"أنا الوحيد الذي يعرف الحقيقة".. عمرو الليثي يكشف أزمة خطيرة في "البودكاست"
أكد الإعلامي الدكتور عمرو الليثي أن “البودكاست” أصبح ظاهرة إعلامية عالمية فرضت حضورها بقوة خلال السنوات الأخيرة، بعدما أتاحت للجمهور مساحة أوسع للاستماع إلى القصص والتجارب والأفكار التي قد لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية.
وأضاف: "إلا أن هذا الانتشار الواسع صاحبه ظهور ممارسات تثير القلق وتطرح تساؤلات جادة حول المسؤولية المهنية والأخلاقية للمحتوى الذي يُبث عبر هذه المنصات.
وقال عمرو الليثي، في تصريحات صحفية، إن المشكلة لا تكمن في الوسيلة ذاتها، وإنما في طبيعة المحتوى الذي يُقدَّم من خلالها.. فالمتابع لبعض برامج البودكاست العربية والمصرية يلاحظ أن العديد من الحلقات تحولت إلى منصات لإعادة سرد تاريخ مصر من خلال روايات شخصية تفتقر إلى التوثيق، وتعتمد على الذكريات والانطباعات الفردية أكثر من اعتمادها على الوثائق والشهادات المعتبرة، لتُطرح في النهاية وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
وأضاف، أن الأخطر يتمثل في تناول أحداث تاريخية مضى عليها عقود طويلة، ورحل عن الدنيا معظم من شاركوا فيها أو عاصروها، ثم يظهر أشخاص لم يكونوا في مواقع المسؤولية أو لم تسمح أعمارهم أصلًا بمعايشة تلك الوقائع، ليتحدثوا بثقة مطلقة عما جرى خلف الكواليس وداخل دوائر صنع القرار.
غياب الدلائل والوثائق:
وتابع: "والأكثر إثارة للدهشة أن بعض مقدمي البرامج لا يطلبون دليلًا أو وثيقة تدعم هذه الروايات، ولا يطرحون وجهات نظر أخرى، وكأن المنصة تحولت إلى منبر لإعلان "الحقيقة المطلقة".
وأشار عمرو الليثي إلى أن الأمر لم يعد مقصورًا على الأحداث التاريخية، بل امتد إلى تناول الشخصيات العامة الراحلة، حيث تُوجَّه إليها اتهامات وتلميحات وأحكام سياسية وأخلاقية دون أن تملك فرصة للدفاع عن نفسها أو تصحيح ما يُنسب إليها.
واستكمل حديثه قائلًا: "وهنا يبرز تساؤل أخلاقي مهم: ما قيمة الشجاعة في توجيه الاتهامات إلى من لا يستطيع الرد؟ وأين العدالة عندما يُمنح طرف واحد حق الحديث بينما يغيب الطرف الآخر إلى الأبد؟
وتابع أن بعض الضيوف يقدمون أنفسهم باعتبارهم شهودًا على العصر وصناعًا للقرار ومستشارين للرؤساء، رغم أن مسيرتهم المهنية أو مواقعهم السابقة لا تدعم هذه الصورة.. ويستمع المشاهد إلى عبارات من قبيل: "الرئيس كان يستشيرني"، أو "كنت أعرف ما يدور في الغرف المغلقة"، أو "أنا الوحيد الذي يعرف الحقيقة"، دون أن تكون هناك وثائق أو أدلة يمكن الرجوع إليها والتحقق منها.
وأوضح الليثي، أنه في المقابل يجد أبناء وأحفاد الشخصيات التي يتم تناولها أنفسهم مضطرين لخوض معارك قانونية وإعلامية للدفاع عن سمعة ذويهم، ليصبح القضاء في كثير من الأحيان الجهة الوحيدة القادرة على الفصل بين الحقيقة والرواية، بعد أن أخفقت بعض المنصات الإعلامية في أداء دورها الأساسي المتمثل في التحقق والتدقيق.
وأكد أن القضية تطرح تساؤلات جوهرية حول الضمير المهني وحق الرد ومواثيق الشرف الإعلامي، متسائلًا: هل أصبح المحتوى المنشور عبر الإنترنت معفيًا من القواعد المهنية التي تحكم العمل الصحفي والإعلامي منذ عقود؟
وشدد الليثي على أن حرية التعبير لا تعني حرية اختراع الوقائع، وأن الحق في الحوار لا يبرر منح المنصة لأي رواية دون تمحيص أو تدقيق، فالتاريخ ليس ملكًا لأصحاب الأصوات الأعلى، ولا تُصاغ ذاكرة الأمم بعدد المشاهدات أو الإعجابات.
واختتم تصريحاته محذرًا من أن استمرار بعض برامج البودكاست في التعامل مع التاريخ والشخصيات العامة باعتبارها مادة لإثارة الجدل وصناعة الضجيج سيؤدي إلى نشأة جيل يتلقى معلوماته من روايات فردية متناقضة، لا من حقائق موثقة ومصادر موثوق بها.
وأضاف: "عندها لن يكون السؤال ماذا حدث في الماضي؟ بل كيف سمحنا بتحويل التاريخ إلى محتوى للتريند، وتحويل الشائعة إلى مادة إعلامية تتصدر المشهد تحت مسمى البودكاست؟".