الشهرة دفعت آلاف المراهقين لتجربته
«مساطيل» على الهواء
«تريند» جديد على «السوشيال ميديا» يدعو الشباب لتجربة أحد عقاقير علاج الاضطرابات العصبية
خبراء: الدواء يجب استخدامه تحت إشراف طبى.. والجرعات الزائدة تؤدى للوفاة
حبوب صغيرة لا يتجاوز حجمها بضعة مليمترات، لكنها نجحت فيما فشلت فيه كثير من المحتويات الرقمية؛ تصدرت الشاشات، وحصدت آلاف المشاهدات، وأصبحت حديث المراهقين على منصات التواصل الاجتماعى، لم تكن أغنية جديدة أو تحديًا رياضيًا أو رقصة عابرة، بل عقار نفسي مخصص لعلاج مرضى يعانون اضطرابات ذهنية معقدة، تحول فجأة إلى بطل «تريند» مثير للجدل يتداوله الشباب باعتباره وسيلة للهروب من الضغوط أو إيقاف التفكير لساعات.
فقد انتشرت على وسائل «السوشيال ميديا» مقاطع فيديو يظهر فيها مراهقون تراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا يتناولون أحد العقاقير الطبية الذى أطلقوا عليه اسم «فصلان» وهم يترنحون مؤكدين أنهم يشعرون بحالة من الانفصال عن الواقع، وأصبح هذا العقار «تريند» بينهم؛ يتبارى كل منهم فى إظهار تأثيره عليه.
وكشف «تريند كلوزابكس» عن وجه جديد للمخاطر التى تنتشر عبر المنصات الرقمية، حيث لم يعد التهديد مقتصرًا على الشائعات أو المعلومات المضللة، بل امتد إلى الترويج لعقاقير طبية قد يترتب على إساءة استخدامها عواقب صحية خطيرة وربما قاتلة.
فخلف مقاطع الفيديو القصيرة والموسيقى الحزينة والعبارات التى تمجد الانعزال عن الواقع، تتوارى حقيقة أكثر قسوة؛ فهذا العقار لم يُصمم يومًا ليكون وسيلة للترفيه أو التجربة، بل دواء يخضع لرقابة طبية دقيقة بسبب مخاطره ومضاعفاته المحتملة، ومع اتساع دائرة «التريند» بين المراهقين والشباب، تصاعدت التحذيرات الطبية والرسمية من تداعياته، خاصة بعد ظهور محتويات رقمية تروج له بصورة مضللة وتختزل مخاطره فى مشاهد عابرة لا تعكس حجم الخطر الحقيقى.
وفى مواجهة هذه الظاهرة، أصدر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف تحذيرًا عاجلًا، مؤكدًا أن الترويج لمثل هذه الممارسات لا يمثل مجرد سلوك عابر على مواقع التواصل، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة الشباب ووعيهم، ويعكس حالة مقلقة من الانسياق وراء «تريندات» قد تكون كلفتها الصحية والنفسية باهظة.
خطر
فى البداية، أوضح الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى أن مادة «كلوزابين» تعد من الأدوية الحديثة المضادة للذهان، وتُستخدم فى علاج بعض الاضطرابات العقلية الشديدة تحت إشراف طبى دقيق، مشيرًا إلى أن المساعدة على النوم تُعد من آثارها الجانبية وليست الغرض الأساسى من استخدامها.
وأوضح أن العقار قد يؤثر على كرات الدم البيضاء، ما قد يؤدى إلى ضعف المناعة لدى بعض المرضى، لذلك لا يُصرف إلا بعد التأكد من الحالة الصحية للمريض ومتابعته دوريًا من خلال الفحوصات والتحاليل اللازمة.
وحذر فرويز من تناول العقار دون وصفة طبية أو استخدامه بغرض النوم، مؤكدًا أن سوء استخدامه قد يسبب مضاعفات صحية خطيرة، كما رفض الاعتقاد الشائع بأن «كلوزابين» علاج لجميع حالات الإدمان، موضحًا أن الدواء فى الأساس مضاد للذهان وليس علاجًا للإدمان.
وأضاف أن تداول اسم العقار عبر مواقع التواصل الاجتماعى بين المراهقين بصورة غير علمية يمثل خطرًا حقيقيًا، داعيًا الأسر إلى تعزيز الوعى لدى أبنائها بعدم تناول أى أدوية دون استشارة طبيب، وعدم الانسياق وراء المعلومات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعى أو نصائح غير المتخصصين.

وحذر أ.د. محمود لطفى صقر، أستاذ السموم بكلية الطب جامعة عين شمس، فى حديثه لـ«الوفد» من التعامل مع عقار «كلوزابكس» باعتباره وسيلة للترفيه أو الهروب من الضغوط النفسية، موضحًا أن العقار يحتوى على المادة الفعالة «كلوزابين» (Clozapine)، وهى أحد مضادات الذهان المستخدمة فى علاج بعض حالات الفصام والاضطرابات الذهنية تحت إشراف طبى دقيق وبجرعات محددة.
وأوضح أن أعراض التسمم أو الجرعات الزائدة تختلف وفقًا للكمية المتناولة والحالة الصحية للمريض والأدوية المصاحبة، إلا أن أكثر الأعراض شيوعًا يتمثل فى النعاس الشديد الذى قد يتطور إلى فقدان الوعى، وتشوش الذهن واضطراب الإدراك، وتداخل الكلام، وفقدان الاتزان، فضلًا عن تسارع ضربات القلب وانخفاض ضغط الدم.
وأضاف أن بعض الحالات قد تتعرض لتثبيط شديد بالجهاز العصبى المركزى يؤدى إلى الدخول فى غيبوبة بدرجات متفاوتة، إلى جانب احتمالية حدوث فشل أو ضعف حاد فى التنفس، ما قد يستدعى نقل المريض إلى وحدات الرعاية المركزة واستخدام أجهزة التنفس الصناعى فى الحالات الحرجة.
وأشار إلى أن التشنجات العصبية تعد من أخطر المضاعفات الناتجة عن الجرعات المرتفعة من العقار، وقد تشكل تهديدًا مباشرًا للحياة فى بعض الحالات، لافتًا إلى أن الجرعات الزائدة قد تؤدى كذلك إلى مضاعفات قلبية خطيرة تشمل اضطرابات نبضات القلب وهبوطًا حادًا فى الدورة الدموية.
وأكد أستاذ السموم أن المراهقين والشباب الذين يتناولون العقار دون وصفة طبية، إلى جانب كبار السن ومرضى القلب، هم الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة، مشددًا على أن ظهور أعراض مثل النعاس الشديد أو اضطراب الوعى أو التشنجات أو صعوبة التنفس بعد تناول العقار يستوجب التعامل مع الحالة باعتبارها طارئة، ونقلها فورًا إلى المستشفى دون انتظار تحسنها تلقائيًا.
وكشف أن مركز علاج التسمم بمستشفيات جامعة عين شمس استقبل خلال الفترة الأخيرة عددًا من حالات التسمم والجرعات الزائدة المرتبطة بالعقار، مؤكدًا أن معظم الحالات يمكن إنقاذها إذا تم التدخل الطبى السريع، بينما تكمن الخطورة الحقيقية فى التأخر فى طلب الرعاية الطبية أو تناول الدواء مع مواد أخرى مثبطة للجهاز العصبى المركزى.
ووجه «صقر» رسالة مباشرة إلى الشباب، مؤكدًا أن الأدوية النفسية ليست وسيلة للتسلية أو التجربة أو تحسين المزاج، وإنما عقاقير علاجية قوية صُممت للتعامل مع أمراض محددة وتحت إشراف طبى صارم، محذرًا من الانسياق وراء المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعى أو تناول أى دواء اعتمادًا على تجارب الآخرين.

كيف صنعت الخوارزميات «تريند كلوزابكس»
وفى قراءة تقنية للظاهرة، أكد المهندس عمرو صبحى، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى لـ»الوفد أن الانتشار السريع لـ«تريندات» خطيرة مثل «الكلوزابكس» يرتبط بما يعرف بـ«العدوى الرقمية» والتأثير الشبكى، حيث تنتقل المقاطع المثيرة للجدل بين المستخدمين بوتيرة متسارعة، خاصة بين فئة الشباب والمراهقين.
وأوضح أن ما يعرف بحالة «الخوف من فوات الشىء» أو (FOMO) يدفع المستخدمين إلى مشاركة هذه المقاطع فيما بينهم عبر الرسائل الخاصة ومنصات التواصل المختلفة، سواء بدافع الفضول أو الرغبة فى معرفة ردود أفعال الآخرين، ما يحول الفيديو خلال ساعات قليلة إلى ظاهرة واسعة الانتشار.
وأضاف أن المحتوى الصادم أو الغريب يحقق معدلات مشاهدة مرتفعة لأنه يعتمد على إثارة الفضول والدهشة والخوف فى الوقت نفسه، وهى عوامل تدفع المتلقى إلى الاستمرار فى المشاهدة والتفاعل مع المحتوى.
وأشار إلى أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعى تلعب دورًا رئيسيًا فى تسريع انتشار هذه المقاطع، موضحًا أن المنصات تعتمد على مدة المشاهدة وحجم التفاعل كمؤشرات أساسية لتقييم المحتوى، وعندما يحقق الفيديو نسب مشاهدة مرتفعة وتعليقات ومشاركات كثيرة، تقوم الخوارزميات بدفعه إلى مزيد من المستخدمين بغض النظر عن طبيعته أو خطورته.
وأكد أن المراهقين بين 13 و18 عامًا هم الأكثر تأثرًا بهذه «التريندات»، نظرًا لأنهم لا يزالون فى مرحلة تكوين الوعى واتخاذ القرار، إلى جانب رغبتهم المستمرة فى إثبات الذات والاندماج مع أقرانهم.
وأوضح أن بعض صناع المحتوى يستغلون بشكل متعمد فضول الجمهور ومشاعر الخوف أو الصدمة لتحقيق نسب مشاهدة أعلى فى إطار ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث أصبحت المنافسة على جذب انتباه المستخدمين أكثر شراسة من أى وقت مضى.
ودعا إلى تعزيز ما وصفه بـ«المناعة الرقمية» لدى الشباب من خلال الحوار المفتوح داخل الأسرة، وتنمية التفكير النقدى، وتدريب الأبناء على تحليل المحتوى وفهم الأهداف الحقيقية وراء نشره، مؤكدًا أن المنع وحده لم يعد كافيًا فى عصر المنصات الرقمية.
كما طالب شركات التكنولوجيا بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والمجتمعية عبر تطوير آليات استباقية لرصد المحتوى الضار، وعدم مكافأة المحتوى الصادم لمجرد تحقيقه معدلات تفاعل مرتفعة، إلى جانب توفير أدوات أكثر فاعلية لحماية القُصّر من المحتوى غير الملائم.

عقول الشباب فى خطر
من جانبه، أكد الدكتور محمد السيد العزازى، الباحث بقسم المناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، أن تحذير الأزهر الشريف من «تريند كلوزابكس» يأتى انطلاقًا من دوره فى حماية الإنسان والحفاظ على صحته وسلامته، موضحًا أن حفظ النفس والعقل يُعد من المقاصد الأساسية التى قامت عليها الشريعة الإسلامية.
وأشار إلى أن موقف الأزهر يستند إلى فلسفة التشريع الإسلامى القائمة على الضرورات الخمس، وفى مقدمتها حفظ النفس والعقل، لافتًا إلى أن تناول عقاقير مخصصة لعلاج الاضطرابات النفسية أو العصبية دون إشراف طبى يمثل سلوكًا بالغ الخطورة، خاصة عندما يتم الترويج له فى صورة تحديات رقمية أو «تريندات» تستهدف جذب انتباه المراهقين والشباب.
وأوضح أن تحويل الأدوية والعقاقير الطبية إلى مادة للترفيه أو وسيلة لتحقيق المشاهدات والتفاعل الرقمى يعكس حالة من الانفلات القيمى والصحى، حيث يتم تجريد الدواء من وظيفته العلاجية وتحويله إلى أداة للمغامرة أو التجربة، وهو ما قد يدفع بعض الشباب إلى التعامل مع أدوية شديدة الخطورة دون إدراك حقيقى لما قد تسببه من مضاعفات.
وأضاف أن خطورة هذه الظواهر لا تقتصر على الجانب الصحى فقط، بل تمتد إلى التأثير فى وعى الشباب وسلوكهم، إذ يمتلك المحتوى الرقمى قدرة هائلة على تشكيل القناعات وإعادة صياغة المفاهيم لدى المتلقين، خاصة فى المراحل العمرية الصغيرة.
وأكد أن المراهقين هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذه التريندات بحكم طبيعة المرحلة العمرية التى تتسم بحب الاستطلاع والرغبة فى التجربة والبحث عن القبول الاجتماعى، إلى جانب التأثر الكبير بالمشاهير وصناع المحتوى.
وشدد على أهمية دور الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول فى مواجهة هذه الظواهر، موضحًا أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع فقط، بل على بناء الثقة والحوار المستمر مع الأبناء، ومتابعة المحتوى الذى يتعرضون له عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وتنمية مهارات التفكير النقدى لديهم حتى يتمكنوا من التمييز بين المحتوى النافع والضار.
وأضاف أن الأزهر الشريف يعمل على مواجهة هذه الظواهر من خلال نشر الوعى وتصحيح المفاهيم المغلوطة وتعزيز ثقافة الحفاظ على النفس، مؤكدًا أن الانسياق خلف التريندات الخطيرة لا يعبر عن الشجاعة أو التميز، بل قد يقود إلى نتائج صحية ونفسية بالغة الخطورة.
وبين تحذيرات الأطباء، وتنبيهات المؤسسات الدينية، وقراءات خبراء التكنولوجيا، تتفق جميع الآراء على حقيقة واحدة؛ أن الوعى يبقى خط الدفاع الأول فى مواجهة تريندات قد تبدو عابرة على الشاشات، لكنها تحمل فى طياتها مخاطر حقيقية تهدد حياة الشباب ومستقبلهم. فخلف كل مشاهدة وإعجاب ومشاركة، قد تكون هناك حياة تُدفع ثمنًا لموجة رقمية لا تدرك حجم ما تتركه من آثار على أرض الواقع.