أقتلوا الناجحين
نقول هذا بكل أسف، إن الهجوم الشرس الذي يتعرض له اللاعب الشاب حمزة عبد الكريم ليس غريباً عن طبعنا ، نحن نتحدث عن لاعب لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، أعلن نادي برشلونة رسمياً عن تفعيل بند شرائه ليلتحق بمعسكر الفريق الأول. في مثل هذا التوقيت، يفترض أن نصطف جميعاً خلفه، ندعمه ونؤازره باعتبار نجاحه نوعاً من الإنجاز للكرة المصرية ، لكننا فوجئنا بمن يخرج ليهاجم ويشكك ويقلل من شأن الفتى، وهو أمر يدعو للتأمل والتساؤل بحسرة: لماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ لماذا نرسخ لثقافة إحباط الناجحين وهدمهم بدلاً من الافتخار بهم وتقديمهم كقدوة للشباب، مما يحول مجتمعنا إلى بيئة طاردة للمواهب. هذه الظاهرة الغريبة ، التي تتجاوز حدود الملاعب وتنتقل إلى شتى مناحي الحياة، تستحق أن نتأملها بعمق كجزء من أزمة أوسع يعانى منها البلاد و العباد، وهي شهوة الهدم ومحاربة الناجحين في شتى المجالات ، وكأن التميز أصبح ذنباً يستوجب العقاب.
الحقيقة أنه لا يمكن عزل ظاهرة محاربة الناجحين عن البنية النفسية للمجتمعات التي مرت بفترات من الركود أو الأزمات المتلاحقة، حيث يتشكل ما يعرف في علم الاجتماع بثقافة الارتياب، وهي بيئة نفسية تميل غريزياً إلى التشكيك في أي تميز، وترى في صعود الفرد خطراً على المساواة في الفشل، في مثل هذه البيئات، يتحول نجاح الآخرين إلى مرآة قاسية تكشف للبعض عجزهم الشخصي، وبدلاً من أن يكون نجاح أحدنا دافعاً لنجاحنا ، يصبح هدفاً للهدم ولإعادة الجميع إلى نقطة الصفر المشتركة ويصبح الشعار غير المعلن: ( اقتلوا كل الناجحين). والحقيقة أن تطلع المجتمع إلى الأفضل يتطلب ثورة ثقافية حقيقية تغير مفهوم النجاح من إنجاز فردي يثير الحقد إلى رأسمال اجتماعي يرفع من قيمة المجموع. هذا التحول الفلسفي والاجتماعي لا يمكن أن يتحقق بالنيات الحسنة وحدها، بل يتطلب تكاملاً حاسماً بين أضلاع مثلث الوعي: الدولة، والإعلام، والشعب.
تبدأ المسؤولية من الدولة ، إذ لا يكفي أن تكتشف الدولة الموهوبين، بل يجب أن توفر لهم نظاماً قانونياً وإدارياً يحميهم من البيروقراطية ومن مراكز القوى التقليدية التي تخشى التجديد. فدعم المبتكرين والموهوبين في شتى المجالات، وربط صعودهم بمعايير الكفاءة المطلقة بعيداً عن العلاقات الشخصية، يبعث برسالة طمأنينة للمجتمع بأن الدولة تقف بكل ثقلها خلف كل يد تبني وكل عقل يفكر، مما يجعل النجاح مساراً آمناً ومشروعاً للمستقبل.
أما الإعلام، فهو الأداة المعرفية التي تشكل الوجدان العام وتوجه البوصلة المجتمعية. ومن المؤسف أن الإعلام في كثير من الأحيان، وتحت ضغط البحث عن الإثارة ونسب المشاهدة، يساهم في تغذية ثقافة الهدم عبر تضخيم الأخطاء وصناعة معارك وهمية حول المبدعين. مع أن الرسالة الأصلية للإعلام المسؤول في مجتمع يتطلع نحو النهضة هى ممارسة النقد البناء بدلاً من التجريح الهدام، وأن يحول قصص النجاح إلى نماذج ملهمة تُدرس، ويسلط الضوء على رحلة التعب والكفاح وراء كل إنجاز.
ويبقى الشعب، أو الوجدان الجمعي، هو خط الدفاع الأخير والأهم عن هذه المواهب. إن نضج الشعوب وتقييمها لذاتها ينعكس في كيفية تعاملها مع المواهب، والوعي الشعبي الحقيقي يتطلب التحرر من الانتماءات الضيقة والأحكام المسبقة، لينظر إلى كل ناجح سواء كان لاعباً في نادٍ عالمي أو باحثاً في مختبر أو مبدعاً فى أى مجال، على أنه سفير يحمل اسم الوطن بأسره. عندما يدرك المجتمع أن نجاح الفرد هو لبنة في جدار رفعة الأمة وقوتها، يتحول الشعب من مقعد المتفرج المشكك إلى مقعد الداعم والمحفز، وتصبح البيئة الاجتماعية حاضنة جاذبة للمواهب بدلاً من أن تكون طاردة لها.
نقول ذلك لأننا إذا غادرنا المستطيل الأخضر وتأملنا المشهد الثقافي والعلمي، سنجد النمط ذاته يتكرر بحذافيره، فكم من عالم شاب عاد من الخارج يحمل أفكاراً وتطلعات ، فاصطدم ببيروقراطية خانقة وجبهات مستعدة لتشويه أبحاثه والتقليل من قيمتها لمجرد أنه هدد الركود السائد. وفي عالم الفكر والأدب، كثيراً ما يواجه المبدعون المجددون سيولاً من الاتهامات والتشكيك في أصالتهم لمجرد أنهم قدموا رؤية مغايرة، وكأن النجاح لا يمر إلا عبر قنوات التبعية والتقليد.
في المقابل، لو نظرنا إلى الأمم التي أدركت أن الثروة البشرية هي أثمن ما تملك، لرأينا كيف يُصنع النجاح ويُحمى بحراسة جماعية. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، تحتضن البيئة العلمية والعملية فكرة (المخاطرة المحمودة)، وحين يبرز شاب بفكرة مبتكرة في وادي السيليكون، تتسابق المؤسسات لتمويله ودفعه للأمام، وتتحول قصص النجاح الفردية إلى ملاحم قومية يُلهم بها الملايين. وفي اليابان، تُبنى ثقافة المجتمع على الدعم المتبادل وإعلاء قيمة الجماعة، فنجاح الفرد هناك هو نجاح للمجموعة بأسرها، وتوفر الدولة بالتعاون مع المجتمع بيئة نفسية واجتماعية صارمة لحماية الموهوبين في مجالات التكنولوجيا والرياضة والعلوم من أي محاولات للإحباط. وفي دول مثل البرازيل، يُنظر إلى المواهب الكروية الشابة منذ لحظة بروزها على أنها مشاريع قومية لحمل راية البلاد، وتحاط بالرعاية والتقدير الشعبي الجارف الذي يمنح اللاعب طاقة جبارة للتحمل والإبداع في الملاعب الأوروبية.
إن الفارق بين البلاد التي تتقدم والبلاد التى تتراجع، يكمن في طريقة تعاملها مع الناجحين ، فإما أن نكون التربة الصالحة التي تروي البذور وتدعم الجذور، أو نكون الفأس التي تقطع الفروع الواعدة قبل أن تثمر. ومسؤوليتنا اليوم، أمام حمزة عبد الكريم وأمام كل عقل وموهبة في هذا الوطن، أن نغير هذه الثقافة السلبية، وأن ندرك أن دعم الناجحين ليس تفضلاً منا، بل هو استثمار مباشر في صياغة مستقبل أمتنا وحجز مقعدها المستحق تحت الشمس.
والتاريخ الإنساني حافل بنماذج لولا وجود يد حانية تمتد إليهم في لحظات الانكسار، أو بيئة تحتضن شرارة إبداعهم الأولى، لكانت أسماؤهم قد صارت طي النسيان، ولحُرِمت البشرية من إرثهم العظيم. هؤلاء العظماء لم يصنعوا مجدهم بمفردهم، بل كانوا نبتة صالحة وجدت تربة احتضنتها ورعتها حتى أثمرت.
في طفولته، طُرد المخترع الأمريكي الشهير توماس إديسون من المدرسة لأن معلمه كان يراه غبياً، وأرسل مع الصغير رسالة إلى أمه تخبرها بذلك. هنا تجلت عظمة الأم، نانسي إديسون، فعندما سألها ابنها عن فحوى رسالة المدرسة أخبرته بأن الإدارة ترى أنه حاد الذكاء وان تعلمه بين فتيان أقل ذكاء قد يؤثر على موهبته ، وهكذا بثت فيه ثقة لا تهتز بأن لديه عقلاً عبقرياً. لولا هذا الدعم النفسي الهائل من أمه، ولولا إيمانها به في وقت تبرأت منه المنظومة التعليمية، لانطفأت شعلة ذكائه ولما أضاء العالم باختراعاته التي غيرت وجه البشرية.
حتى في العصر الحديث، نجد في عالم التكنولوجيا قصة ستيف جوبز، مؤسس شركة "أبل". في بداياته، كان جوبز يمتلك الرؤية والشغف، لكنه لم يكن يملك القدرة التقنية على التنفيذ، وهنا كان دور صديقه وشريكه ستيف وزنياك الذي آمن برؤيته ودعمه تقنياً، والأهم من ذلك الدعم المالي والتشجيع الذي تلقاه في بداياته من مستثمرين مثل مايك ماركولا، الذي آمن بفكرة هذا الشاب المتمرد ووفر له رأس المال الحاسم والإرشاد الإداري في وقت كان الجميع يرى في جوبز مجرد هاوٍ غريب الأطوار.
إن هذه الأمثلة – وآلاف الأمثلة غيرها - تؤكد حقيقة فلسفية واجتماعية ثابتة: الموهبة الواعدة تشبه الشمعة في مهب الريح، إما أن يحيطها المجتمع والدولة والمقربون برعايتهم ليتحول لهيبها إلى نور يضيء الدروب، أو يتركونها لعواصف التشكيك والإحباط فتنطفئ في مهدها، فتخسر الأمة طاقة كان يمكن أن تصنع فارقاً في تاريخها.