بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رﺣﻠﺔ اﻟﻜﺴﻮة اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻋﺒﺮ اﻟﻘﺮون

اﻟﻜﻌﺒﺔ اﻟﻤﺸﺮﻓﺔ ﺗﺴﺘﻘﺒﻞ اﻟﻌﺎم اﻟﻬﺠﺮى اﻟﺠﺪﻳﺪ ﺑﺄﻏﻠﻰ ﺛﻮب ﻓﻰ اﻟﻌﺎﻟﻢ

بوابة الوفد الإلكترونية

فى ليلةٍ انسلّت فيها خيوط عامٍ هجريّ قديم لتنسج بساط عامٍ جديد، كانت مكة المكرمة على موعدٍ مع تفاصيل مشهدٍ يخلب الألباب ويهز القلوب إجلالًا، ومع الساعات الأولى من غرة شهر المحرم لعام 1448هـ، تجلّت الكعبة المشرفة فى أبهى صورها، مرتديةً حُلّتها الجديدة، فى طقسٍ إيمانى مهيب، يتجدد كل عام هجرى ليشخص إليه ملايين المسلمين حول العالم عبر الشاشات والقلوب.

لكن هذا الثوب الأسود المطرز بآيات النور والذهب والفضة، ليس مجرد حياكةٍ بارعة، بل هو كتابٌ مفتوح يحكى قصة حضارة ممتدة عبر قرون طويلة من التاريخ الإسلامي، قصةٌ تروى كيف تبارى الملوك والخلفاء، وتعاقبت الدول والحضارات، لنيل شرفٍ لا يُضاهى: شرف كسوة بيت الله الحرام.

 

رحلة الكسوة المشرفة

 

فى فجر الأول من محرم، بدأت فرق متخصصة أعمال استبدال الكسوة الجديدة دون التأثير على حركة الطائفين بالمسجد الحرام، حيث جرى فك القطع الذهبية والزخارف والمعلقات المثبتة على الكسوة السابقة، تمهيدًا لإنزالها ورفع الثوب الجديد الذى استغرق إنتاجه نحو 11 شهرًا من العمل المتواصل.

وتحمل الكسوة الجديدة تفاصيل دقيقة تعكس مستوىً عاليًا من الحرفية والإتقان، إذ تتكون من 47 قطعة من الحرير الأسود الفاخر، مطرزة بآيات قرآنية وزخارف إسلامية باستخدام خيوط الفضة المطلية بالذهب عيار 24، فيما يبلغ وزنها الإجمالى نحو 1410 كيلوجرامات.

وتتألف الكسوة من خمس قطع رئيسية، تغطى أربع منها أوجه الكعبة المشرفة، بينما تمثل القطعة الخامسة ستارة باب الكعبة المعروفة باسم «البرقع». ويبلغ ارتفاع الثوب نحو 14 مترًا، ويتوسطه الحزام الشهير الذى يمتد بطول 47 مترًا، والمطرز بآيات قرآنية وعبارات إسلامية بخيوط الذهب والفضة.

ولا تكشف الكسوة للناظر من بعيد سوى ثوب أسود متناسق يحيط بالكعبة، إلا أن تفاصيلها الداخلية تروى قصة صناعة دقيقة تمر بسبع مراحل متكاملة، تبدأ بمعالجة الحرير وغسله، ثم النسيج والطباعة والتطريز والتجميع والفحص النهائى، وصولًا إلى نقلها وتركيبها فوق الكعبة المشرفة.

ويُستخدم فى صناعتها 825 كيلوجرامًا من الحرير الطبيعى، إلى جانب مئات الكيلوجرامات من القطن والفضة والذهب، فيما تخضع جميع المواد الخام لاختبارات دقيقة لضمان مطابقتها لأعلى معايير الجودة قبل بدء مراحل الإنتاج المختلفة.

وعلى الرغم من التطور التقنى الذى تشهده صناعة الكسوة اليوم داخل مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة، فإن هذا الثوب ما زال يحتفظ بقيمته التاريخية والرمزية التى جعلته أحد أبرز الشواهد على عناية المسلمين بالبيت الحرام عبر العصور، وهى قصة تبدأ منذ فجر الإسلام، عندما تنافست الدول الإسلامية على نيل شرف كسوة الكعبة، وتطورت أشكالها وألوانها ومواد صناعتها حتى استقرت على هيئتها الحالية التى يعرفها المسلمون اليوم.

 

أول من كسا الكعبة قبل الإسلام

 

تتفق غالبية المصادر التاريخية على أن أول من كسا الكعبة المشرفة هو الملك الحميرى «تبع أبو كرب أسعد»، الذى حكم اليمن قبل الإسلام بعدة قرون، وتشير الروايات إلى أنه بدأ بكسوتها بالجلود، قبل أن يكسوها بالأقمشة الفاخرة المعروفة آنذاك بالقباطى، لتبدأ منذ ذلك الوقت رحلة طويلة من العناية بكسوة البيت الحرام.

ومع مرور الزمن، توارثت القبائل العربية هذا الشرف، فقام قصى بن كلاب، الجد الرابع للنبى محمد صلى الله عليه وسلم، بكسوة الكعبة، ثم تبعه عبدالمطلب بن هاشم الذى زاد من الاهتمام بها واستخدم أنواعًا فاخرة من الأقمشة والزينة.

 

الكسوة فى عهد الإسلام

 

مع بزوغ فجر الإسلام، اكتسبت الكسوة بُعدًا دينيًا أعمق، وبعد فتح مكة، أبقى النبى صلى الله عليه وسلم على الكسوة القائمة حتى تعرضت للاحتراق، فكسا الكعبة بالثياب اليمانية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الكسوة ارتبطت بالدولة الإسلامية.

وسار الخلفاء الراشدون على النهج نفسه، فكان أبو بكر الصديق أول من كسا الكعبة من الخلفاء، ثم واصل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان هذه المهمة، فيما يُنسب إلى عثمان أنه أول من أدخل الديباج، أو الحرير الفاخر، فى صناعة الكسوة.

 

كيف تحولت الكسوة إلى اللون الأسود؟

 

لم يكن اللون الأسود ملازمًا لكسوة الكعبة منذ البداية، فقد عرفت عبر العصور ألوانًا متعددة، من بينها الأبيض والأصفر والأخضر، وخلال العصر العباسى شهدت الكسوة تطورًا كبيرًا فى الخامات والألوان، حتى استقر لونها تدريجيًا على الأسود، الذى أصبح السمة المميزة لها حتى يومنا هذا.

كما تطورت الزخارف والخطوط الإسلامية المطرزة عليها، وأضيفت إليها الأحزمة والآيات القرآنية المنسوجة بخيوط الذهب والفضة، لتتحول إلى واحدة من أروع التحف الفنية فى العالم الإسلامى.

 

أعظم موكب عرفته القاهرة

 

إذا كانت الكسوة تمثل الوجه الفنى لهذه القصة، فإن «المحمل الشريف» كان وجهها الاحتفالى الأبرز، فمنذ العصر المملوكى، اعتادت القاهرة أن تشهد واحدًا من أكثر المواكب الإسلامية بهاءً، حيث كانت الكسوة تُنقل إلى الأراضى المقدسة داخل هودج فاخر يُعرف بالمحمل الشريف.

وكان المحمل عبارة عن هيكل خشبى مغطى بالحرير الأسود المطرز بخيوط الذهب والفضة، يُحمل فوق جمل مخصص لهذا الغرض، ويتقدمه موكب ضخم يضم العلماء والأمراء والجنود والحجاج.

وعندما يحين موعد الرحيل، كانت شوارع القاهرة تتحول إلى ساحة احتفال كبرى، تتعالى أصوات الطبول، وترتفع الرايات، ويصطف الأهالى على جانبى الطرقات لمشاهدة الموكب الذى كان يُعد حدثًا سنويًا ينتظره المصريون بشغف كبير.

 

مصر حارسة الكسوة

 

ارتبط اسم مصر بكسوة الكعبة ارتباطًا وثيقًا امتد لأكثر من سبعة قرون، فمنذ العصر الأيوبى، ثم خلال العهدين المملوكى والعثمانى، أصبحت القاهرة المركز الرئيسى لصناعة الكسوة وإرسالها إلى مكة المكرمة.

ولخدمة هذا العمل الجليل، أُنشئت دور متخصصة لصناعة الكسوة، ضمت أمهر النساجين والخطاطين والمطرزين، وكانت هذه الدور تنتج سنويًا ثوب الكعبة من الحرير الأسود الفاخر، وتزينه بالآيات القرآنية والزخارف الإسلامية باستخدام خيوط الذهب والفضة.

وفى العصر الحديث، ازدهرت صناعة الكسوة داخل «دار الخرنفش» بحى الجمالية، التى أصبحت أحد أشهر مراكز صناعة الكسوة فى العالم الإسلامى، وظلت تقوم بهذه المهمة حتى منتصف القرن العشرين، عندما انتقلت صناعة الكسوة إلى المملكة العربية السعودية.

 

من القاهرة إلى مكة

 

كانت رحلة الكسوة نفسها قصة لا تقل روعة عن صناعتها، فبعد اكتمال العمل عليها، تُحمل فى موكب المحمل الشهير، وتعبر الصحراء وسيناء فى رحلة شاقة تستمر أسابيع طويلة حتى تصل إلى مكة المكرمة، حيث تُستبدل بالكسوة القديمة وسط مراسم مهيبة تعكس مكانة البيت الحرام فى قلوب المسلمين.

 

لماذا توقفت مصر عن إرسال الكسوة

 

اعتبر بعض علماء وحكام الجزيرة العربية آنذاك أن «موكب المحمل الشريف» لا يتوافق مع منهجهم الدينى، وأنها بدعة، وكان ذلك خلال حكم محمد على لمصر، وتحديدًا عام 1926 توقفت مصر عن إرسال الكسوة، وعلى إثر ذلك، أصدر الملك عبدالعزيز آل سعود توجيهاته بإنشاء أول دار لصناعة كسوة الكعبة فى منطقة أجياد بمكة المكرمة، لتتولى مهمة إنتاج الثوب الشريف محليًا، واستمرت الدار فى أداء دورها نحو 12 عامًا قبل أن تتوقف.

وفى وقت لاحق، عادت مصر إلى إرسال كسوة الكعبة بموجب تفاهمات واتفاقات بين القاهرة والرياض، ليستمر هذا التقليد التاريخى لسنوات أخرى، غير أن الأحداث السياسية التى صاحبت حرب اليمن عام 1962 أنهت هذا الدور بصورة نهائية، لتنتقل مسؤولية صناعة الكسوة بالكامل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أُنشئ مصنع متخصص لكسوة الكعبة المشرفة فى مكة المكرمة، ولا يزال حتى اليوم يتولى إنتاج الثوب الذى يكسو بيت الله الحرام سنويًا.

وبين الماضى والحاضر، تبقى كسوة الكعبة شاهدًا حيًا على عناية الأمة الإسلامية بالكعبة المشرفة، القبلة والرمز لوحدة المسلمين الذين اجتمعوا عبر القرون على تعظيم بيت الله الحرام وخدمته، كلٌّ بحسب ما أتاحه له زمانه وإمكاناته.