بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

1570 يوما من الاستنزاف وفشل مبادرات السلام البارد

الصراع الروسى - الأوكرانى يتجاوز الحرب العالمية الأولى

بوابة الوفد الإلكترونية

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية يومها الـ1570 على التوالى، مسجلةً بذلك أطول فترة صراع منذ الحرب العالمية الأولى، والتى استمرت 1568 يوماً بين عامى 1914 و1918، ما يعكس التحول الواضح فى طبيعة وأمد الحرب، والتى تجاوزت من مجرد هجوم إلى حرب استنزاف شاملة أعادت إنتاج مشاهد الخنادق والدمار الجماعى.
وعلى غير السيناريو المتوقع الذى أعده الكرملين، والذى كان مقررا له ألا يتجاوز مجرد عمليات عسكرية خاصة، تستغرق بضعة أيام قليلة، وذلك وفق تقديراته عند اندلاع الحرب فى فبراير 2022، ولكن على عكس المتوقع تحولت إلى صراع ممتد، ولا أحد لديه القدرة على وضع كلمة النهاية لها، وخصوصاً بعد المقاومة الشرسة التى أظهرتها القوات الأوكرانية منذ صدت الهجمات الأولى على كييف، إضافة إلى استقرار الجبهات على خطوط قتال شبه ثابتة، لتبدأ مرحلة جديدة من الحرب فرضت على الجيشين نمطاً قتالياً لم تشهده أوروبا منذ قرن كامل.
وأعاد تجمد خطوط التماس فى شرق أوكرانيا، إلى الواجهة نموذجاً عسكرياً قديماً، جاء فى مقدمتها الخنادق، والتحصينات، وقصف المدفعية المكثف الذى يمهد لهجمات مشاة محدودة، وذلك وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
وأشار المؤرخ العسكرى الفرنسى ميشيل جويا، وفق تحليلة لتكتيكات الحرب الروسية - الأوكرانية، أن الجيوش تعود قسراً إلى نموذج الحرب العالمية الأولى عندما تتوقف المناورات السريعة وتستقر الجبهات.
وأضاف: «لكن الفارق الأكبر يتمثل فى ثورة التسليح، ففى حين كانت الدبابات والطائرات أبرز ما أنتجته الحرب العالمية الأولى، فإن ساحة المعركة اليوم تخضع بالكامل لسيطرة المسيّرات دون طيار التى أعادت تعريف قواعد الاشتباك».
كما لخص المؤرخ الأوكرانى ياروسلاف هريتساك، الحرب بعبارة محورية قائلاً: «هذه الحرب العالمية الأولى، لكن بالمسيرات».
وأوضح، أن الانتشار الكثيف للمسيرات جعل الخنادق التقليدية أقل أماناً مما كانت عليه قبل قرن، فهذه الطائرات، المجهزة بتقنيات المراقبة والاستهداف الدقيق، تستطيع ملاحقة الجنود ليل نهار، مما اضطر القوات إلى التخلى عن التحصينات السطحية واللجوء إلى ملاجئ عميقة وصغيرة يصعب اكتشافها.
كما جاءت شهادة ميدانية كشف خلالها جندى أوكرانى أن «البقاء على قيد الحياة بات مرهوناً بقدرة المقاتل على الحفر والاختباء»، وأن هيمنة المسيرات وسعت نطاق «المناطق المحظورة» بين خطوط التماس، لتتحول مساحات شاسعة إلى حقول مراقبة مستمرة تجعل أى حركة مكشوفة هدفاً وشيكاً، ونتيجة لذلك تراجعت الهجمات واسعة النطاق لتحل محلها عمليات صغيرة تنفذها مجموعات محدودة أو أفراد منفردون.
وفيما يبدو، فإنه على الرغم من اختلاف حجم القوات المشاركة، فى الحرب العالمية الأولى والتى أسقطت ما بين 9 و11 مليون قتيل بالمقارنة بمثيلتها فى الحرب الروسية الأوكرانية، والتى تشير إلى نحو نصف مليون قتيل فى أوكرانيا، وما يقرب من هذا العدد فى الخسائر الروسية، فإن سهم الضحايا والمصابين فى ساحات القتال الأوكرانية يمتد إلى أعلى بشكل يثير القلق، وذلك نتيجة الانتشار المكثف للمسيرات والأسلحة الدقيقة.
وجاءت وتيرة التقدم الروسى على بعض الجبهات أبطأ أحياناً من معارك الحرب العالمية الأولى، حيث لم يتجاوز متوسط التقدم عشرات الأمتار يومياً، رغم الكلفة البشرية والمادية الباهظة، فالصور القادمة من الجبهات الأوكرانية تظهر حقولاً مليئة بالحفر، وأشجاراً محترقة، وقرى مدمرة بالكامل، فى مشهد يكاد يتطابق مع الصور التاريخية لمعركتى السوم وفردان.
ووفق مؤرخين، فإن الحرب فى أوكرانيا، مثل الحرب العالمية الأولى، وستصنف ضمن أكثر الصراعات تأثيراً فى التاريخ الأوروبى الحديث، فكلتا الحربين أعادت تشكيل التحالفات العسكرية، ودفعت وتيرة البناء الدفاعى إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
وعلى الجانب الآخر، فإن مبادرات السلام البارد لا تزال متعثرة، وخصوصا مع رفض الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بشكل قاطع دعوة نظيره الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى لعقد لقاء مباشر بينهما، معتبراً أنه مجرد فرصة لأوكرانيا لإعادة التسلح، كما رفض نشر قوات أوروبية على أراضيها، ويصر بدلاً من ذلك على تخلى كييف عن أراضٍ فى دونيتسك الشرقية، على الرغم من أن هذه المبادرة اعتبرها البعض خطوة تمهيدية محتملة لإنهاء القتال، وهذا الرفض يؤكد تباعد المواقف بين الطرفين، ويغلق المسارات الدبلوماسية التى كانت مطروحة.
وعلى الرغم من ذلك، سعى قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا إلى استغلال قمة مجموعة السبع المقررة فى فرنسا الأسبوع الجارى، للحصول على دعم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لخطة أوروبية تهدف إلى إطلاق جولة جديدة من محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، وتقوم خطتهم على مطالبة موسكو بوقف فورى لإطلاق النار عند خطوط التماس الحالية كخطوة تمهيدية للمفاوضات، إلى جانب تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا تشمل نشر قوات متعددة الجنسيات.