قضية ورأى
الحرية والكبدة والترمس
«لن يعود الصحفيون إلى بيع الكبدة والترمس»
كان هذا عنوان مقال الكاتب الكبير الأستاذ جمال بدوى، فى صدر صحيفة الوفد، محذرا الرئيس مبارك من مغبة الردة عن الحريات، ومذكرا بالأوقات العصيبة التى قضاها الصحفيون تحت حكم الرئيس جمال عبد الناصر.
كان المقال واحدا فى سلسلة هجمات خاضها الوفد حزبا وصحيفة، منتصرا للحرية فى معركة إسقاط القانون رقم 93 لعام 1995، والمعروف فى السجل التاريخى بـ «قانون اغتيال الصحافة».
لم تكن هذه المواجهة مجرد احتجاج على بنود قانونية مكبلة، بل تحولت إلى ملحمة نقابية ووطنية أعادت رسم العلاقة بين الجماعة الصحفية والسلطة السياسية، وجعلت من تاريخ صدور القانون نقطة تحول محورية يتم استدعاء مطلعها مع كل احتفاء بـ «يوم الصحفى المصري».
فى منتصف التسعينيات، كانت مصر تعيش مناخًا سياسيًا مشحونًا؛ إذ واجهت الدولة تحديات أمنية واقتصادية بالغة التعقيد.
فالجماعات التكفيرية والعمليات الإرهابية كانت فى أوجها، بينما كانت الصحافة الحزبية تشهد صعودًا قويًا وخطابًا نقديًا حادًا كشف عن العديد من قضايا الفساد الإدارى والمالى فى دوائر كبار المسئولين.
كانت جهات فى السلطة، تريد أن تنهى «حالة الثمانينيات» وهو العقد الذى شهد ذروة المعارضة البرلمانية، إذ كان صوت نواب الوفد والعمل والإخوان، غير مسبوق فى دولة يوليو.
وبعد أن نجحت السلطة فى إخراج الوفد من البرلمان فى الانتخابات التى قاطعها عام 1990، جاء دور الصحافة والصحفيين بشكل عام.
لم تكن القوانين القائمة حينها (مثل قانون العقوبات وقانون المطبوعات) كافية من وجهة نظر السلطة التنفيذية لردع هذا المد النبشى والصحافة التحقيقية الناشئة. وفى تحرك مفاجئ وسريع، مرر مجلس الشعب (البرلمان) فى أواخر مايو 1995 مشروع قانون يحمل رقم 93 لسنة 1995 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات وإجراءات المحاكمة فى جرائم النشر.
كانت أبرز البنود المفخخة فى القانون، هى التوسع فى عقوبات الحبس الوجوبى، وإلغاء الغرامات المالية كعقوبة تخييرية فى جرائم النشر، وجعل الحبس العقوبة الأساسية والأولى لأى صحفى يدان بنشر أخبار اعتبرتها المحكمة «كاذبة أو مغرضة».
كما رفعت التعديلات الحد الأقصى لعقوبة الحبس فى جرائم القذف والسب بحق المسئولين لتصل فى بعض الحالات إلى السجن لمدة خمس سنوات، وفرض غرامات باهظة ومبالغ فيها تستهدف إفلاس المؤسسات الصحفية الحزبية والمستقلة لضمان إغلاقها تلقائيًا.
أيضا التوسع فى مفهوم «تكدير السلم العام»، عبر صياغة عبارات مطاطة وفضفاضة تتيح توجيه اتهامات جنائية لأى تقرير صحفى ينتقد السياسات الاقتصادية أو القرارات السيادية للدولة.
فوجئت الجماعة الصحفية بصدور القانون ونشره فى الجريدة الرسمية دون طرحه لأى حوار مجتمعى أو إخطار مجلس نقابة الصحفيين، وهو ما اعتبر طعنة دستورية صريحة للمادة التى تلزم الدولة بأخذ رأى النقابات فى القوانين المتعلقة بمهنها.
وبالتزامن مع تحرك النقيب إبراهيم نافع، وتنوع نقابى نادر جمع بين أقطاب اليسار، والليبراليين، والمستقلين، وصحفيى المؤسسات القومية والحزبية على حد سواء، نجح حزب الوفد فى تعبئة الرأى العام، ضد مشروع القانون.
انفجرت الأزمة فى وجه السلطة.. وللحقيقة، كانت فى السلطة أجنحة واعية، أدركت أن الحرية هى ضمانة لاستقرار النظام.
وقد كان، إذ تراجعت السلطة أمام الحشد القوى للصحفيين.
ربح الصحفيون المعركة عندما اصطفوا حول هدف عام، هو تمكين الحريات، وربحت السلطة على المدى البعيد، إذ أعطت انطباعا أنها مستعدة لتقديم تنازلات.
خرج الجميع رابحون.. لأنهم شركاء فى الوطن.
شراكة دائمة لمن يريد أن يستوعب الدرس.