البهنسا.. مدينة تهمس بأسرار التاريخ في قلب المنيا
إذا أردت أن ترى كف المسيح عليه السلام.. وتلمس بيديك أشجارًا وجبالًا انحنت له إجلالًا وترحيبًا.. فاذهب إلى المنيا، وإذا أردت أن تزور حفيد النبى محمد صلى الله عليه وسلم وتستأنس بالجلوس إلى عدد من صحابة النبى.. فاذهب إلى المنيا، وإذا حدثت نفسك برؤية أساطير فرعونية صوتًا وصورة فما عليك إلا أن تذهب إلى المنيا.
هنا عاش السيد المسيح.... عليه السلام والسيدة العذراء، هنا ينبت السلام ترعاه الأيادي والقلوب، ويهطل الحب مدرارا، لا حدود ولا أحقاد تفرّق هذا عن ذلك، إذا أردت أن تزور مرقد حفيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتستأنس بالجلوس إلى عدد من صحابة النبي.. فاذهب الى المنيا، وإذا حدثت نفسك برؤية اساطير فرعونية بالصوت والصورة فما عليك إلا أن تذهب الى عروس الصعيد .
هنا يتنامى إلى أسماعنا صوت كل الحضارات التي مرّت من هنا، وهنا أيضا وشم التاريخ أكثر ما أمكن من الرموز والنقوش، لتكون قرائن وشواهد وأدلّة على أن الإنسانية بمختلف اعراقها ومشاربها وهوياتها مرّت من هنا وحطّت الرحال، وجعلت من المكان مستقرّا وجنّة مقدّسة، إنك وأنت تطأ المكان لابد أن تشعر بتلك الرهبة والخشوع اللذين يغزوان داخلك احتراما لكلّ ذلك الزخم من المعالم التاريخية والدينية والإنسانية، قف واستقم واخشع فإنك فى المنيا!
فالمنيا ليست مجرد أرض وبشر ونيل وزرع ولكنها سجل تاريخي ليس له مثيل.. ففيها أقام الفراعنة حينا من الدهر وتركوا آثارًا ونقوشًا تحكى أساطير مثيرة.. وفيها عاش المسيح والقديسة العذراء «عليهما السلام» وتركوا آثارًا تهفو لها القلوب.. حتى أن الكف الشريفة للسيد المسيح انطبعت على أحد جبال المنيا ومازال أثرها باقيًا، وفى المنيا أيضًا آثار إسلامية نادرة.
هنا مرت العائلة المقدسة وعاش سيدنا يوسف واستشهد 5 آلاف من الصحابة ، ومدفون بها محمد بن أبي ذر الغفاري وعبدالرحمن بن أبي بكر ، وعدد من أبناء عمومة رسول الله والصحابية خولة بنت الأزور و70 صحابياً شهدوا غزوة بدر ، وكما يؤكد السلف الصالح فإن زيارة البهنسا استجابة للدعاء وخوض في الرحمة ، وخروج من الذنوب وذهاب للهموم وقضاء للحاجات .
حالة من الدهشة والغموض تكتنف المواطن المنيا ، ومازالت خيوط الحيرة تتملكه وتتشبث في عقله وفكره ، متى تصبح " البهنسا " مزارا عالميا ، وبها مرقد 5 ألاف من صحابة رسول الله في غزوة بدر ، وبها مرقد حفيد الرسول محمد "ص" فتجاهل وضع مدينة البهنسا على الخريطة السياحية لمصر ، هو حرمان الإنسانية من إرث حضاري إسلامي ، قبطي ، فرعوني .
البهنسا: ملحمة الأسماء وبرديات القرون
في شمال المحافظة، وتحديداً في مركز بني مزار، تقبع قرية "البهنسا"، تلك المدينة الأثرية الحصينة التي عُثر فيها على مخزون هائل من البرديات اليونانية والرومانية، تروي الروايات التاريخية أن البهنسا كانت مدينة عظيمة ذات أسوار منيعة، تحرسها أربعة أبواب رئيسية، لكل باب ثلاثة أبراج مشيدة، وتزخر بالكنائس والقصور.
أما عن سر تسميتها، فتقول الأسطورة الشعبية إن المدينة كانت خاضعة لحكم حاكم روماني جبار يدعى "البطليموس"، وكانت له ابنة بلغت من الحسن والجمال مبلغاً جعله يطلق عليها "بهاء النساء"، ومن هذا الوصف اشتُق اسم البلدة ليصبح بمرور الزمن "البهنسا". ومع تدفق القرون، ازدهرت المدينة في العصر الإسلامي لتصبح مركزاً لإنتاج أفخر أنواع النسيج المطرز بالذهب، فضلاً عن احتضانها لقصور ومبانٍ من التاريخ الحديث يتجاوز عمرها مائة عام.
أرض الشهداء: البقيع المصري ومقامات الصحابة
تكتسب البهنسا قدسية خاصة في الوجدان الإسلامي، حتى لُقبت بـ "مدينة الشهداء" و"بقيع مصر". ففي عام 22 هجرية، وخلال حركة الفتح الإسلامي للصعيد بقيادة "قيس بن الحارث" – والذي سُميت قرية "القيس" المجاورة نسبة إليه – واجه الجيش الإسلامي مقاومة ضارية من الحامية الرومانية المتحصنة وراء أسوار المدينة.
أسفرت هذه المعارك الشرسة عن استشهاد ما يقارب 5 آلاف من الصحابة والتابعين، من بينهم 70 صحابياً ممن شهدوا غزوة بدر مع الرسول ﷺ. وتضم جبانة المسلمين، الرابضة غربي المدينة بجوار مسجد "علي الجمام"، أضرحة ومقامات لرموز وقادة عظام شاركوا في الفتح أو زاروا المدينة، مثل: عبدالله بن عمرو بن العاص.
ومحمد بن أبي ذر الغفاري، وعبدالرحمن بن أبي بكر، والزمرد بن الحارث، والوزير قعقاع، والفضيل بن العباس، فضلاً عن الفدائية الشهيرة خولة بنت الأزور. لذا، استقر في وجدان السلف الصالح أن زيارة البهنسا والتبرك بثرائها مستجاب فيه الدعاء، وبوابة لتفريج الهموم وقضاء الحاجات.
العمارة الروحية: أقدم مساجد مصر ومعجزات الأرض
في قلب البهنسا، تتلاشى فجوة الزمن بمجرد دخولك مسجد "الحسن الصالح بن علي زين العابدين بن الحسين"، حفيد رسول الله ﷺ. هذا الصرح الروحاني الشامخ يعد من أقدم المساجد في مصر وأفريقيا، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى العصر العباسي (عام 323 هـ) وجُدد في العصر الفاطمي، مما يجعله أقدم من الجامع الأزهر الشريف بمراحل.
و يتميز المسجد بأعمدته وتييجانه الأثرية البديعة التي تعكس عظمة العمارة الإسلامية، ورغم وجود روايات غربية تزعم بناءه على أنقاض كنيسة، إلا أن الدراسات الأثرية دحضت ذلك، مؤكدة أن أقباط مصر كانوا من أوائل الداعمين للفتح الإسلامي للتخلص من الاضطهاد الروماني.
وتحيط بالبلدة مأثورات شعبية ضاربة في القدم؛ إذ يعتقد أهل الصعيد أن تراب البهنسا "أرض مبروكه لا تأكل أجساد الموتى"، بالإضافة إلى الأسرار التي تحيط بـ "قبة الدكروري" التي يقف العلم عاجزاً عن تفسير ظواهرها، بجانب معالم رحلة العائلة المقدسة متمثلة في "شجرة مريم" التي استظلت تحتها السيدة العذراء والمسيح عليهما السلام ورفيقهما يوسف النجار، إلى جانب الإرث التاريخي لسيدنا يوسف عليه السلام وإخوته الذين عاشوا في هذه الربوع.
ملاحم شعبية: أضرحة "السبع بنات"
على أطراف المدينة، يتجسد التراث الشعبي في موقع أضرحة "السبع بنات"، وهو المكان الذي يتحول صبيحة كل يوم جمعة إلى ما يشبه العيد القومي، حيث تتوافد الحشود للتبرك ، وتدور حول هذه الأضرحة السبعة رواية ملحمية تشير إلى سبع فتيات قبطيات كن يمددن الجيش الإسلامي بالمؤن والطعام أثناء حصار الرومان للمدينة، فلما اكتشف الرومان أفضالهن، طاردوهن وقتلوهن الواحدة تلو الأخرى، لتخضب دماؤهن الأرض، وتتحول قصتهن إلى رمز للتضحية والوحدة الإنسانية.
صرخة استغاثة: إهمال الأثر وتعديات البشر
رغم هذا الزخم الحضاري والديني الذي يجمع بين العصور الفرعونية، اليونانية الرومانية، القبطية، والإسلامية، تعيش البهنسا حالة من التهميش السياحي تثير دهشة واستياء أبنائها والمثقفين على حد سواء. فالمدينة غائبة عن الخريطة السياحية العالمية، وتعاني من نقص حاد في المرافق الأساسية كالرصف، والصرف الصحي، والخدمات الترفيهية، والترويج الإعلامي.
والأدهى من ذلك، أن عوامل الزمن والإهمال باتت تهدد القباب الأثرية الإسلامية بالتصدع والإنهيار، ومنها "قبة الأمير زياد" التي تحمل كتابات نادرة بالخط المملوكي وتعود لعام 992 هجرية، وتكتمل المأساة بالتعديات السافرة من بعض الأهالي الذين استهدفوا تلالاً أثرية تحوي جدران قصور فاطمية بالجرارات واللوادر، دون رادع حقيقي يوقف هذا النزيف التراثي، رغم البلاغات المستمرة من مفتشي الآثار.
خاتمة: خارطة طريق لإنقاذ "كنز مصر"
اوضع المستشار القانوني حاتم رسلان ، إن البهنسا تمثل مشروعاً قومياً جاهزاً ليكون مزاراً دينياً وسياحياً عالمياً ينافس كبرى المزارات الدولية، شريطة أن تتحرك الحكومة عبر استراتيجية واضحة تشمل: الإسراع في ترميم وصيانة القباب والأضرحة والمساجد الفاطمية والمملوكية المهددة بالانهيار، و فرض حرم آمن للمناطق الأثرية ووقف التعديات والجرافات بقوة القانون.
ومضيفا رسلان ، كما أنه من الضروري تطوير البنية التحتية من شبكات طرق وصرف صحي وفنادق لاستيعاب الوفود، إدراج المدينة رسمياً على خارطة السياحة الدينية العالمية، وإطلاق حملات ترويجية تليق بمدينة تضم رفات خمسة آلاف صحابي وشهدت خطى الأنبياء.





