بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مفهوم الطاعة بين الإفراط والتفريط.. تعرف على الفرق

مفهوم الطاعة - تعبيرية
مفهوم الطاعة - تعبيرية

تجلت حقيقة الطاعة في الانقياد الكامل لمراد الله تعالى وأمره، لا لمراد النفس وهواها، فقد قاد هذا المعنى الإنسان إلى طريق الهداية حين جعل مرجعيته الوحي لا الشهوة، وتركه في مهب الضياع حين جعل هواه معيار الحكم والفعل، فمن عبد الله بهواه فقد ضل، ومن عبده بأمره فقد اهتدى ونجا من شراك إبليس.

وتحققت الطاعة الحقيقية في التسليم المطلق لله وتجريد العبودية من حظوظ النفس، إذ صار العقل أداة للفهم والاستضاءة بنور الوحي، لا وسيلة لإنشاء أحكام تضاهي شرع الله أو تعارضه، وبذلك اتضح أن النجاة تكمن في مجاهدة الهوى الذي أهلك إبليس، والاعتصام بالعلم الذي يربط حياة الإنسان بأوامر الخالق دون زيادة أو نقصان.

مفهوم الطاعة بين الالتزام والانحراف

وُضعت الطاعة في إطارها الصحيح باعتبارها عبادة لله كما يريد هو سبحانه، لا كما يريد الإنسان، وهي حقيقة يغفل عنها كثيرون رغم وضوحها في نصوص الوحي، وقد كان الانحراف عنها سبباً في أول معصية كبرى قصها القرآن الكريم في قصة إبليس.

فقد بيّن النص القرآني أن إبليس لم ينكر وجود الله ولم يجحد عبادته، لكنه امتنع عن السجود لآدم تكبراً واستعلاءً، وكان دافعه الهوى الذي تحوّل إلى أصل للانحراف، حيث قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ...﴾، فكان الكبر بداية السقوط، وكان الهوى باباً واسعاً للغواية.

وتكشف هذه القصة أن الهوى قد يتحول إلى معبود خفي يطاع في النفس البشرية، حتى يصل الإنسان إلى حالة من الانحراف عن أمر الله، وهو ما يفضي إلى خلل في مفهوم العبودية ذاته، حيث يغيب الامتثال ويحل محله التبرير.

الطاعة بين الإفراط والتفريط في الفهم والسلوك

وانقسم الناس في مسألة الطاعة إلى فريقين متطرفين، فريق غلا فأضاف إلى الدين ما ليس منه، وفريق فرّط فأنكر وانحرف، وكلاهما خرج عن ميزان الاعتدال الذي أراده الله لعباده.

فقد سعى الفريق الأول إلى أن يعبد الله على طريقته، فزاد في الأحكام وحرّف المعاني، وجعل من هواه معياراً للفهم، بينما اتجه الفريق الثاني إلى التفلت من التكاليف، متذرعاً بالعقل، في حين كان يقوده الهوى إلى الشهوات.

وتبيّن النصوص القرآنية خطأ كلا الاتجاهين، إذ إن الإيمان لا يتجزأ، بل هو التزام كامل بالوحي، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعۡضِ الكِتَابِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٍ...﴾، وقال سبحانه: ﴿أَرَأَيۡتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ...﴾، كما قال جل شأنه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ...﴾.

وظيفة العقل في ضوء الوحي الإلهي

وقد انكشف أن العقل ليس مشرّعاً مستقلاً، بل هو أداة للفهم والإدراك وربط الواقع بأوامر الوحي، واستنباط المعاني وفق منهج العلم، لا إنشاء الأحكام أو استبدال التشريع الإلهي، فذلك ليس من اختصاص البشر.

وتبيّن أن الذين يدّعون العقل ويتبعون الأهواء إنما ينساقون وراء الكثرة دون بصيرة، في حين أن ميزان الحق لا يُقاس بالعدد، بل بالاتباع الصادق للوحي، قال تعالى: ﴿إِنِ الحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ النَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾.

وبذلك يتضح أن العقل في ميزان الإيمان أداة هداية حين ينضبط بالوحي، وأداة ضلال حين ينفصل عنه، وأن الطاعة الحقيقية تظل مرهونة بالاتباع الكامل لأمر الله، حيث تستقيم الحياة ويستقر المعنى وتتحقق النجاة.