بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين السطور

الحمد لله على نعمة رسول الله


 
عندما كنا ننتهى من مناسك الحج أو العمرة فى مكة المكرمة، ونستقل أتوبيس الرحلة إلى المدينة، فقد كانت الرحلة طويلة وتستغرق 7 ساعات أو أكثر، ووسط وعورة الطريق توقف بنا سائق الحافلة فى صحراء الطريق، وكانت هناك سيارات وتريلات متوقفة على جانب الطريق لنشاهد قوافل من القرود على كل لون وبأحجام مختلفة زادت من مخاوف معظمنا وعدنا إلى الحافلة لنستكمل المسيرة، وقد تسرب إلينا الملل من طول الطريق، على الرغم أن الحافلة كانت حديثة ومكيفة، وهنا استحضرنا مسيرة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف تحمل صعوبة ووعورة هذا الطريق المؤدى إلى يثرب هو والمهاجرين وسط كل ذلك، حيث كانت صناديد قريش تحاربهم وتبحث عنهم فى كل مكان، وعندما اشتد أذى المشركين له فى مكة المكرمة، أذن الله له بالهجرة فأخبر الصديق أبو بكر بذلك، وعلى الرغم من حبه الشديد لمكة، التى ولد وكبر فيها، لكنه تحمل فيها العناء، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ: «واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّى أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ»، فقد هاجر الحبيب المصطفى والمهاجرين إلى المدينة من أجل نشر الدين الاسلامى، فعندما بدأت الهجرة اختار الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون صاحبه أبى بكرالصديق أول من يكون بجواره هو وعلى بن ابى طالب، كرم الله وجهه، فهو شطر قلبه وحبيبه وهو الذى بات فى فراش النبى صلى الله عليه وسلم، حيث لحقه بعد أيام وكان تأخر ثلاث ليال، لرد الودائع التى كانت عند المصطفى صلى الله عليه وسلمها لأهلها. فرسول الله لم تكن هجرته هجرة هربا بل كانت هجرة طلبا بأن طلب عصمة دماء مشركى قريش، وأراد أن يعصم دمائهم رغم ما لاقاه منهم من صنوف الإيذاء وعُذِّب هو وأصحابُه على أيديهم، ولكنه ذهب إلى المدينة للمبادرة للحفاظ على قيمة الإنسان ودمائه للحفاظ عليه، حتى على من خالفوه. فحقا الحمدلله على نعمة رسول الله. لقد بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بدعوة تملأ القلوب نوراً، وتنير بها العقول رشداً، فالهجرة بها العديد من الدروس المستفادة بأن الله لن يتخلى عنه فى تلك الساعات الحرجة. فأن من حفظ الله حفظه الله. فقد تجلى هذا فى حفظ الله لحبيبه دائما ووضح ذلك منذ أن كان الرسول مع صاحبه أبى بكر رضى الله عنه فى الغار. فقال الصديق للرسول الامين: «والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدمه لأبصرنا». فأجابه النبى صلى الله عليه وسلم مطمئناً له: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما»، كذلك عندما تآمروا ضده زعماء قريش ليقتلوه، أو يصيبوه بأذى أو يخرجوه، فأنجاه الله منهم بعد أن حثا فى وجوههم التراب، وخرج من بينهم سالما، فقد جاءت الهجرة لرفعت صوت الحق على الباطل، وجعل الإسلام لمن دخل فيه عزيزا وله مقاماً كريماً. فقد ترك المهاجرون ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التى هى أحب شىء إليهم، حبا فى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. من أعظم دروس الهجرة تعلم التضحية فى سبيل الله تعالى نصرة لدينه، فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم يضطر إلى مغادرة بلده الذى ولد فيه وترعرع، وترك أقرباءه وعشيرته، فقال وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ: «واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّى أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ».
كما تجلى دور النساء وعظمته أيضا، وكان على رأسهن أم المؤمنين السيدة عائشة، وشقيقتها السيدة أسماء بنت ابى بكر، رضى الله عنهما، حيث كانتا نعم المعين فى الهجرة.
فعندما يقترب هلال شهر المحرم نتذكر هجرة الحبيب عليه الصلاة والسلام الذى بعث رحمة للعالمين، لقد كانت الهجرة هجرة القلوب إلى الله تعالى، والإخلاص فى التوجه إليه، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلَّم: «فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لِدُنيا يصيبها أو امرأة يتزوَّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه. فقد كانت هجرة القلوب إلى الله تعالى، والإخلاص فى التوجُّه إليه أن الهجرة النبوية كانت حدثا عظيما غير مجرى التاريخ، فعند اقتراب حلول شهر المحرم نتذكر تلك المناسبة الجليلة، وهى الهجرة التى هى فخر لكل مسلم ليتعلم منها الدروس المستفادة، وهى التى كانت سبيلا لإنشاء ونشر الإسلام، فصلوا على الحبيب الهادى الامين وسلموا تسليما.