«التصالح» دوامة إجراءات «2»
رغم صدور قانون التصالح فى مخالفات البناء رقم 187 لسنة 2023 باعتباره أحد أهم التشريعات الهادفة إلى تقنين أوضاع ملايين المواطنين وإنهاء واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا فى ملف البناء، لكن الواقع العملى يكشف عن تحديات كبيرة لا تزال تعرقل الوصول إلى هذا الهدف.
بين المراكز التكنولوجية والإدارات الهندسية وجهات الولاية المختلفة، يجد المواطن نفسه فى رحلة طويلة من الإجراءات والموافقات المتشابكة، بينما تتراكم آلاف الملفات فى انتظار الحسم، وسط شكاوى من بطء الإجراءات وتعدد الجهات المعنية بالقرار.

دمياط .. مواطنون: القانون حبر على ورق
الأوقاف والأحوزة العمرانية واشتراطات «صب السقف».. عائق فى وجه التقنين

فى محافظة دمياط يؤكد المهندس محمود الفولى، أن نصوص القانون جاءت واضحة فى تحديد الحالات التى يجوز التصالح عليها وتلك التى لا يجوز التصالح بشأنها، إلا أن التطبيق العملى أفرز العديد من التحديات التى أوجدت فجوة واضحة بين النص القانونى والتنفيذ الفعلى، مشيرًا إلى أن الأزمة لا تكمن فى مواد القانون بقدر ما ترتبط بتعدد جهات الاختصاص واختلاف التفسيرات الإدارية، الأمر الذى يؤدى إلى تعطيل الملفات وإرباك المواطنين وإطالة أمد الإجراءات.
وأضاف أن اشتراطات استكمال أعمال البناء، وعلى رأسها ما يتعلق بإجراءات صب الأسقف والموافقات الفنية والهندسية، أصبحت من أبرز العقبات التى تواجه المتقدمين للتصالح، ما أدى إلى توقف العديد من المشروعات السكنية وتعطيل مصالح أصحابها، رغم تقدمهم بطلبات التصالح وسداد الرسوم المطلوبة.
وأشار إلى أن ملف الأحوزة العمرانية لا يقل تعقيدًا عن غيره من الملفات، خاصة فيما يتعلق بالمبانى الواقعة خارج الأحوزة المعتمدة أو داخل الكتل السكنية المتاخمة لها.
وأكد أن تأخر اعتماد الخرائط النهائية للأحوزة العمرانية وتحديد الكتل السكنية القريبة منها أدى إلى تعليق آلاف الطلبات، رغم توافر شروط التصالح فى العديد من الحالات، الأمر الذى حرم أصحابها من استكمال إجراءات التقنين وإنهاء أوضاعهم القانونية.
وبرزت فى محافظة دمياط أزمة أخرى تتعلق بتعدد جهات الولاية، خاصة فى الأراضى التى تعتبرها هيئة الأوقاف ضمن أملاكها، فعلى الرغم من الإعلان عن وجود تنسيق بين الجهات المعنية لتسهيل إجراءات التصالح، فوجئ عدد من المواطنين بتعثر ملفاتهم أو رفضها بعد استيفاء الإجراءات وسداد الرسوم المطلوبة.
وتحولت بعض الطلبات إلى معاناة حقيقية بعدما طُلب من أصحابها تقديم مستندات تاريخية يصعب الحصول عليها، من بينها مستندات وملفات تعود لعقود طويلة مضت، فى ظل عدم توافر سجلات مكتملة لبعض الفترات الزمنية.
وتقول أسماء حسن، من قرية الرحامنة بمركز فارسكور، إن منازل عديدة تقع داخل الكردون العمرانى منذ عشرات السنين، وبعضها حاصل على تراخيص رسمية، ومع ذلك ما تزال طلبات التصالح تواجه عقبات مرتبطة بجهات الولاية المختلفة.
وأكد ياسر العبد، عضو الهيئة العليا واللجنة التشريعية ورئيس لجنة الوفد بدمياط، أن أحد أبرز أسباب الأزمة يتمثل فى اختلاف تفسير بعض الإجراءات من جهة إلى أخرى، ما يؤدى إلى تباين القرارات فى ملفات متشابهة، مشيرًا إلى أن أى اختلاف محدود فى البيانات أو المساحات قد يؤدى إلى تعطيل الملف أو إعادته للمراجعة، وهو ما يضع المواطن فى دائرة متكررة من الإجراءات والتظلمات، موضحًا أن اشتراطات السلامة الإنشائية وقيود الارتفاعات تمثل بدورها تحديًا أمام عدد من أصحاب المبانى القديمة التى أُنشئت فى ظروف تختلف عن الاشتراطات الحالية، الأمر الذى يتسبب فى تعثر عدد من الملفات قبل الوصول إلى مراحلها النهائية.
المنيا .. اﻟﺮوﺗﻴﻦ ﻋﺎﺋﻖ أﻣﺎم اﻟﻤﻮاﻃﻦ

رغم الأهداف التى يحملها قانون التصالح فى مخالفات البناء، إلا أن العديد من أبناء محافظة المنيا يؤكدون أن الإجراءات التنفيذية لا تزال تمثل عقبة حقيقية أمام تحقيق تلك الأهداف، بسبب ما وصفوه بالروتين وتعقيد الإجراءات وبطء معدلات الإنجاز.
ويقول محمد غانم، أحد أبناء المحافظة، إن قانون التصالح لم يحقق للمواطنين حتى الآن سوى وقف إجراءات التقاضى، بينما لا تزال باقى الإجراءات تسير ببطء شديد، معتبراً أن المواطنين كانوا ينتظرون تسهيلات أكبر تساعدهم على إنهاء ملفاتهم والحصول على التصالح بصورة نهائية.
من جانبها، أوضحت خيرية عبدالله، وهى معلمة من أبناء المنيا، أن إجراءات التصالح تسير ببطء شديد، الأمر الذى تسبب فى حالة من الاستياء بين العديد من الأسر المتقدمة بطلبات التصالح، مشيرًا إلى أن الأزمة تعود إلى تكدس أعداد كبيرة من الطلبات مقارنة بعدد اللجان الهندسية المكلفة بفحص الملفات، فضلاً عن تعقيد بعض المستندات المطلوبة، وصعوبة استكمال بعض الأعمال الإنشائية مثل صب الأسقف بعد الحصول على الموافقات اللازمة.
ويقول حسين عبدالوهاب، موظف بمحافظة المنيا، إن الأجهزة التنفيذية بالمحافظة اتخذت عدداً من الإجراءات لتخفيف العبء عن المواطنين وتسريع معدلات الإنجاز فى ملفات التصالح، مؤكدًا أن المحافظة استعانت بعدد كبير من المهندسين الجدد لدعم اللجان الفنية وتسريع المعاينات والبت فى الطلبات، كما تم تخصيص منافذ وشبابيك خدمة داخل المراكز التكنولوجية لتلقى الطلبات وتقديم الدعم للمواطنين.
وأضاف أن المحافظة شددت على المتابعة اليومية لأعمال لجان التصالح والوحدات المحلية، وإلزامها برفع تقارير دورية تتضمن نسب الإنجاز ومعدلات الأداء، بهدف الإسراع فى إنهاء الملفات المتراكمة، ورغم هذه الجهود، لا تزال شكاوى المواطنين مستمرة بسبب بطء الإجراءات وتأخر البت فى عدد من الطلبات.
ويرى محمد هشام، محامى بالمنيا، أن أبرز أسباب الأزمة الحالية يتمثل فى الزيادة الكبيرة فى أعداد طلبات التصالح، والتى تجاوزت القدرة الاستيعابية للجان الفنية، ما تسبب فى تأخر المعاينات والقرارات الخاصة بالملفات المقدمة.
وأوضح أن المواطنين يواجهون أيضاً صعوبات فى استكمال المستندات المطلوبة، ومنها الرسومات الهندسية وشهادات السلامة الإنشائية، بالإضافة إلى الإجراءات المرتبطة باستكمال أعمال البناء بعد إنهاء التصالح.
وأشار إلى أن المحافظة شهدت شكاوى متكررة تتعلق بصعوبة استكمال بعض الأعمال الإنشائية مثل صب الأسقف أو التعلية، رغم الانتهاء من إجراءات التصالح، وهو ما يثير حالة من الارتباك لدى المواطنين الراغبين فى استكمال مشروعاتهم بصورة قانونية.
واختتم هشام حديثه بالتأكيد على أن قانون التصالح الجديد أغفل بعض الإشكاليات التى تواجه المواطنين، ومنها التعامل مع محاضر التبوير، بالإضافة إلى الجدل المرتبط بالمسحة الكربونية التى تستخدم فى إثبات أن المبنى قائم قبل 15 أكتوبر 2023، والتى تصدر عن بعض كليات الهندسة بالجامعات المصرية لتقدير العمر الزمنى للمبنى.
وأضاف أن المواطنين يواجهون كذلك سلسلة طويلة من الإجراءات والمتطلبات، تشمل ملفات المتغيرات المكانية، والرفع المساحى، والبنية المعلوماتية، ومعاينات الإدارات الهندسية، وإجراءات المساحة العسكرية، وهى خطوات تستغرق شهوراً لإنجازها فى بعض الحالات.
وأكد أن الهدف الأساسى من قانون التصالح هو تقنين أوضاع الأبراج والمنازل المخالفة وتيسير الإجراءات أمام المواطنين، مطالباً بضرورة تبسيط المسارات الإدارية وتقليل الدورة المستندية بما يحقق فلسفة القانون وأهدافه على أرض الواقع، ويخفف من معاناة آلاف المواطنين الساعين إلى تقنين أوضاع ممتلكاتهم.
الدقهلية .. اﻟﺘﻌﻘﻴﺪات ﺗﻄﻴﺢ ﺑﺤﻠﻢ اﻟﺘﺼﺎﻟﺢ

تتزايد حالة الغضب والاستياء بين المواطنين فى محافظة الدقهلية بسبب ما يصفونه بتعقيدات إجراءات التصالح فى مخالفات البناء وارتفاع الرسوم المالية المقررة، فى الوقت الذى كان يأمل فيه آلاف المواطنين أن تمثل منظومة التصالح فرصة حقيقية لتقنين أوضاع عقاراتهم وإنهاء سنوات من الانتظار.
وعلى أرض الواقع، يواجه الراغبون فى التصالح رحلة طويلة من الإجراءات والمستندات المطلوبة، قبل الوصول إلى مرحلة تحديد قيمة التصالح، التى يرى كثيرون أنها تمثل عقبة إضافية أمام استكمال الملفات، خاصة فى ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.
ورغم الحوافز التى أعلنتها الدولة، وفى مقدمتها خصم 25% من قيمة التصالح عند السداد الفورى، فإن عدداً من المواطنين يؤكدون أن القيمة التقديرية للمتر المربع لا تزال تمثل عبئاً مالياً كبيراً يصعب على الكثيرين تحمله.
يقول علاء يوسف، أحد المواطنين، إنه يمتلك منزلاً تم بناؤه منذ سنوات داخل الحيز العمرانى فى فترة لم تكن إجراءات الترخيص متاحة بالشكل الحالى، موضحاً أنه تقدم بطلب للتصالح منذ أيام قليلة، إلا أنه فوجئ بقيمة مالية تقارب 170 ألف جنيه لاستكمال الإجراءات.
وأضاف أن آلية التسعير تعتمد على موقع العقار وطبيعة الشارع، سواء كان المبنى سكنياً أو تجارياً أو إدارياً، مؤكداً أن المبلغ المطلوب يتجاوز قدرته المالية، متسائلاً عن مسئولية المواطن الذى بنى منزله داخل الحيز العمرانى فى فترة لم تكن إجراءات الترخيص متاحة فيها.
وأكد محمد حامد، أحد المواطنين، أن التعديلات الجديدة أفرزت إشكاليات عديدة، من بينها أوضاع المبانى التى تم التصالح على أدوارها الأرضية، بينما لا يُسمح لأصحابها باستكمال التعلية.
وأوضح أن العديد من المواطنين يتساءلون عن مبررات رفض التعلية بعد تقنين الوضع القانونى للدور الأرضى، معتبرين أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوضوح وإعادة النظر فى بعض الضوابط المنظمة لهذا الملف.
وأشار السيد الفولى، أحد أهالى الدقهلية، إلى أن التعلية تُسمح فى بعض الحالات المحددة، خاصة لأصحاب طلبات التصالح القديمة المقدمة منذ عام 2020 والحاصلين على نموذج (10) النهائى، لافتاً إلى أن تلك الشروط تثير تساؤلات لدى المواطنين.
وأضاف أن أسعار التصالح المقررة، والتى تصل إلى 165 جنيهاً للمتر فى بعض المبانى السكنية، تمثل عبئاً إضافياً على الأسر، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولفت أشرف مصطفى- أحد المواطنين- إلى أن بطء إجراءات الفحص والبت فى الطلبات يمثل مشكلة لا تقل أهمية عن الرسوم المالية، مشيراً إلى أن المواطنين يطالبون بسرعة إنهاء الإجراءات وتبسيطها لتشجيع أكبر عدد ممكن على استكمال ملفات التصالح، لافتًا إلى أن اقتصار التصالح على المخالفات القائمة حتى نهاية عام 2023 أثار تساؤلات لدى بعض المواطنين، الذين يرون ضرورة دراسة مد الفترة الزمنية لاستيعاب حالات أخرى، بما يحقق مزيداً من المرونة فى التعامل مع الملف.
وأوضح إلى أن الرسوم المقررة على الأنشطة التجارية، والتى تتراوح بين 285 و400 جنيه للمتر فى بعض المناطق، تعد مرتفعة مقارنة بالظروف الاقتصادية الراهنة، الأمر الذى يدفع بعض أصحاب العقارات إلى التردد فى استكمال إجراءات التصالح، مطالبًا بضرورة إعادة النظر فى بعض الرسوم المقررة، وتسريع إجراءات فحص الملفات والبت فيها، مع تقديم مزيد من التيسيرات التى تشجع المواطنين على تقنين أوضاعهم القانونية، بما يحقق أهداف قانون التصالح ويعزز الاستقرار العمرانى ويحافظ على حقوق الدولة والمواطن فى آن واحد.