب اللغة الأم أو المعرفة الأساسية بالدين والقيم، والدراسات، ومن هنا تبدو مسؤولية الأسرة مكملة لدور المدرسة في غرس الاعتزاز باللغة العربية وتعزيز ارتباط الأبناء بثقافتهم وهويتهم الوطنية، لأن بناء الشخصية المتوازنة يبدأ من معرفة الجذور قبل الانطلاق نحو العالم.

وللحق فإن تشكيل لجان متابعة لضمان تحقيق نسب النجاح الفعلية في اللغة العربية والتربية الدينية يحمل دلالة مهمة تتجاوز حدود القرار نفسه، فهو يؤكد أن الدولة جادة في إعادة الاعتبار لهذين المكونين الأساسيين في بناء الشخصية المصرية، وأن وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف ماض في تطبيق هذه الرؤية على الجميع دون استثناء، وعندما تقترن الإرادة بالمتابعة، والرؤية بالتنفيذ، يصبح من حقنا أن نقول: هكذا يكون وزير تعليم مصر.